بَيْنَ أَنْيَابِ جَنُوٌنك - الفصل 44 - بقلم Amani algeria | روايتك

اسم الرواية: بَيْنَ أَنْيَابِ جَنُوٌنك
المؤلف / الكاتب: Amani algeria
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 44

الفصل 44

** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶** آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯ‏‏هہ . . . . . . . . . ↓ انفتحت أبواب القصر على مصراعيها، لتستقبل سيارة رولز رويس كولينان سوداء فاحمة، تلمع تحت الضوء كقطعة من ليلٍ مصقول، يتبعها سرب طويل من السيارات السوداء، مصطفّة بانضباط عسكري، أشبه بقافلة من الظلال الحيّة. توقفت السيارة أمام القصر بثقلٍ مهيب، وفي اللحظة التالية انسكب الحراس منها كما تنسكب النصال من غمدها، رجالٌ مسلحون، بوجوه جامدة، اصطفّوا بسرعة في خطٍّ واحد، بينما اندفع خدم القصر ورئيسهم إلى الخارج، برؤوس منحنية في خضوعٍ صامت. تقدّم أحد الحراس، فتح باب السيارة ببطءٍ محسوب… فنزل الرجل. رجلٌ في العقد السادس، غير أن الزمن بدا وكأنه خشي أن يترك أثره عليه. كان طويل القامة، عريض الكتفين، تكسو ملامحه قسوة رجولية صلبة، لا توحي بعمره بقدر ما تعلن عن ماضٍ غارقٍ في الدم والسلطة. شعره الأبيض مصفف بعناية، يلمع كخيوط فضة تحت الضوء، وعينه اليسرى مغطاة، تزيده رهبةً وغموضًا، بينما استند إلى عكازه الأسود الذي لم يكن يوحي بالضعف بقدر ما كان يشي بالهيبة. رفع رأسه ببطء ثم… فتح الباب مجددًا. نزلت الفتاتان. الأولى… طويلة، شقراء، شعرها ينسدل على كتفيها كخيوط ذهبٍ ذائبة، وعيناها زرقاوان صافيتان كسماء شتوية باردة. جسدها رشيق، متناسق بانسيابيةٍ أنثوية آسرة، ترتدي فستانًا كلاسيكيًا ضيقًا بلون الكريمي، يلتف حول خصرها بنعومة، بأكمام طويلة تنتهي عند معصميها، مع ياقة مرتفعة تمنحها مظهرًا أرستقراطيًا صارمًا، وحذاء بكعب عالٍ بلون عاجي يقرع الأرض بخفةٍ واثقة. أما الثانية… فكانت على النقيض المثير. شعرها بني داكن، ينساب بتموّجات ناعمة، وعيناها زرقاوان أيضًا، لكن بعمقٍ أكثر دفئًا، وبشرتها حنطية تمنحها سحرًا شرقيًا طاغيًا. طويلة القامة، ذات جسدٍ مثالي منحوت بدقة، ترتدي بدلة نسائية سوداء فاخرة، تتكون من سترة ضيقة تُبرز خصرها وبنطال أنيق مستقيم، أسفلها قميص حريري أبيض مفتوح عند الياقة بشكل جريء، مع حذاء بكعب أسود حاد، يزيد حضورها قوةً وهيمنة. تقدّم رئيس الخدم بخطوات سريعة، وانحنى بعمق: — أهلاً بك، سيد مونتيرو. أومأ الرجل دون أن ينظر إليه حتى، ثم تحرك بخطوات هادئة، ثابتة، كأن الأرض تُمهّد له الطريق، وخلفه الفتاتان كظلّين أنيقين يتبعانه. دخل القصر… فانحنى الجميع. الخدم، الحراس، وحتى الهواء بدا وكأنه يختنق بهيبته. ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى، وجلس على الأريكة، وضع ساقًا على ساق، وأراح يده على عكازه، وكأنه اعتلى عرشًا لا يُنازع عليه أحد. قال رئيس الخدم بسرعة: — أحضروا شرابًا يليق بالسيد، بسرعة! أومأ الخدم واختفوا كالأشباح. ابتسم الرجل ببطء، ثم قال بصوت منخفض، لكنه يحمل ثقل أمرٍ لا يُعصى: — حسنًا… يمكنك الذهاب الآن، ونادِ سيّديك فورًا. لا أحب الانتظار. أومأ الخادم بسرعة، وانسحب بخطوات متوترة. في تلك اللحظة، وقفت الشقراء، تدور بنظرها حول القصر: — لا يزال هذا القصر مظلمًا… ومخيفًا، يا جدي. ضحكت الأخرى بخفة، وهي تتكئ على الأريكة: — سيلينا… يمكنكِ الجلوس الآن، سيضيء المكان حين يصل حبيبكِ. التفتت الشقراء، ابتسمت ابتسامة جانبية، وقالت بنبرة مشبعة بالشوق: — أخيرًا قلتِ شيئًا صائبًا يا ساندرا… لقد اشتقتُ لداميان حقًا. راقبهما الجد بعينٍ واحدة، ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه: — هيا يا صغيرتاي… إنها فرصتُكما. شهرٌ كامل هنا… أريد أن أرى أحفادي. ضحكت ساندرا بخفة، وهي تعقد ذراعيها: — تقصد أولاد أحفادك، أليس كذلك؟ ضربتها سيلينا بخفة على ذراعها، ثم رفعت يدها، تُبرز عضلاتها بثقةٍ طفولية مشاكسة: — اطمئن… اترك الأمر لنا. اتسعت ابتسامة العجوز قليلًا… . . . ابتعد داميان عنها بخفةٍ لا تخلو من عبث، ثم وقف يتمدّد ببطءٍ متكاسل، رافعًا ذراعيه إلى الأعلى كمن يطرد عن جسده أثر لحظةٍ عابرة. في المقابل، رفعت دالين نفسها بصمت، جلست على حافة السرير، وانسدل شعرها على كتفيها في فوضى ناعمة، تتخللها خصلات علقت ببشرتها الدافئة. حرّكت أطراف قميصها قليلًا، تبعده عن جسدها لتسمح للهواء بالتسلل، وكأنها تحاول تهدئة توترٍ خفيّ يتصاعد داخلها، أنفاسها غير مستقرة، وصدرها يعلو ويهبط بإيقاعٍ لا يتّسق مع هدوئها الظاهري. كانت تنظر إليه بنظراتٍ حادّة، مشحونة بضيقٍ واضح، بينما هو قابلها بابتسامة جانبية باردة، تلتها غمزة مستفزة، كأنه يتعمّد تأجيج ما بداخلها. كادت تتكلم، أن تقذفه بكلماتٍ تليق بتلك النظرة، لكن الطرق الخافت على باب الجناح قطع اندفاعها. في لحظة واحدة، تبدّلت ملامحه، انطفأ ذلك العبث، وحلّ مكانه صمتٌ جاد، وهدوءٌ متصلّب. اتجه إلى الباب بخطواتٍ ثابتة، فتحه دون تردد. انحنى الخادم قليلًا وقال: — سيدي داميان، لقد حضر السيد مونتيرو، وهو في الأسفل بانتظارك، أنت والسيد ريكاردو. رفع داميان حاجبيه ببطء، ونبرة ساخرة تشقّ صوته: — هل جاء وحده؟ وقبل أن يُتمّ سؤاله، أومأ الخادم بسرعة، في إقرارٍ ضمنيّ لما لم يُذكر. تمتم داميان بضيق: — اللعنة. مرّر يده على وجهه في حركةٍ نافدة الصبر، ثم قال ببرودٍ مقتضب: — حسنًا، انزل… سأكون هناك. أومأ الخادم وانسحب بهدوء. أغلق داميان الباب، ثم عاد إلى الداخل بخطواتٍ أبطأ، وقد ارتسم على وجهه انقباضٌ لم يخفَ. كانت دالين لا تزال في مكانها، تراقبه بصمت، تلتقط ذلك التحوّل المفاجئ في ملامحه، ذلك الثقل الذي حلّ عليه فجأة. ترددت لحظة، ثم قالت بصوتٍ منخفض: — ماذا هناك؟ نظر إليها، وعيناه تحملان ضيقًا صريحًا، وقال: — لقد جاء ذلك العجوز… مجددًا. عقدت حاجبيها بعدم فهم، لكنّه لم يمنحها فرصةً للسؤال، بل تقدّم خطوة، ثم قال بنبرة أخف، لكنها لا تخلو من حدّةٍ آمرة: — على أيّ حال، أريدك أن ترتاحي… نامي بهدوء، دون إزعاج. توقّف لثانية، وكأن شيئًا مرّ في خاطره، ثم انحنى قليلًا وقبّل خدّها قبلةً سريعة، خاطفة. انسحب فورًا، كأنه لم يفعل شيئًا، واتجه نحو الباب وغادر. بقيت دالين في مكانها، ساكنة، وكأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة. رفعت يدها ببطء، لمست خدّها حيث ترك أثره، بينما تسارعت أنفاسها دون إرادة، وانقبضت يدها الأخرى فوق صدرها، تضغط على قلبها.