الخطيئة المدفونة - القربان المظلم: النهاية - بقلم حميدان هديل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطيئة المدفونة
المؤلف / الكاتب: حميدان هديل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: القربان المظلم: النهاية

القربان المظلم: النهاية

لم يكن أحد يعلم أن هذه الليلة ستكون الأخيرة لبعضنا. كانت الضحكات تتردد كصدى خاوي في الممرات، بينما كنت أعد أنفاسي، كل نفس كأنه حكم إعدام يقترب مني. مرت ساعات النهار ببطء قاتل، كأن الوقت نفسه يماطل خوفا من الليل القادم. ولكن الليل قادم لا محالة. الجميع نائمون في غرفهم، بينما خرجت أنا، يسرى، وكلارا، نحو ساحة الإقامة المهجورة، حيث القمر الأسود يطل علينا بلا نور، كعين حارس شرس يراقب كل حركة. أحضرت يسرى الكتاب الذي أعدته مسبقا، كي لا يكشف أمري لأني الشخص الوحيد الذي يمكنه دخول الغرفة بعد الآنسة ميلر لآنها من محمية، وضعته في منتصف الساحة، بينما كانت ترسم على الأرض بدم طازج لا أعلم مصدره، ثلاث مثلثات متشابكة كشبكة لعناكب قديمة. حاولت كبح رمشاتي، لا أريد أن ألوح بعاطفتي في لحظة تتحول فيها كل خطوة إلى مصير محتوم. وقفت كل واحدة منا عند رأس مثلثها، وبدأت يسرى تردد تمتماتها، كلمات غريبة مستعارة من صفحات الكتاب، صدى صوتها يردد بين جدران الساحة المهجورة. فجأة، بدأ الكتاب يتحرك، تتقلب صفحاته بسرعة رهيبة، حتى ثبت على صفحة معينة: بلا شك صفحة استحضار القرين. ظهر القرين معلقا فوق الكتاب، ضعيفا أكثر من المرات السابقة، لكنه لم يكن أقل تهديدا. بدأ يدور في الهواء، كلما ارتفع صوت يسرى ازدادت سرعته، وكلما ارتفع وقع قلبي في صدري. صوت يسرى، وهو يتلو اسمي الكامل بين كلمات الطلاسم، أصابني برعب لم أشعر به من قبل. توقف القرين فجأة عن الدوران، وثبت نظره في عيني، بعينينه السوداوتان كخندق لا قاع له، يبتلع كل ما يقف أمامه. مد يده في الهواء، شعرت بقبضة متجمدة على عنقي، وحملني الهواء كلما إرتفعت عن الأرض كانت قوة القبض على عنقي تزداد حتى خيل لي صوت عضامي رقبتي تتكسىر ثم… دفعت بقوة اصطدمت بالجدار. شعرت بسائل دافئ ينساب من فمي، رفعت يدي لأمسسه، لأكتشف أن دمائي تتدفق. ضحكت، ببرودة، بصوت يملأ الساحة، بينما كانت يسرى مذهولة، حتى الآنسة ميلر التي كانت تختبئ خلف الباب لم تصدق عينيها. تمتمت يسرى بصوت مرتعش: "مالأمر؟ لماذا لم ينجح… كل شيء كان مضبوطا…" ابتسمت ابتسامة باردةوأنا أقف من على الأرض بصعوبة، أنفض الغبار عن ثيابي، ثم نظرت إليها بعينين مليئتين بالتحدي: "حقا ظننتني ساذجة لتلك الدرجة؟" "دمائي ليست طاهرة، يا يسرى… لقد أتعبت نفسك." "هذا مستحيل تأكدت من طهر دمائكي بنفسي" "كان ذلك قبل أن...." سكت قيلا ثم أكملت "قبل أن أقتل يارا نعم… قتلت يارا. ذبحتها من الوريد إلى الوريد… لا أحد منا طاهر. كلنا ملوثون بالظلام." لمحت الصدمة التي رسمت على وجوه الجميع فأستغللت اللحظة بدأت بالدوران حول القرين، أردد الكلمات الغامضة التي حفظتها من الكتاب، لا أعرف معناها، ولا أريد أن أعرف. فجأة صرخ القرين صرخة كالرعد، وسحبت يسرى نحو الجدار بقوة قبضته، اقتربت منها، أمسكت يدها، ونزعت الخاتم من إصبعها. وهمست في أذنها: "أضن أن هذا يعود لي من هذا اللحظة" إرتدت يسرى على الأرض، تلهث بلا حول. أما أنا… وضعت الخاتم في إصبعي، ضحكت بقهقهة هستيرية، وأردفت بصوة عالي: "أنا أعرف إسمك، وأملك خاتمك… إذا، أنا أملك السلطة المطلقة عليك." الزلزال الخفيف الذي اهتزت به أركان الجامعة لم يوقف ضحكتي، كررت الجملة، عشرات المرات، ثم أمرت القرين: "اناغروم ليوكالب! باسم سلطتي العليا، أمرك بالعودة إلى الجحيم الآن" صرخ القرين صرخة أخيرة، واختفى في الهواء، تاركا صمتا مخيفا يكتسح المكان. نظرت إلى الآنسة ميلر، وإبتسامة قاتلة على وجهي: "ظننت نفسك قوية… فإذا بفتاة في مثل عمر أحفادك تسيطر عليك." ثم رفعت خنجري، اقتربت منها ببطء، قالت بصوت يائس: "أرجوك… لم يكن لي حل… ارحميني…" ابتسمت، وحركت خنجري ببطء "أطلبي الرحمة من الله، وليس من البشر." رفعت خنجري حد رقبتها ثم ذبحتها، سالت دماؤها على ثيابي، ثم اتجهت نحو كلارا ، وفعلت نفس الشيء، حتى وصلت إلى يسرى، التي نظرت إلي بعينين مملوءتين بالذعر. قلت بنبرة ثقة وتحد: "أردت أن تضحي بي… فضحيت بك. أردتني قربانا، فإذا بك أنت الطعم… لتعودي أنت أيضا إلى الجحيم." طعنتها مباشرة في الرأس، ثم انتزعت قلبها وألقيته فوق الكتاب في منتصف القاعة أحضرت البنزين الذي أعددته مسبقا، سكبته في أرجاء الجامعة، خرجت أمام باب الإقامةوأشعلت النار بمقدار واحد من أعواد الثقاب. صراخ الفتيات خلف الجدران لم يهمني… الجميع يستحق العقاب… والليلة… كانت ليلتي. لم أكتف بذلك، بالطبع. سرت نحو الجامعة، أحرقتها كلها، لا شيء يبقى من هذا المكان، لا ذكرى، لا أثر، لا صرخة. استلقيت بعيدا، أراقب اللهب يلتهم الجدران ويبتلع كل ما بقي من حياة ضحاياها. ثم، في صمت الليل، سمعت صوت سيارات الشرطة… ظننت أنهم سيصلون أسرع، لكن لم يكن هناك مهرب من الحقيقة. وهنا وجدت نفسي أمام المحكمة، زعم الجميع أنني مجنونة… ولا أظنهم مخطئين. أرسلت إلى مستشفى المجانين، قضيت هناك ثلاثين عاما، كل يوم أكتب جزءا من روايتي، حياتي التي لن يصدقها أحد، بالطبع، من يصدق قصص الأرواح الشريرة؟ علمت أيضا أن والدي قد توفي في حادث سير، بعدما كان عائدا للمنزل بعد أن أوصلني لأول يوم في الجامعة… ذكراه كانت آخر شيء يربطني بالبراءة التي فقدتها. خرجت أخيرا من مستشفى المجانين، لأعلن للعالم قصتي، قصتي التي سأكون فيها البطلة والشريرة في آن واحد. لا أعلم حقا إن كنت بطلة أو شريرة… لكن أعلم شيئا واحدا: سأضحي بالآخرين كي لا يضحوا بي مرة أخرى. بعد أكثر من ثلاثين عاما على تلك الليلة الملعونة، جأت أخبركم  مات كل من كان في الجامعة… كنت أنا الناجية الوحيدة… أو هكذا ظننت. لكن أضن أن روح مورغانا كانت الناجة الثانية معي لاكن لا أضن اللعنة إنتهت بهذه البساطة، خاتم القرين لا يزال معي أعلم جيدا أنه سيعود يوما ما... سيعود لإستعادة ماهو ملك له غادرت الجامعة، لكن الجامعة لم تغادرني. حقا، لا أحد يخرج من هذه الجامعة كما دخل...