اليوم السادس والعشرون
"موقعة السجاد"
استيقظ الجميع اليوم على صوت "خبط" منتظم وقوي. لم يكن هذا صوت المسحراتي، بل كان صوت "زينب" وهي تضرب السجاد في المنور. البيت اليوم ليس بيتاً، بل هو "ساحة معركة"؛ الكراسي فوق الطاولات، الستائر مخلوعة، والروائح السائدة هي "الكلور" ومنظفات الأرضيات.
دخل "عمر" الصالة وهو يحاول القفز فوق "برك المياه" على الأرض، وقال بيأس: يا ماما، إحنا صايمين وفي أواخر الشهر، والواحد مفرهد إيه لزوم (الزلزال) اللي حصل في البيت ده؟ هو العيد مش هيدخل علينا غير لو شلنا النجف وغسلناه بمية الورد؟ أنا حاسس إني في معسكر تدريب صاعقة مش في بيتنا!
ردت زينب وهي تمسح جبينها بطرف طرحتها: يا واد يا خايب، البيت اللي ميتنفضش في العيد ميبقاش بيت عمار. العيد يعني نظافة، والملائكة مش هتدخل بيت فيه تراب من ريحة السنة اللي فاتت. خد عندك 'المساحة' دي وورينا شطارتك في المطبخ، مفيش فطار النهاردة للي ميشتغلش!
أما "سلمى"، فكانت تقف فوق سلم خشبي تمسح زجاج النوافذ وهي تتأفف: يا ماما، البلوجر اللي انا متبعاها نزلت 'ستوري' وهي في 'السبا' بتعمل ماسكات للعيد، وأنا هنا بعمل ماسك تراب وتربنتينا! بجد يا تيتا، قولي لماما إن الجمال في البساطة، مش في إننا نهِدّ البيت ونبنيه كل سنة قبل الوقفة بيومين.
هنا، خرجت الجدة "هنية" وهي تربط خصرها بـ "شال" متين، وتمسك بـ "ريشة" تنظيف الغبار، وقالت بضحكتها التي لا تهزمها السنين: تعالوا هنا يا جيل الرفاهية! إنتوا فاكرين 'التنفيضة' دي تعب؟ ده غسيل قلوب قبل ما تكون غسيل حيطان. زمان يا سلمى، كانت التنفيضه دي هي اللي بتحسسنا بقدوم العيد. كنا بنطلع السجاد على السطوح، ونغسل الحيطان بالجير الأبيض، ونفرش الملايات اللي ريحتها زهرة. كان البيت بيبرق، والروح تبرق معاه.
تابعت الجدة وهي توجه عمر بـ عصاها نحو زاوية منسية: يا واد يا عمر، النظافة من الإيمان. والبيت اللي بيتنظف بجد، بيطرد الشياطين والطاقة الوحشة. إحنا بنرمي 'الكراكيب' القديمة عشان نستقبل سنة جديدة بقلب أبيض. وبعدين يا سلمى، 'السبا' بتاعك ده ميعرفش النشاط اللي بيجري في الدم لما تشوفي بيتك بيلمع بمجهودك. الست الشاطرة هي اللي عيدها يبان في عتبة بيتها قبل ما يبان في وشها.
دخل "عادل" الذي يحاول الهروب من المهام الشاقة وهو يحمل أكياس البخور، وقال: يا جماعة، أنا مستعد أبخر البيت 24 ساعة، بس بلاش موضوع 'غسيل السجاد' ده، أنا ضهري بقى ماركة مسجلة للديسك! يا حماتي، ارحميهم شوية، دول صايمين والجو برد
ردت الجدة بنبره لاذعه: ارحمهم إيه يا عادل؟ ده الشغل ده هو اللي بيخلي 'لقمة الفطار' ليها طعم. اللي بيتعب في الترويق، بيحس بـ راحة يوم العيد وهو قاعد على الكنبة والبيت ريحته فل وياسمين. قوم يا عادل، فك النجفة الكبيرة دي عشان زينب تغسل الكريستال بتاعها.. ولا عايز العيد يجي والنجف مطفي؟
قال عمر بضحكة مجهدة: خلاص يا تيتا، أنا استسلمت. أنا هعتبر نفسي مساح دولي، والهدف هو الوصول للسجادة الأخيرة قبل أذان المغرب. بس يا ماما، لو نمت قبل صلاة التراويح النهاردة، محدش يصحيني.. اعتبريني شهيد النضافه!
الرسالة المستفادة:
"النظافة تجديد للروحِ قبل المكان." عادة "تنضيف العيد" ليست مجرد إرهاق جسدي، بل هي رمز للتخلص من القديم والمؤذي وبداية صفحة جديدة نظيفة. لا تجعلوا التعب ينسيكم أن "إماطة الأذى" عن بيتكم هي جزء من الاحتفاء بنعمة العيد. البيت النظيف المنظم يبعث السكينة في النفوس، ويجعل استقبال الضيوف والملائكة أكثر بهجة. ولكن، تذكروا الرفق بأنفسكم، فالفرحة بالقلب، والستر في الرضا، والبركة في التعاون.
الخاتمة:
قبل المغرب بساعة، كان البيت "بيبرق" حرفياً. السجاد مفروش برائحته المنعشة، والستائر الجديدة أو المغسولة بعناية تتدلى بزهو، وزينب وزعت البخور في كل ركن.
قالت سلمى وهي تنظر لنفسها في المرآة اللامعة: تصدقي يا تيتا؟ البيت شكله يفتح النفس فعلاً
ردت الجدة وهي تجلس بوقار على اريكتها المفضلة: عشان البيت اتنفس يا بنتي. طول ما إيدكم فيه، الخير مش هيسيبه. مبروك عليكم النظافة، ويجعل أيامكم كلها بيضا زي قلوبكم.
غمز عادل لزينب وقال: ها يا جنرال زينب؟ فيه مهام تانية ولا نقدر نفطر بسلام؟
قالت الجدة بضحكة: فيه يا عادل.. فيه إنك تطلع العيدية دلوقتي، عشان النظافة دي محتاجة 'مكافأة نهاية الخدمة'!" ضحك الجميع، وانطلق أذان المغرب ليعلن نهاية "موقعة السجاد" بانتصار ساحق للعائلة.