اليوم الخامس والعشرون
"معركة المَنقاش.. والبيوت التي تفوح بالسمن البلدي"
كانت الصالة قد تحولت إلى "ورشة عمل" كبرى؛ طاولات خشبية مرصوصة، و "الصاج" يلمع تحت الضوء. "زينب" كانت تجلس وعلى رأسها إيشارب، ويديها مغطاة بالعجين الأبيض، بينما كانت "سلمى" و"عمر" يجلسان بجانبها، ومع كل واحد "منقاش" يحاولان استخدامه
قالت زينب وهي تضغط على العجينة بخفة: يا ولاد، ركزوا في الرسمة! الكحكة لازم تكون عالية ومنقوشة بدقة عشان تشيل السكر. يا سلمى، إنتي بتنقشي كحكة ولا بترسمي خريطة؟ والأساتذة اللي عايزة تشتري الجاهز، يشموا الريحة دي ويقولوا لي فين الجاهز من بركة البيت؟
ردت "سلمى" وهي تنظر ليديها المجهدتين: يا ماما، إحنا في 2026! دلوقتي المحلات بتعمل كحك لايت وبالتوت وباللوتس.وبالبستاشيو إحنا بقالنا 4 ساعات بننقر في العجين، وضهري اتقطم، والنتيجة في الآخر 'كحكة بعجوة' ممكن نشتريها في دقيقة! المنقاش ده حاجه قديمة أوي يا جماعة. بنتعب نفسنا ونعجن وننقش وفي الاخر كل ده هيتاكل في قعده
ضحك "عمر" وهو يحاول صنع كحكة على شكل "سيارة" وقال: أنا عملت كحكة تريند يا ماما، دي أول كحكة ديناميك في التاريخ! بس بجد يا ماما، ليه التعب ده كله؟ ما بابا عرض يشتري أفخم علبة ونرتاح؟
هنا، دخلت الجدة "هنية" وهي تحمل "قنينة" ريحة الكعك والحليب، وجلست في صدر الجلسة كأنها كبيرة المهندسين. نظرت للصاجات وقالت بضحكتها الوقورة: جرى إيه يا ولاد التيك أواي؟ إنتوا فاكرين إن الكحك ده أكل وبس؟ الكحك ده ذكريات. زمان يا سلمى، كان البيت اللي ميتنصبش فيه طبلية الكحك وتطلع ريحته تجيب آخر الشارع، يبقى بيت حزين مدخلوش عيد . كنا بنلم الجيران، ونقعد نحكي ونغني 'يا كحك العيد يا احنا.. يا بسكويت يا احنا'، والعيال الصغيرة كانت مهمتها يشيلوا الصاجات للفرن ويرجعوا بيها وهما طايرين من الفرحة.
تابعت الجدة وهي تمسك المنقاش وتعلم سلمى بمهارة مذهلة: الجاهز ده يا بنتي ملوش روح. علبة كرتون بتدفعي تمنها وتمشي. لكن ده؟ ده فيه نَفَس أمك، وضحكة أخوكي، ودعواتي ليكم. الكحكة اللي بتنقشيها بإيدك بيبقى طعمها احلي من مية علبه من برا، واللقمة اللي بتتعبوا فيها بتباركم في العيد. وبعدين يا عمر، الفرن وزحمته دي هي 'بهجة العيد' الحقيقية. الوقفة في الطابور مع الصاجات كانت بتعلمنا الصبر، وصاحب الفرن كان بيبقى عارف كحك كل بيت من ريحته!
نظر "عادل" الذي عاد مؤقتاً من اعتكافه ليساعد في نقل الصاجات وقال: والله يا حماتي، أنا مستعد أشيل الصاجات لحد الفرن حتي لو في آخر الدنيا، بس بلاش سلمى تنقش تاني، الكحك بتاعها شكله مخيف وممكن يخلي العيد يقلب هلوين
ضحكت زينب وقالت: شفتي يا سلمى؟ حتى باباكي مش عاجبه شغلك. بس مفيش فايدة، البيت لازم يتملي بدقيق وسمن، دي ضريبة الفرحة. دي لمتنا دي لوحدها عيد، والمنقاش ده يا عمر هو اللي بيخلي السكر يثبت، زي ما اللمة دي هي اللي بتخلي الذكرى تثبت في دماغكم.
قالت الجدة بنبره لاذعه وهي تنظر لسلمي: إنتي يا بت يا بتاع اللوتس، اللوتس ده للناس اللي معندهاش أصل في المطبخ! إحنا كحكنا بالسمن البلدي والملبن والمكسرات، اللي ياكل منه كحكة، يحس إنه ملك زمانه. قوم يا واد ياعمر، خد الصاجين دول للفرن، وقول لعمك 'صالح' دي صاجات الحجه هنية، يتوصي بيهم عالنار.
عمر وهو يحمل الصاجات بصعوبة: حاضر يا تيتا، بس لو رجعت ولقيت الكحكة (العربيه) بتاعتي ضاعت، هعمل إضراب يوم العيد! بس
الرسالة المستفادة:
"بَركة البيوتِ في مَجهودِ أهلِها." لا تضيعوا طقوس "اللمة" من أجل الراحة والجاهز. صناعة الكحك في البيت ليست مجرد "توفير" أو "تعب"، بل هي طقس اجتماعي يربط الأجيال ويخلق ذكريات لا تُشترى بالمال. رائحة الخبيز في المنزل هي رائحة الأمان والستر والبهجة. اجعلوا لأولادكم نصيباً من "تعب الفرحة"، ليعرفوا أن العيد ليس مجرد "علبة" تُفتح، بل هو "حب" يُعجن ويُنقش ويُخبز.
الخاتمة:
امتلأ البيت برائحة السمن البلدي والحليب، وعاد عمر من المخبز بـ "صاجات" ذهبية اللون تفوح منها رائحة لا تقاوم. اجتمع الجميع حول الطاولة ليس لتناول الكحك بل لشم رائحة النجاح.
قالت سلمى وهي تمسح الدقيق عن وجهها: تصدقي يا تيتا تصدقي يا ماما؟ التعب ده لي طعم حلو أوي. أنا حاسة إن العيد بدأ فعلاً من اللحظة دي، مش لما نلبس الهدوم الجديدة.
ردت الجدة وهي تبتسم وتضع أول كحكة في العلب: عشان الفرحة يا بنتي صناعة إيد، مش تيك واي. ربنا يديمها علينا، ولا يقطع لنا عادة، ويجعل بيوتكم دايماً معمورة بريحة الخير.
غمز عادل لزينب وقال بمشاكسه: تفتكري يا زينب، هيفضل كحك لحد يوم العيد ولا عمر هيخلص عليه في السحور؟
قالت الجدة بضحك: عمر ده سوسة كحك، أنا هخبي العلب في مكان ميعرفوش غير الجن الأزرق! عشان ميعرفش مكانه غير اول يوم العيد