بداية قصة" كاتيا "
لم تكن كاتيا من النوع الذي يتأخر في المدرسة.
منذ سنتها الأولى، اعتادت أن تغادر فور انتهاء الدوام، وكأنها تهرب من شيء لا تستطيع تفسيره.
لكن هذا اليوم كان مختلفًا.
وقفت أمام بوابة المدرسة، تنظر إلى هاتفها بقلق.
الساعة كانت تشير إلى السادسة والنصف مساءً، ورسائلها لصديقتها "ليان" بقيت دون رد.
"وينك؟"
"ليش ما تردي؟"
"أنا قلقت…"
لا جواب.
تنهدت كاتيا، ثم التفتت ببطء نحو المبنى خلفها.
المدرسة بدت مختلفة تمامًا.
صامتة… مظلمة جزئيًا… وكأنها لم تعد المكان نفسه الذي كان مليئًا بالطلاب قبل ساعات.
ترددت للحظة.
ثم دخلت.
خطواتها كانت خفيفة، لكنها بدت عالية في الممر الفارغ.
صوتها يتردد على الجدران، يزيد شعورها بعدم الراحة.
"ليان؟" نادت بصوت منخفض.
لا أحد.
أكملت طريقها، تمر بجانب الصفوف المغلقة.
الأبواب كانت كلها موصدة… باستثناء باب واحد في نهاية الممر.
توقفت.
نظرت إليه
كان بابًا قديمًا، بلون رمادي باهت، عليه خدوش واضحة، وكأنه لم يُستخدم منذ سنوات.
"غريب…" همست.
لم تتذكر أنها رأته من قبل.
اقتربت ببطء.
كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها.
وفجأة—
"طرق… طرق…"
تجمّدت في مكانها.
الصوت كان خفيفًا… لكنه واضح.
جاء من جهة الباب.
حبست أنفاسها.
"في أحد؟" قالت بصوت مرتجف.
الصمت.
ثم—
"طرق… طرق…"
هذه المرة أقرب.
نظرت إلى الباب… وعيناها اتسعتا ببطء.
الصوت لم يكن من الخارج…
كان من الداخل
لم تتحرك كاتيا....
بقيت واقفة مكانها، وكأن قدميها التصقتا بالأرض، وعيناها مثبتتان على الباب الرمادي في نهاية الممر.
قلبها بدأ ينبض بسرعة… بسرعة غير طبيعية.
"لا… أكيد في تفسير…" همست لنفسها.
لكن صوت الطرق عاد.
"طرق… طرق… طرق…"
أقوى هذه المرة.
تراجعت خطوة للخلف، ويدها ارتجفت وهي تمسك هاتفها بقوة."في أحد جوّا؟" سألت، بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا… لكنه خانها.
صمت.
ثم فجأة—
توقف الصوت.
اختفى تمامًا.
وكأن شيئًا لم يكن.
مرّت ثوانٍ طويلة، ثقيلة…
حتى بدأت كاتيا تشك في نفسها.
"يمكن أنا أتخيل…" قالت وهي تأخذ نفسًا عميقًا.
نظرت حولها.
الممر ما زال فارغًا… هادئًا بشكل مزعج.
ثم تقدمت.
خطوة… خطوة…
حتى أصبحت أمام الباب مباشرة.
مدّت يدها ببطء نحو المقبض.
كانت على بعد سنتيمترات فقط.
لكنها توقفت.
شيء بداخلها كان يصرخ: لا تفتحيه.
ابتلعت ريقها، وسحبت يدها قليلًا.
ثم، بدافع لا تعرف مصدره…
اقتربت أكثر.
وضعت أذنها على الباب.
في البداية… لا شيء.
ثم—
صوت.
خفيف جدًا… بالكاد يُسمع.
أنفاس.
أنفاس شخص… من الداخل.
تجمد جسدها بالكامل.
تراجعت بسرعة، وعيناها متسعتان.
"في أحد هنا!" قالت بصوت مرتفع هذه المرة.
لكن الرد لم يكن ما توقعته.
جاء صوت… خافت… مكسور…
من خلف الباب مباشرة:
"…ساعديني…"
توقفت أنفاسها.
الصوت كان صوت فتاة.
"مين؟ مين أنتِ؟!" سألت بسرعة.
لا رد.
لكن فجأة—
اهتز المقبض.
صرخت كاتيا وتراجعت للخلف.
المقبض بدأ يتحرك… ببطء…
ثم أسرع…
ثم—
توقف.
سكون تام.
ثوانٍ مرّت…
ثم انفتح الباب قليلًا.
لوحده.
تراجعت كاتيا خطوة إلى الخلف، وعيناها مثبتتان على الباب الذي انفتح ببطء… وكأن أحدًا في الداخل يدفعه دون أن يظهر.
صوت احتكاك خفيف خرج من المفصلات القديمة.
توقّف الباب عند فتحة صغيرة.
ظلام.
لم يكن هناك أي ضوء في الداخل.
ابتلعت ريقها، وشعرت ببرودة تسري في جسدها.
"في أحد؟" سألت بصوت منخفض.
لا رد.
لكن… تلك الرائحة عادت.
رائحة معدنية ثقيلة، جعلت صدرها ينقبض.
رفعت هاتفها، وسلّطت الضوء داخل الفتحة.
الجدار… أرضية مغبرة… ولا شيء آخر.
"يمكن…" همست، محاولة إقناع نفسها.
لكن قبل أن تكمل—
سمعت نفس الصوت مرة أخرى.
"ساعديني…"
جاء هذه المرة أوضح.
من الداخل.
تجمّدت.
"أنا هون… وينك؟!" قالت بسرعة.
لا جواب.
لكنها لاحظت شيئًا.
آثار… على الأرض.
خطوط طويلة، كأن شيئًا سُحب بقوة نحو الداخل.
ترددت.
ثم دفعت الباب ببطء.
الغرفة كانت صغيرة، شبه فارغة… لكن الجدران لم تكن نظيفة.
خدوش.
كثيرة.
عشوائية… لكنها عميقة.
تقدمت أكثر، وضوء هاتفها يكشف التفاصيل تدريجيًا.
"شو هذا المكان…؟" همست.
نظرت إلى الأرض.
آثار السحب التي رأتها من الخارج… كانت أوضح هنا.
تمتد من منتصف الغرفة… إلى زاوية مظلمة.
تقدمت ببطء.
كل شيء بداخلها كان يرفض.
لكن فضولها كان أقوى.
سلّطت الضوء على الزاوية.
وفي تلك اللحظة—
توقفت أنفاسها.
كانت هناك…
قطعة قماش.
ملقاة على الأرض.
انحنت ببطء، ومدّت يدها.
لمستها.
ناعمة… لكنها باردة.
رفعتها قليلًا.
وعندما سلّطت الضوء عليها جيدًا…
تجمّدت.
كانت قطعة من زي المدرسة.أصدر الباب صريرًا مزعجًا وهو ينفتح أكثر.
دخلت كاتيا خطوة واحدة فقط
ارتجفت يد كاتيا وهي تمسك القماش.
تعرفت عليه فورًا.
"هذا… مستحيل…" همست.
كان نفس القماش الذي كانت ترتديه ليان صباحًا.
تراجعت خطوة للخلف، وقلبها بدأ ينبض بجنون.
"ليان؟!" نادت بصوت مرتفع.
الصوت ارتد من الجدران… لكنه عاد فارغًا.
لا أحد.
لكن فجأة—
سمعت صوتًا خلفها.
صوت خفيف… كأن قدمًا لامست الأرض.
استدارت بسرعة.
الباب.
كان ما يزال مفتوحًا… لكن الممر خلفه لم يعد كما كان.
الضوء اختفى.
والظلام بدأ يمتد إلى الداخل.
"لا…" همست.
تقدمت خطوة نحو الباب.
لكن قبل أن تصل—
انغلق.
بقوة.
صوت الاصطدام كان عاليًا، جعلها تقفز في مكانها.
"افتح!" صرخت وهي تندفع نحوه.
أمسكت بالمقبض، حاولت فتحه.
لكنه لم يتحرك...