الفصل الأول
المكان: مكتب برجيّ مطل على طريق الملك فهد - الرياض.
الوقت: 02:15 صباحاً.
كان السكون يلفّ المكتب إلا من طنين أجهزة التبريد وصوت ضربات أصابع "سديم" السريعة على لوحة المفاتيح. انعكاس الشاشة الزرقاء على وجهها المتعب كان يظهر حدة عينيها وهي تحاول فك تشفير ملف وصلها بالخطأ.
"مستحيل.. هذي ميزانية مشاريع حكومية، وش جابها في سيرفرات شركة خاصة؟" همست لنفسها والرهبة بدأت تتسلل لقلبها. فجأة، تحولت الشاشة للون الأحمر الصارخ وظهرت رسالة واحدة: [تم كشف الوصول غير المصرح به - تفعيل بروتوكول التطهير].
في تلك اللحظة، سمعت صوت مصعد المكتب يتحرك.. وصوت خطوات أحذية عسكرية ثقيلة تقترب من الباب. لم يكن لديها وقت للتفكير، سحبت "الفلاش ميموري" وبدأت تركض باتجاه مخرج الطوارئ، وقلبها يدق طبول الحرب.
في الجهة الأخرى.. أسفل البرج بـ 10 طوابق:
كان "عزّام" يجلس خلف مقود سيارته السوداء المصفحة، يراقب شاشة الجهاز اللاسلكي ببرود غريب. وضع سماعة الأذن وضغط على زر التحدث:
"الموقع محاصر؟"
جاءه الرد: "سيدي، الهدف تحرك من المكتب، يبدو أنها كشفت الفخ.. تتجه لمواقف السيارات القبو B2."
ابتسم عزّام ابتسامة لم تصل لعينيه الحادتين، وهو يعشق المحرك: "خلوها تطلع للشارع.. أبي أشوف وش وراها هـ 'المهندسة' اللي لعبت بحسبة النظام.
انطلقت سديم بسيارتها من القبو، إطارات السيارة تصرخ وهي تنعطف بسرعة جنونية باتجاه طريق الملك فهد. كانت يدها ترتجف وهي تلمس "الفلاش ميموري" في جيبها، وكأنها تمسك بقطعة جمر. خلفها، بدأت أضواء سيارات سوداء تظهر في المرايا.. لم تكن شرطة عادية، كانت سيارات مظللة بالكامل وتتحرك بتكتيك مرعب.
"يا رب.. يا رب ساعدني،" همست والدموع تحرق عينيها، لكن إصرارها كان أقوى. ضغطت على دواسة البنزين وهي تحاول المناورة بين السيارات، وفجأة، اعترضت طريقها سيارة "جمس" سوداء ضخمة، أجبرتها على الانعراف بقوة نحو طريق فرعي هادئ خلف الأبراج.
توقفت سديم فجأة بعدما حاصرتها ثلاث سيارات. انفتح باب السيارة الأمامية، ونزل منها رجل بطول فارع، يرتدي سترة تكتيكية سوداء، وملامحه حادة كالسيف تحت أضواء الشارع الخافتة.
مشى عزّام باتجاهها بخطوات واثقة، لم يسحب سلاحه، بل كان يضع يديه في جيوبه ببرود يستفز الخوف. وقف عند نافذتها وطرق الزجاج ببطء.
فتحت سديم النافذة ببطء، وصوت أنفاسها المتهدجة يملأ المكان.
قال عزّام بصوت منخفض، عميق، وفيه نبرة سخرية لا تخفى: "مهندسة برمجيات وتسوين هالمطاردة؟ توقعت ذكاءك يخليك تختارين طريق أسهل للتسليم."
سديم، رغم رعبها، رفعت رأسها وتلاقت عيناها بعينيه: "لو كنت ذكية فعلاً، كان ما وثقت في الشركة اللي أنت جاي تحميها الحين."
تغيرت نظرة عزّام في ثانية. ملامحه الساخرة اختفت وحل مكانها تركيز مرعب. اقترب أكثر وهمس: "أنا مو جاي أحميهم.. أنا جاي آخذ اللي في جيبك قبل ما يوصلون لك 'هم'.. وانزلي من السيارة، لأن حياتك الحين صارت بعهدة الدولة!
قبل أن ينطق عزّام بكلمة أخرى، اخترق صمت المكان صوت "طلقة" مكتومة، تلتها شظايا زجاج النافذة الخلفية لسيارة سديم.
"انبطحي!" صرخ عزّام وهو يسحبها من يدها بقوة هائلة خارج السيارة، وفي اللحظة التي ارتميا فيها خلف هيكل السيارة المصفح، انهمر رصاص كثيف من فوق أسطح المباني المجاورة.
عزّام سحب سلاحه بسرعة البرق، وبدأ يرد على مصدر النيران بيد، وباليد الأخرى كان يضغط على كتف سديم ليجبرها على البقاء منخفضة. صرخت سديم وهي تغطي أذنيها: "مين هذولي؟! أنت قلت إنك الحكومة!"
رد عزّام وهو يغير مخزن الرصاص ببرود احترافي: "هذولي اللي سرقتي ملفاتهم.. وما عندهم نية يخلونك تطلعين من هالشارع حية!"
فجأة، ظهرت سيارة دفع رباعي مسرعة تتجه نحوهم مباشرة لدهسهم. عزّام ما ارتبك، سحب قنبلة صوتية من سديرته ورمى بها بدقة تحت عجلات السيارة المندفعة. الانفجار كان قوياً لدرجة أن سديم شعرت بارتجاج في صدرها، وانحرفت السيارة واصطدمت بعمود إنارة، مما تسبب في انقطاع الكهرباء عن الشارع تماماً.
ساد الظلام، ولم يعد يُسمع إلا صوت أنفاسهما المتسارعة وصوت النيران المندلعة من السيارة المحطمة. عزّام اقترب من أذن سديم، كان قريباً جداً لدرجة أنها شعرت بحرارة أنفاسه وسط برد الليل، وقال بهمس حاد:
"معك 5 ثواني عشان تختارين.. تبقين هنا وتنتظرين رصاصة في راسك، أو تجين معي وتثقين فيني غصب عنك؟"
سديم نظرت لعينيه التي كانت تلمع في الظلام، ومدت يدها المرتجفة لتمسك بطرف سترته العسكرية: "خذني من هنا.. بس الفلاش ميموري ما تلمسه!"
ابتسم عزّام للمرة الأولى، ابتسبة غامضة، ثم سحبها وبدأوا يركضون بين الأزقة الضيقة والظلام يغطيهم.