الحي - 💉الفصل الثاني: أقنعة النهار وقذارة - بقلم خلود رائد صالح - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الحي
المؤلف / الكاتب: خلود رائد صالح
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: 💉الفصل الثاني: أقنعة النهار وقذارة

💉الفصل الثاني: أقنعة النهار وقذارة

الفصل الثاني: أقنعة النهار وقذارة المشرحة خرج أدورد من القبو… والدم لم يزل دافئاً على أطراف معطفه الجلدي السفلي. لكنه في ثوانٍ تحول إلى ذلك الكائن الأرستقراطي المتأنق… غسل يديه بـ محلول حمض الكربوليك حتى تكرمش جلده. ثم صب فوقهما كولونيا "ليبرتي" الثقيلة برائحة العود والصندل… ليخنق أي جزيء متمرد من رائحة الأحشاء التي سكنت مسامه. ارتدى قميصه ذا الياقة العالية والمصلبة بالنشا… وربط ربطة عنقه الحريرية بعقدة "ويندسور" مثالية. ثم خرج إلى شوارع لندن التي كانت تتقيأ ضباباً أسود برائحة الفحم والرطوبة. في مشرحة "سانت بارتولوميو" الملكية… كانت الأجواء مشحونة بصمت الموتى الرسمي. دخل أدورد بخطوات واثقة… يطقطق بعصاه ذات الرأس الفضي على البلاط البارد. كان المساعد الشاب آرثر بينيورث ينتظره خلف طاولة تشريح حكومية… وبجانبه جثة غريق وُجد في "التايمز"… كانت الجثة منتفخة… شاحبة. وتفوح منها رائحة الطحالب والتحلل الطبيعي… وهو نوع من القذارة التي كان أدورد يزدريها. فهو يقدس الموت النظيف… الموت الذي يصنعه هو بمبضعه… لا الموت العشوائي الذي تصنعه الطبيعة. "لقد تأخرت يا دكتور…" قال آرثر وهو يحاول تجنب النظر في عيني أدورد اللتين بدتا اليوم أكثر بروداً من المشرط. "المفتش كولينز كان هنا… يسأل عن تقرير جثة 'بائعة الزهور' التي وُجدت الأسبوع الماضي. يقول إن طريقة خياطة الجروح غريبة… تشبه الغرز الجراحية التي لا تُدرس إلا في كليات النخبة." لم يتغير تعبير وجه أدورد. اقترب من جثة الغريق… وبدأ يرتدي قفازاته المطاطية ببطء مرعب. "المفتش كولينز رجل قانون يا آرثر… ورجال القانون عقولهم مسطحة كالبلاط الذي نقف عليه. إنهم لا يفرقون بين الجريمة وبين الفن الجراحي… التشريح هو محاولة لفهم لغة الخالق… وأحياناً تكون اللغة قاسية." بينما كان أدورد يشق صدر الغريق… بدأ آرثر يلاحظ شيئاً غريباً… لم يكن الطبيب يشرح ليكشف سبب الوفاة. بل كان يمرر نصله بـ "ولع" فوق الأنسجة المتهالكة… وبدأ يهمس بكلمات لم يفهمها آرثر. وفجأة. اقترب آرثر من أدورد ليناوله الملقط… فاستنشق رائحة لم يعهدها… لم تكن رائحة الجثة… بل كانت رائحة "فينيك خام" نفاذة جداً تنبعث من تحت أظافر الطبيب. ورائحة معدنية لدم "طازج" لا يزال يعلق بياقة قميصه الخلفية. ارتبك آرثر… وبدأت يداه ترتجفان. "دكتور… رائحتك… هل كنت تقوم بعملية خاصة الليلة الماضية؟" توقف أدورد عن التشريح… التفت ببطء شديد نحو مساعده. وسكنت الغرفة تماماً إلا من صوت قطرات الماء التي تسقط من صنبور المشرحة. اقترب من وجه آرثر… حتى شعر الشاب بأنفاس أدورد الباردة. "العلم يا آرثر لا يعرف ساعات العمل… الجسد البشري لا يبوح بأسراره في وضح النهار أمام الحمقى. إذا كنت تريد أن تصبح جراحاً عظيماً… عليك أن تتعلم كيف تذوب في المادة… كيف تشم رائحة العصب قبل أن تراه." في تلك اللحظة… لاحظ آرثر بقعة صغيرة جداً… بلون الياقوت القرمزي… عالقة على طرف ياقة أدورد البيضاء. لم تكن دماً قديماً… كانت بقعة حية. ساطعة… تشبه تلك التي تخرج من شريان قُطع للتو. ابتلع آرثر ريقه بصعوبة… وشعر ببرودة تجتاح عموده الفقري… لم تكن شكوكه مجرد أوهام. الطبيب الذي يقف أمامه ليس جراحاً فحسب… بل هو "الحي" الذي تتحدث عنه الصحف… الرجل الذي يحول البشر إلى أشلاء منظمة. "عد إلى عملك يا آرثر." قال أدورد بصوت ناعم كالحرير. وهو يعود لتمزيق أحشاء الغريق بعنف مفاجئ. "ولا تدع فضولك يتجاوز حدود المشرط… وإلا سأضطر لتشريح هذا الفضول بنفسي… لأرى من أين ينبع." عاد أدورد إلى منزله في المساء… والشكوك تلاحقه كظله. لكنه لم يكن خائفاً… بل كان يشعر بنوع من الإثارة… دخل قبو "إليانور" مرة أخرى… كانت لا تزال هناك. معلقة في بركة دماء متخثرة… نصف حية ونصف فنية. أمسك بمشرطه الطويل… وبدأ في "فك" عضلات فخذها واحداً تلو الآخر… يسلخ الجلد بضربات عرضية طويلة. مستمتعاً بصوت احتكاك المعدن بالعظم… وبدأ يخطط لضحيته القادمة… آرثر بينيورث. فالمساعد الذي بدأ يشم رائحة الحقيقة… يستحق أن يراها من الداخل.