الفصل الاول
كانت الساعة السادسة صباحا، المدينة مازالت تتثائب تحت ضباب خفيف يغلف النوافذ ، لكن سديم كانت مستيقظة ليس لأنها لم تنم بل لأنها لم تكن تعرف كيف في شقتها الصغيرة، كل شيء في مكانه، المكان مرتب و النباتات مروية وستائر نصف مفتوحة لا فوضى في محيطها الخارجي عكس داخلها. جلست على الأرض على تلك السجادة المربعة في زاوية هادئة من الصالة حيث تمارس تمارينها القتالية الصامتة كل صباح، حركاتها كانت رشيقة ومتقتة تتنفس ببطء وتفكر بعمق وتحاول ألا تشعر على الإطلاق.
"بعض الغياب لا يملأ، حتى وان امتلئت السماء بالاصوات"
في منتصف الحركة اختل توازنها للحظة كأن الهواء تغير توقفت نظرت إلى مرآة معلقة على الجدار التي لا تنظر فيها إلا نادرا رأت ظلها يتحرك وحده أو هكذا ظنت، أغمضت عينيها وهمست لتطمئن نفسها: "لا بأس، إنه التعب فقط" وحين فتحت عينيها لمحت ظرف أبيض صغير قد دس تحت بابها نهضت، مشيت نحوه ببطء التقطته وفتحته.
داخله ورقة واحدة، لا توقيع لا ختم فقط جملة قصيرة "المرآة لاتكذب، لكنها لا ترحم" كانت تعرف الخط وصاحبه، نبض قلبها وقبل أن تفكر "نورس" شردت في ذكريات الماضي.
فلاش باك
كانت في السادسة، حيث رأت والدها يعنف والدتها بصمت قاتل أمها لم تصرخ، لم تبك، فقط نظرت إلى الأرض نظرة امرأة سقطت في داخلها منذ زمن اتجهت سديم ناحية أمها تحاول مواستها ومسح جروحها. صرخ والدها بصوت غاضب: "ابتعدي الآن والى ستنالين عقابك" نظرت إليه نظرات ترتعد من الخوف واختبئت خلف والدتها.
والدها: "حسنا انت من طلبت هذا" امسك سديم من ذراعها سحبها من خلف أمها في تلك الأثناء تحركت مشاعر الأمومة لدى والدتها ودفعت زوجها بكل ماتمتلك من قوة.
افجرت براكين غضبه ولم يشعر بنفسه إلا وهو يخرج سكين من جيب بنطاله وطعنها طعنات متفرقة حتى ارتطم جسدها بالارض وانعدمت انفاسها جلست بجانب والدتها وهي تبكي: "امي ارجوكي استيقظي لا تتركيني لوحدي" حاولت افاقتها لكن لا جدوى وبذلك تدمرت عائلتها وطفولتها بوفاة والدتها وعقوبة والدها بالسجن المؤبد
بعد ايام خرجت الى الحديقة واتجهت الى قفص الطيور، حيث وقفت تتأمل طائرا صغيرا لم ينبء ببنت صوت وقتها فهمت أن بعض الكائنات تختار النجاة بالصمت حتى لو كان الثمن ارواحها، وقف رجل عند عتبة عقلها وقال لها بلطف: "الحقيقة مؤذية دعيني أحميك منها" باك
بعض الارواح تولد صامتة لا لأنها لا تملك صوتا بل لأنها خلقت لتسمع مالا يقال هكذا كانت سديم صمتها لم يكن ضعفا بل مرآة مقلوبة لا تعكس العالم بل تخزنه، تسجله وتدفنه في الأعماق.
أفاقت من شرودها وتمتمت بصوت منخفض: "ماذا يقصد بهذه الرسالة؟" انتفضت من تفكيرها: "الآن يجب ان اذهب الى الجامعة وفي المساء سنفكر بما كنت تقصده يانورس "
بينما في احدى المقاهي الصغيرة بعيدا عن ضجيج المدينة كان يجلس ركان حيث يعرفه البعض فقط كزبون هادئ لا يكثر الكلام كانت عيناه تراقبان الوجوه من حوله بدقة لا مجرد مشاهدة عابرة، بل فهم عميق لحالة كل شخص، لخطواته لتردداته اقترب منه رجل في منتصف الاربعينات يبدو عليه القلق يحمل هاتفه بيده ويرتجف قليلا جلس بجانبه ونظر اليه قبل ان بتحدث: "انت ركان، اليس كذلك؟"
ابتسم ركان بهدوء: "من يسأل"
"أنا سعيد، من قسم العلاقات في الشركة سمعت أنك الشخص المناسب للتعامل مع موقف حساس"
أومأ برأسه، دون ان يبد تسرعا: "ماهو الموقف"
قال سعيد بصوت منخفض: "هناك موظف يسبب مشاكل ولا نعرف ننعامل معه"
ركان أدار نظره ببطء نحو الرجل: "المشاكل ليست دوما ماتبدو عليه" ثم قال بهدوء " الفهم يأتي قبل الحكم "
وقف ركان مد يده ليصافح سعيد وصاحبه على امل واضح في عينيه "دعني اتعامل معه، سأعيد الأمور إلى نصابها"
رحل ركان دون أن يضيف كلمة لكن وجوده أثار هدوءا غريبا في المكان كان ذلك أسلوبه لا يصرخ، لا يجبر لكنه يدخل كالظل ليكشف الحقيقة وراء الأقنعة.
في منطقة شبه منعزلة عن العالم وجد فيها فيلا ضخمة يكاد يجزم من يراها انها قصر مثل قصور القصص الخيالية بجمالها وروعتها ذات اربع طوابق ولها حديقة من يدخلها يشعر وكأنه دخل الى جنات لكن لا احد يتوقع ان خلف هذا النعيم يكمن طاقة هائلة من الخبث والحقد.
نورس يجلس في حديقة منزله ويقف بجانبه مساعده سيد ذراعه الايمن. نورس: "هل أتممت المهمة"
سيد: "نعم سيدي وأظن أنها فتحت الظرف"
نورس: "رائع والآن أريد منك مراقبة سديم خطوة بخطوة" أومأ سيد برأسه وانصرف.
و هكذا كان نورس من يراه يقول انه شخص شهم وذو رجولة لكن لا أحد يعلم ماخلف هذا القناع فهو مريض نفسي ومهوس بالسيطرة وضحى بالعديد ليرضي هوسه ومرضه.
حل المساء وعادت سديم إلى شقتها الصغيرة جلست على الأريكة بتعب وإرهاق وأمسكت الورقة بين أصابعها كأنها شيء سام جسد بلا وزن وفكر بلا اتجاه "المرآة لا تكذب" نفس الجملة نفس اللهجة نفس الهدوء المسموم صوت نورس لم يتغير في ذهنها لم يكن عاليا يوما، بل دافئا بطريقة مريبة.
ذلك النوع من الأصوات ااتي تطمئنك وأنت تسقط، لا وأنت تشفّى.
انكمشت داخلها وعاد المشهد فلاش باك
غرفة صغيرة مضاءة بمصباح أصفر باهت كانت سديم في التاسعة عشر تجلس أمام نورس تحكي له عن غضب في صدرها لا تعرف مصدره عن تلك اللحظات التي تود فيها ان تصرخ، أن تضرب الجدار أن تكسر صورتها في المرآة.
لكنه ابتسم ابتسامة بعيدة كل البعد عن المزاح: "الغضب ضعف يا سديم والعقل لا يصرخ من الأفضل أن نتعلم كيف نطفئ النار، لا كيف نحرق بها كل شيء"
ولأنها أرادت أن تكون عاقلة صدقته، خافت من النمر الذي بداخلها فحبسته ومن يومها صار نورس من مرآتها لا تريها ذاتها، بل تريها مايجب أن تكون عليه. باك
تنهدت ببطء، نظرت الى الورقة من جديد: "لماذا الآن؟ هل شعر بأن النمر بدأ يتحرك؟
رفعت نظرها للمرآة المعلقة على الجدار، للحظة ظنت أنها ترى شخص آخر فيها لكن لا إنه فقط انعكاسها يحدق فيها بحدة لم تعهدها من قبل.
وهي تجلس على الأريكة:" انا فقط أتوهم أظن أني أحتاج للخروج لتغير الجو "