الفصل الثالث
أول لقاء بين الظل والنور
في صباح مشرق على منحدر الجبل، كان أحمد يعمل بجد في الحقول، رأسه مغطى بالقبعة السوداء كما اعتاد، ويداه تتحركان بسرعة وكأن كل شيء في الأرض يستجيب لقوة جهده.
فجأة، شعر بشيء غريب، كنسيم خفيف يمر بين الأشجار وكأنه يراقبه. رفع عينيه، ولم يصدق ما رآه: شخصية غامضة تقف بين الظلال، بعينين تتلألأ كنجوم في الصباح المبكر.
كانت سديم، تقف على مسافة آمنة، محتفظة بسرّها. لم تكشف عن ملامحها بالكامل، لكن بعض أشعة الشمس لامست وجهها، وكشفت عن جمال أخّاذ يأسر القلب.
— أه… من أنتِ؟ — سأل أحمد، صوته يحمل مزيجاً من الدهشة والحذر.
ابتسمت سديم ابتسامة هادئة، لكنها لم تتقدم خطوة.
— أنا… مجرد زائرة هنا، أحببت مراقبة جمال الطبيعة… — قالت بصوت خافت، كلماتها موزونة بعناية، تحمل قوة غير مرئية تجعل الهواء حولها يشعر بالهدوء.
شعر أحمد بشيء غريب، كأنه يتأثر بها دون معرفة السبب. كان حضورها ساحراً، قوة غير مرئية تحيط بها تجعل قلبه يتوقف للحظة.
سديم كانت تعرف أن أي حركة خاطئة قد تكشف حقيقتها: قوتها العظيمة، الموروثة من والدتها رحاب ووالدها صخر، لا يجب أن تظهر أمام البشر. لكنها أرادت أن تكون قريبة، أن يلتقي عينيهما، حتى لو كان ذلك بعيداً عن أعين الآخرين.
— اسمي أحمد… — قال أخيراً، مع شعور غريب بالراحة والفضول في الوقت نفسه.
— وأنا… — همست سديم، وابتسامتها تخفي الكثير — … اسمي سديم.
وكان هذا اللقاء البسيط، لكنه مليء بالإثارة والغموض، بداية رحلة لم يكن أي منهما يعرف إلى أين ستقوده: بين عالم البشر وعالم الجن، بين الحب والخطر، بين الصمت والاعتراف بالمشاعر…