الاعتراف
صراع
الاعتراف
أخيرًا…
راح وليد عند رمزي.
ما كانش قرار ساهل،
ولا خطوة عاطفية.
كان واجب داخلي،
كأنو ضميرو قال له:
“إذا ما تروحش اليوم، غدوة ما تروحش أبدًا.”
الحي ما تبدّلش.
نفس الجدران المتشققة،
نفس الرصيف اللي شهد ضحكهم وهروبهم،
نفس الهواء اللي فيه رائحة تعب قديم.
رمزي كان واقف قدّام الدار،
ظهره مسنود للحيط،
عيناه نصف مفتوحتين…
نظرة واحد شاف بزاف وما قال والو.
— خو…
قالها وليد بصوت منخفض.
— وشبيك ما حبيتش تجي للمدينة؟
رمزي ما جاوبش مباشرة.
ضحك ضحكة قصيرة،
ما فيهاش فرح.
— خو وشبيك تبدّلت؟
السؤال ضرب وليد أكثر مما توقّع.
مش لأنه اتهام…
بل لأنه صحيح.
— تبدّلت…
قالها وليد،
وسكت شوية،
— بصح ما تبدّلتش عليك.
رمزي هز راسو ببطء.
— خو والله نت راك موسوس.
— وقيل داتك مدينة.
المدينة…
كلمة صغيرة،
لكنها كانت تعني كلش:
الفرصة،
الفرق،
المسافة اللي ولات بينهم.
— مالك تهدر هاك؟
قالها وليد، بصوت فيه دفاع خفيف.
رمزي رد بهدوء قاتل:
— لأنك وليت تشوف من فوق… وأنا ما زلت لتحت.
الصمت طاح بينهم.
الصمت اللي ما يحتاجش ترجمة.
الراوي يشوف المشهد بوضوح:
ما كانش واحد فيهم غلطان.
كان غير واحد سبق…
وواحد تعب.
المقابلة سالات بلا عناق.
بلا وعود.
بلا جمل كبيرة.
كل واحد راح في طريقه،
لكن الكلمات بقات معلّقة في الهواء.
وليد رجع للمدينة وهو يفكّر:
“هل التغيير لازم يكون فيه خسارة؟”
رمزي بقى في الحي وهو يفكّر:
“هل أنا متأخر… ولا فقط تعبان؟”
مرّت أيام.
ثم جاء الاتصال.
رمزي قالها مباشرة:
— إذا حاب نخدم معاك… نخدم.
— بصح ما نجيش للمدينة.
وليد ما ترددش.
— نخدمو.
ما سألش “علاش”.
يمكن لأنه فهم.
بدأت الخدمة بهدوء.
رمزي ولى هو اللي يهز الصفحات:
ينشر،
يرد،
ينظم.
كان يخدم بصمت…
بتركيز غريب.
وليد لاحظ حاجة:
رمزي ما كانش فاشل.
كان فقط ما لقىش الإطار الصح.
مع الوقت،
بدأت النتائج الصغيرة تبان.
رسائل.
تفاعل.
بيع بسيط.
مش نجاح كبير…
لكن بداية.
في إحدى الليالي،
جلسو يحكيو.
قال وليد، بلا تزيين:
— رمزي… شخصيتي نرجسية شوية.
— نحب نكون الصح.
— نحب نحس روحي فاهم.
— ما نقدرش نبدل هذا كامل.
رمزي شافو مليح،
وقال:
— غير ما توليش تنسى من وين جيت.
الجملة كانت حدّ.
ماشي تهديد،
لكن تذكير.
وليد وافق.
— عندك الحق.
الراوي يقول:
النضج ما هوش أنك تبدّل شخصيتك.
النضج أنك تعرف حدودها.
وليد ما ولىش إنسان مثالي.
ورمزي ما ولىش فجأة ناجح.
لكن لأول مرة…
كان بيناتهم توازن.
لا فوق،
لا تحت.
وفي هذا الفصل،
الحياة ما عطتش نهاية وردية.
عطت حاجة أفضل:
استمرار.
استمرار رغم العيوب.
رغم التعب.
رغم الماضي.
وهذا…
هو الانتصار الحقيقي.
النهاية: لم أصل… لكني وصلت
ما نقدرش نقول وصلت.
لأن الوصول كذبة نحبّوها باش نرتاحوا.
لكن نقدر نقول حاجة وحدة بصدق:
ما عدتش نضيع.
وقفت قدّام المرآة في صباح عادي،
ما كانش عيد،
ما كانش خبر كبير،
غير يوم يشبه غيره.
شفت وجهي مليح.
نفس الملامح،
نفس العينين…
بصح نظرة مختلفة.
كنت نعرف روحي اليوم.
بعيوبها.
بنرجسيتها.
بضعفها.
وما بقيتش نهرب.
رمزي كان يخدم معايا من بعيد.
ما ولاتش صداقة مثالية،
ولا شراكة أحلام.
ولات علاقة واقعية:
حدود واضحة،
احترام،
وصمت يفهم أكثر من الكلام.
لميس؟
بقات ذكرى.
ما رجعتش،
وما احتجتش ترجع.
تعلمت أن بعض الناس يجو
باش يفيقوك،
ماشي باش يبقاو.
الدراسة مشيت.
الخدمة الرقمية كبرت شوية.
المال دخل بقدر الحاجة،
ما أكثر،
ما أقل.
رجعت للصلاة،
مش لأنو لازم،
بل لأنو قلبي احتاجها.
والماضي؟
ما تحرقش،
ما تتمسحش.
يتحط في مكانو الصحيح.
تعلّمت نفرّق
بين اللي يضحك معايا
واللي يضحك عليّ.
بين الطموح
والجشع.
بين القوة
والقساوة.
وفي واحد من الليالي،
قلت لنفسي بصوت خافت:
"يمكن ما نوليش قصة نجاح.
بصح وليت قصة نجاة."
وهذا كان كافي.
رفعت رأسي للسماء،
ابتسمت،
ومشيت نكمل نهاري…
كي إنسان تصالح مع روحو.
ــــــــــــــــــــــــــــــ