نبض بين الرصاص* - الفصل الثالث - بقلم NAGMA - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نبض بين الرصاص*
المؤلف / الكاتب: NAGMA
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

توقفت السيارة السوداء أمام بوابة حديدية ضخمة في منطقة نائية أطراف الرياض. فتحت البوابة آلياً، لتدخل السيارة إلى قبو تحت الأرض مليء بالشاشات والأسلحة. كان المكان يفوح برائحة القهوة السوداء والبرود. نزل عزّام من السيارة، وبدون أن يلتفت خلفه قال بصوت حازم: "انزلي.. ولا تلمسين أي شيء." تبعتْه سديم وهي تتلفت حولها برعب، المكان كان "مقر عمليات" متكامل. التفت عزّام فجأة ووقف أمامها مباشرة، مما جعلها تتراجع خطوة للخلف وتصطدم بجدار بارد. مد عزّام يده ببطء.. ليس لسحب سلاحه، بل ليمسح بيده القوية على جبهته التي كانت تنزف، ثم نظر إلى سديم بعينين حادتين وقال: "الحين، طلعي الفلاش ميموري. أبي أعرف وش اللي يستاهل إنهم يرسلون فرقة اغتيال كاملة عشان يمحونك من الوجود." سديم ضمت حقيبتها لصدرها بقوة: "قلت لك ما راح أسلمه إلا لما أضمن إني بطلع من هنا حية!" ضحك عزّام ضحكة قصيرة باردة، واقترب منها أكثر حتى شعرت بضيق المكان: "يا بشمهندسة.. لو كنت أبيك ميتة، كان خليت الرصاصة اللي كسرت قزاز سيارتك تاخذ طريقها لراسك. أنتِ هنا لأنك 'المفتاح' لشيء أكبر من خيالك.. وشفتي الملفات اللي شفرتيها؟ هذي مو ميزانية، هذي قوائم بأسماء ناس.. ناس لو عرفوا إنك شفتي أساميهم، الرياض كلها ما راح تكفيك تنحاشين فيها." سديم بدأت ترتجف، ليس فقط من الخوف، بل من الحقيقة المرعبة التي بدأت تتضح. وبدون وعي، مدت يدها لتمسح الجرح الذي على جبهة عزّام وقالت بهمس: "أنت ليش تسوي كل هذا؟ أنت ضابط.. وظيفتك تسلمني للعدالة، مو تخبيني في قبو!" توقف عزّام عن الكلام، وتجمدت ملامحه للحظة عند لمستها. أمسك يدها برفق لكن بقوة، وأنزلها عن وجهه وهو يقول بنبرة خافتة: "لأن 'العدالة' اللي تعرفينها يا سديم.. أحياناً تكون هي اللي تطلق الرصاص." وفجأة، انطلقت صافرات الإنذار في المقر، واشتعلت الشاشات بصور رادارات توضح اقتراب ثلاث سيارات مسرعة من الموقع. عزّام سحب سلاحه وفتحه (تعمير)، والتفت لسديم وقال: "يبدو إن فيه خاين علمهم بمكاني.. استعدي، بنطلع من المخرج الخلفي، بس هالمرة.. بنركب دباب. . . . . صافرات الإنذار تملأ القبو، والإضاءة الحمراء الطارئة تصبغ المكان بلون الدم. كان الجو مشحوناً بالتوتر. عزّام سحب سديم بقوة باتجاه زاوية مظلمة حيث كان يقف دباب "هارلي" أسود ضخم، معدّل ليكون صامتاً وسريعاً. "البسي هذا!" قال عزّام وهو يرمي لها خوذة سوداء بالكامل. سديم، ويداها ترتجفان، حاولت لبس الخوذة لكنها لم تستطع قفل الحزام من شدة الرعب وصوت الانفجارات التي بدأت تُسمع عند البوابة الخارجية للمقر. التفت عزّام إليها، ورغم ضيق الوقت والخطر المحيط، توقف للحظة. اقترب منها جداً، حتى أنها شعرت بدقات قلبه القوية والمنتظمة خلف سترته التكتيكية. أمسك وجهها بكلتا يديه ليثبته، ونظر في عينيها بعمق، وقال بنبرة هادئة بشكل غريب وسط هذه الفوضى: "ركزي معي.. طالعي في عيوني. تنفّسي." هدأت سديم قليلاً تحت تأثير نبرته الآمرة والمطمئنة في آن واحد. بلمسة سريعة وماهرة، قفل حزام الخوذة، ثم همس وهو لا يزال يمسك وجهها: "مهما صار، لا تتركيني. تمسكي فيني بقوة.. مفهوم؟" أومأت سديم برأسها، وشعرت بشيء من الأمان يتدفق في عروقها رغم جحيم الأصوات حولهم. ركب عزّام الدباب، وركبت سديم خلفه. لفت ذراعيها حول خصره وتمسكت به بقوة، ضاغطة وجهها المغطى بالخوذة على ظهره الصلب. أدار عزّام المحرك، ليصدر هديراً مكتوماً وقوياً. وبلمحة بصر، انطلق الدباب كالسهم من مخرج خلفي مموه، يفتح على طريق ترابي متعرج بين المزارع المهجورة بأطراف الرياض. خلفهم، انفجر المقر بالكامل، لتندلع كتلة لهب ضخمة صبغت السماء السوداء باللون البرتقالي. صرخت سديم ورسخت قبضة يدها على خصر عزّام أكثر، لدرجة أنها شعرت بصلابة عضلاته تحت سترته. كان عزّام يقود الدباب بمهارة جنونية في الظلام الدامس، معتمداً على مناظير الرؤية الليلية المدمجة في خوذته، وكان يتعمد الدخول في ممرات ضيقة لا تتسع لسيارات المهاجمين. لم تكن المطاردة سهلة؛ فجأة، ظهرت أضواء كاشفة لسيارة جيب خلفهم، وبدأ الرصاص يتطاير حولهم. "انخفضي!" صرخ عزّام. انحنى عزّام بجسمه ليتفادى الرصاص ويناور بالدباب، مما أجبر سديم على الانحناء التام معه، لتصبح كأنها جزء من جسمه. في هذه اللحظة، وسط الرصاص والموت، لم تكن سديم تشعر إلا بحرارة جسم عزّام ورائحة البارود والرجولة التي تفوح منه. كان يمثل لها الحد الفاصل بين الحياة والموت. فجأة، انحرف عزّام بالدباب بشدة نحو تلة رملية مرتفعة، ليطير الدباب في الهواء للحظات قبل أن يهبط بقوة ويكمل طريقه وسط الكثبان الرملية، تاركاً سيارات المطاردين تغرس في الرمال الناعمة خلفهم.