اللقاء الاول
اللقاء الاول
صراع
💫 الفصل الثاني — اللقاء الأوّل
كنت يومها خارجًا من البيت، كما العادة، لا وجهة لي سوى الأزقة القديمة التي حفظت خطواتي وحزني.
الحيّ في تلك الساعة كان يشبه نفسه: ضوضاء، أطفال يركضون حفاة، رائحة الخبز الساخن تتسلل من فرن الحاجّة زينب، وصوت مذياعٍ قديمٍ يعيد أغنية لوردة “في يوم وليلة”.
كل شيء مألوف… إلا شعور غريب كان ينتظرني عند الزاوية.
كنت أجرّ خطواتي بلا معنى، حتى سمعت ضحكة لم أعرفها من قبل.
ضحكة خفيفة، ناعمة، كأنها خرجت من بين جناحي عصفور.
رفعت رأسي، فشفتها.
كانت تمشي مع صديقتها على الرصيف المقابل، تمسك دفترها بحذر، وشعرها البني يلمع تحت شمس العصر.
ما نعرف واش صار، لكن اللحظة جمدت.
كل الأصوات اختفت، حتى ضجيج الأولاد صار بعيد.
كأن العالم كله توقف باش يخليها تدخل في حياتي.
ما كنت نعرف اسمها، ولا منين جات، ولا واش تسكن فقلبي في أول نظرة.
كل اللي عرفتُه، أني شفت في عينيها شيئا ما يشبه الطمأنينة اللي كنت نحوس عليها من زمان.
مرّت قدّامي، نظرتلي بسرعة، ابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا، وواصلت طريقها.
لكن أنا؟
ما قدرتش نحرك خطوة.
في الليل، وأنا راقد على سريري، كنت نسمع ضحكتها في راسي، نشوفها تمشي وتلوّح بخصل شعرها، وقلبي يدقّ بطريقة غريبة.
قلت لنفسي: “يمكن كيما نحلم، غدوة ننساها.”
لكن غدوة ما نسيتهاش… ولا اللي بعدها… ولا بعد سنين.
---
بدأت نخرج للحيّ أكثر من العادة.
صرت نختار الوقت اللي تمرّ فيه، كأني بلا وعي حافظ جدولها.
كانت تجي من الجهة الغربية من الحي، تمرّ قدّام دكان عمّي الهادي، توقف تشري قطعة شوكولا، وتضحك مع صاحبتها ثم تكمّل الطريق.
مرة، جمعت شجاعتي واقتربت منها.
كانت واقفة وحدها، تحمل حقيبتها المدرسية.
قلبي كان يدقّ بسرعة، وكأن صدري ضيّق عليه.
قلت لها بصوت متردد:
> "السلام عليكم."
رفعت راسها، شافتني، وقالت بابتسامة هادئة:
> "وعليكم السلام."
سكتنا لحظة، والهواء بيناتنا صار ثقيل.
قلت وأنا نحاول نبدو طبيعي:
> "راكِ من الحي الجديد؟ ما شفتكش قبل."
قالت وهي تضحك بخفة:
> "آه، رحنا وجينا… دارنا الجديدة قريب من المدرسة."
هزّيت راسي وأنا نحاول نخبي ارتباكي.
> "آه، مليح… أنا سليم."
ردّت بسرعة:
> "رُبى."
نطقت اسمها وكررته في قلبي كأنه نغمة جديدة تعلمتها للتو.
“رُبى”… قصيرة وسهلة، لكن فيها دفء يخليك تنطقها ببطء.
---
من ذاك اليوم، صار كل شيء يتغير في داخلي.
كنت نخرج الصباح وأنا نحس بروحي عندي سبب، نلبس أحسن لباسي البسيط، نمشّي شعري بيدي، نراقب الشارع من بعيد، ننتظرها تمرّ.
صرت نحفظ خطواتها، حتى نبرات صوتها الصغيرة كي تنادي على صاحبتها “آمنة”.
مرّة، شافتني نتفرّج عليها من بعيد، قالتلي وهي تضحك:
> "راك تتبعني ولا غير الصدفة كل يوم؟"
تلعثمت:
> "لا لا… غير الحي صغير، ونتلاقاو دايمًا."
قالت وهي ترفع حاجبها:
> "هاه… دايمًا؟!"
ضحكت وراحت.
لكن ضحكتها ديك اليوم بقيت ترنّ في راسي طول الليل.
---
أيام تعدّت، وصار لقاؤنا عادة.
مرّة نحكي معاها، مرّة غير نظرة تسلم على نظرة.
لكن مع الوقت، صرت نعرف كل شي عنها من غير ما تسردلي:
تحب اللون البنفسجي، تكره مادة الرياضيات، تخاف من الكلاب، وتحب المطر.
مرة كنا جالسين في ساحة صغيرة وراء المدرسة، كانت تمسك ورقة ترسم فيها بارتباك.
قلت لها:
> "وش ترسمي؟"
قالت:
> "ما نعرفش، غير نرسم كي نكون مرتاحة."
قلت مازحًا:
> "يعني كي تشوفي وجهي، ترتاحي؟"
ضحكت وقالت:
> "يمكن… أو يمكن لا!"
ضحكت معاها، لكن في قلبي حسّيت الدنيا كلها تضحك.
---
كل مساء، كنت نرجع للدار بوجه مبتسم، حتى أمي لاحظت التبدّل.
سألتني مرة:
> "يا وليدي، واش بيك فرحان هالأيام؟"
قلت وأنا نخبّي الإحساس الكبير:
> "ما والو يا يما، غير نراجع مليح."
لكن الحقيقة؟
ما كنت نراجع لا دروس لا كتب…
كنت نراجع نظراتها، كلماتها، تفاصيلها الصغيرة، وأحلامي اللي بدات تولد معاها.
---
في يوم مطر خفيف، كنا نحتمي تحت مظلة المدرسة القديمة.
هي كانت تضحك وهي تمد يدها تجمع قطرات المطر.
قلت لها بهدوء:
> "تحبي المطر؟"
قالت:
> "المطر يخلي الناس صادقين… اللي يحب، يبان في عينيه."
سكتّ، ونظرت فيها طويلًا.
كنت حاب نقولها: “أنا نحِبّك.”
لكن الكلمة علقت فحلقي، وخفت نقتل اللحظة لو خرجت.
اكتفيت نقول:
> "نتمنى المطر ما يوقفش اليوم."
ابتسمت، وقالت:
> "حتى أنا."
---
ومن وقتها، عرفت أن الدنيا مهما كانت ضيقة، فيها دومًا لحظة صغيرة تغيّر كل شيء.
ورُبى كانت لحظتي.
اللحظة اللي بدّلت اتجاه عمري كامل…
من الوجع إلى السعادة
---
💔 الفصل الثالث — حين افترقنا
من رواية «لن نفترق!»
مرت الأيام كما تمرّ الأغاني الجميلة: سريعة، خفيفة، لكنها تبقى تدندن في الذاكرة حتى بعد الصمت.
كبرنا سوا، أنا و"رُبى".
صرنا نحكي أكثر، نضحك أكثر، ونتشارك كل صغيرة.
كانت هي النور الوحيد في حيي الرمادي، وكانت كلماتي ترتّب فوضاي كلما ضاقت عليّ الدنيا.
صرنا نلتقي كل يوم تقريبًا.
مرّة في ساحة المدرسة، مرّة في الطريق، مرّة في المكتبة الصغيرة عند "عمّي يوسف" وين كانت تحب تقرا الروايات الفرنسية، وتقوللي دايمًا:
> "كاين عالم كامل بين السطور، لازم نضيع فيه شوية باش نرتاح من العالم الحقيقي."
كنت نجاوبها بابتسامة:
> "وأنا عالمي الوحيد هو نهار نسمع صوتك."
تضحك، وتردّ:
> "ما تعرفش تحكي كلام عادي، دايمًا شاعري!"
وكنت نقولها في قلبي:
> "لأنّك إنتِ موش عادية."
---
لكن، كيما كل حاجة حلوة، لازم يجي نهار يتبدّل فيه كل شيء.
بدات المشاكل عندها في الدار.
بوها شدّ خدمة في مدينة بعيدة، وبدات تحكيلي على احتمال الانتقال معاهم.
كنت نضحك قدامها ونقول:
> "ما كاينش مشكل، نقدر نزورك كيما دايمًا."
لكن في داخلي، كانت نار تكبر.
---
في آخر أسبوع قبل الرحيل، كل لقاء كان يوجع أكثر من اللي قبله.
كنا نحاول نتصرفو عادي، نحكيو، نضحكو، لكن النظرات كانت فاضحة.
كنا نحسّو بلي الوقت ما بقى منه والو.
آخر يوم، كانت السماء غامقة، والرياح تدور بين الأزقة، كأنّها تبكي معانا.
رُبى رسلتلي ورقة صغيرة:
> "تلقاني في المكان المعتاد… آخر مرة."
مشيت وأنا نحسّ خطواتي ثقيلة كأنها مربوطة بالحجر.
كانت واقفة قدّام سور المدرسة القديم، نفس المكان اللي أول مرة شفتها فيه.
نفس المظلة الحديدية اللي خبّتنا من المطر، اليوم كانت خاوية، وبردها يخترق القلب.
وقفت قدّامها، ما عرفتش واش نقول.
هي كانت تشوف فيّ وتكتم دموعها بصعوبة.
قلت وأنا نحاول نضحك:
> "هاك الوقت مرّ، ومازال نستنّاو المطر."
قالت بصوت مرتجف:
> "يمكن المطر يرجع، بس بعض الناس ما يرجعوش."
سكتنا لحظة طويلة.
كنت نسمع صوت الريح، وخفقات قلبي اللي تِتضارب كيما أمواج البحر.
قلت:
> "وراحي وين تروحي؟"
قالت:
> "بويا لقا خدمة في تلمسان، نروحو غدوة… يمكن نرجع في الصيف."
قلت وأنا نحاول نتنفس:
> "وانا؟ نولي مجرد ذكرى؟"
نزلت دمعة صغيرة على خدها وقالت:
> "ما نقدرش ننساك، بصح الحياة ما تسقسيش الناس واش يحبّو، تدير واش تبغى."
تقدمت خطوة، مدتلي كفّها الصغيرة، فيها عقد صغير من الخيط الأحمر.
قالت:
> "هادي ربطة كنت نديرها وأنا صغيرة، كانوا يقولو تجيب الحظ… يمكن تجيبلك شوية مني وين تكون."
خذيتها بيدي المرتجفة.
كنت حاب نحضنها، نحكي، نصرخ، نقولها ما تروحيش.
لكن وقفت، جمدت، كأنّ لساني مربوط بخوف ما عرفتش منين جا.
قالت بهدوء وهي تشوف بعيد:
> "يمكن نكتبلك رسالة من تَمّ، وإذا ما كتبتش، تعرف بلي الحياة جرفتني معاها."
قلت بصوت مبحوح:
> "ورُبى؟ تعرفي شحال راح توحشيني؟"
ابتسمت وهي تمسح دمعتها:
> "ما توحشنيش بزاف… خليني نحسك معايا وين نروح."
ثم استدارت ومشات ببطء.
كنت نشوفها تبعد خطوة بخطوة، والريح تلعب في شعرها.
كل خطوة كانت كأنها تسحب جزء مني.
وقفت حتى غابت عن النظر، وبقيت وحدي.
رجعت للمكان اللي كان مليان ضحكنا، ولقيتو ساكت كأنه ما عرفناش من قبل.
لمست الحيط البارد، وقلت لنفسي:
> "ربى راحت، وباقي أنا… نصّي راح معاها."
---
مرت أيام، ثم شهور.
ما جاتش رسالة.
ما سمعت حتى خبر.
كنت نروح كل يوم لنفس الزاوية، نقعد فوق الكرسي الصغير اللي كان يجمعنا، ونسمع صدى ضحكتها في راسي.
الناس تشوفني تقول: “هاهو المجنون تاوع الحيّ.”
بس ما كانوا يعرفوش بلي المجنون الحقيقي هو اللي يفقد سبب ابتسامته.
---
بعد عام كامل، سمعت خبر صغير من واحدة كانت تعرفها:
> "ربى ما رجعتش، راحت مع عايلتها لفرنسا."
ضحكت، ضحكة مرّة، وقلت:
> "ماشي أول مرة تغيب عني، بس أول مرة تغيب بلا وداع."
ومن يومها، عرفت معنى الفراق الحقيقي.
مش كي تروح من حياتك، لا…
كي تبقى في قلبك وما تقدرش تخرجها.
ومن وقتها وأنا نكتب في المذكرات، كل صفحة فيها حكاية، وكل سطر فيها اسمها.
اسم ما يجيش مع النسيان…
“رُبى.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ