الخطيئة المدفونة - القربان المختار - بقلم حميدان هديل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطيئة المدفونة
المؤلف / الكاتب: حميدان هديل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: القربان المختار

القربان المختار

لم أكن أعلم أن النهاية ستجردني من الجميع وتتركني وحيدة في مواجهة هذا المصير لم أضن يوما أنني سأجد نفسي وحيدة في الأخير. كانت الوحدة قدري المحتوم، كأنها ظل كتب لي منذ البداية لم أكن أعلم أن الخيانة حين تأتي لا تصرخ… بل تبتسم، وتربت على كتفك، وتشاركك أسرارك. كلما عدت بذاكرتي إلى ذلك الكابوس اللعين، شعرت بغصة تكاد تخنقني. كيف خدعت بهذه السهولة؟ كيف لم أرى الحقيقة وهي تلمع أمامي كخنجر؟ كيف كانت يسرى العقل المدبر منذ البداية؟ الآن فقط أصبحت التفاصيل مرعبة في وضوحها. كانت تظهر كل مرة يظهر فيها القرين، كأن بينهما خيطا خفيا لا ينقطع. وكلارا… كيف استطاعت أن تغمس يديها في ذلك الشر دون أن ألحظ؟ "ماريا، فيما تفكرين؟" صوت يسرى شق أفكاري بعنف ككل مرة، كأنها كانت تخشى أن أصل إلى استنتاج قد يفسد خطتها. وكأن مجرد تفكيري تهديد لها. "ماريا، هل تسمعينني؟" قطعت شرودي مرة أخرى، بإصرار جعل قلبي ينقبض. "نعم أسمعك يا يسرى… أنا فقط متعبة من الدراسة." حدقت في وجهي لحظة أطول مما ينبغي، ثم قالت بنبرة مشوبة بحماس غريب: "غدا إجازة. سيكون اليوم المنشود. يجب أن ننفذ خطتنا." اليوم المنشود. كأنها تتحدث عن عيد… لا عن طقس شيطاني. "نعم… بالطبع سنفعل." إتجهت إلى سريرها واستلقت بهدوء مريب، بينما عدت أنا إلى دوامة أفكاري التي كانت تدفعني نحو الجنون. يجب أن أوقف ما سيحدث. لكن لماذا تصر يسرى على استحضار القرين؟ يبدو أنها لم تحكم السيطرة عليه تماما، لذلك تنتظر ليلة القمر المظلم… الليلة التي تتكثف فيها الطقوس، وتضعف فيها الحجب بين العوالم. انتظرت حتى استسلم الجميع للنوم. تسللت من الغرفة بخطوات مترددة، وخرجت إلى الممر الطويل الذي بدا أكثر برودة من المعتاد. الصمت كان ثقيلا… كأنه يترقب سقوطا وشيكا. اتجهت مباشرة نحو الغرفة الملعونة. كنت قد سرقت المفتاح سابقا من مكتب الآنسة ميلر، بدافع فضول لم أكن أدرك أنه سيقودني إلى هنا. وقفت أمام الباب. أدخلت المفتاح في القفل وأدرته ببطء، فصدر صوت خافت ارتد صداه في داخلي. وضعت يدي على المقبض. هل ما أفعله صواب؟ هل أنا على وشك فتح باب لن أستطيع إغلاقه؟ أم أنني ألهث خلف كابوس لا وجود له؟ فجأة، وضعت يد مرتجفة على كتفي. استدرت بفزع. يارا. ظننتها نهايتي، فهي من المقربات من الآنسة ميلر، وكنت واثقة أنها ستفضحني. لكنها اقتربت مني وهمست قرب أذني بصوت منخفض: "أنت الوحيدة التي تستطيعين الدخول… لأنك لم تتلطخي بعد بهذه اللعنة. افعليها يا ماريا. سأكون بانتظارك… وسأدعمك." لم أعرف إن كنت أصدقها أم أكذبها. لكن ما مصلحتها في مساعدتي إن لم تكن صادقة؟ ابتسمت ابتسامة باهتة أحاول بها إخفاء ارتجافي، ثم استدرت نحو الباب، وأمسكت المقبض بيدي المرتعشتين… وفتحته. كان الظلام كثيفا، يبتلع كل شيء. تقدمت بحذر، وأغلقت الباب خلفي. لم أكن أرى شيئا، فالعتمة كانت كاملة، لا يخترقها خيط نور واحد. والأغرب أن الرائحة النتنة التي كانت تملأ المكان سابقا إختفت تماما. كيف كانت تفوح بقوة من الخارج، ولا أثر لها هنا؟ تسلل الشك إلى عقلي… هل بدأت أفقد صوابي؟ فجأة، أضاء مصباح الغرفة دون إنذار. كان الضوء خافتا، لكنه كاف لفضح الحقيقة. تجولت بعيني في أرجاء المكان… كان فارغا تماما. حتى وقعت نظرتي على أحد الأركان. هناك… رأيتها. مورغانا. ملقاة على الأرض بإهمال، جسدها ساكن وسط بركة من دمائها. عيناها مفتوحتان على اتساعهما، تحدقان في لا شيء. بشرتها شاحبة حد الموت. رقبتها مذبوحة، وطعنات السكين تمزق جسدها بوحشية. لم يكن المنظر مجرد جثة… كان تجسيدا للقسوة ذاتها. هل عدت إلى يوم الحادث؟ لا أظن أن الغرفة تعيد الزمن، لكن ما رأيته كان أفظع مما يمكن لعين بشرية إحتماله. الدماء المتناثرة، الجسد الهامد، النظرة المذعورة المجمدة في عينيها… لم أصدق أن إنسانا قادر على إرتكاب هذا القدر من الوحشية. تذكرت هدفي. جئت لأبحث عن دليل، لا لأغرق في الرعب. تجنبت النظر نحو الجثة، حتى لمحت صورة معلقة على الحائط. اقتربت منها. كانت صورة لمورغانا. أنا متأكدة أنني رأيت ظثلها في الممر سابقا… بل هي الصورة نفسها. كيف انتقلت إلى هنا؟ لا شيء يحدث صدفة. كل شيء يسير وفق نظام خفي. لمست الإطار، ثم نزعته لأتفحصه من الخلف. هناك… تجويف صغير مخفي داخل الجدار. لا يحتاج مفتاحا، فقط ضغطة زر. ضغطت. انفتح الباب الصغير. في الداخل كتابان. أحدهما مليء برموز غامضة، خربشات تشبه الطلاسم. والآخر مكتوب بالعربية الفصحى. تذكرت حديث يسرى. أيمكن أن يكون هذا هو الكتاب الذي أشارت إليه؟ أخذت الكتابين بسرعة، وأعدت الصورة إلى مكانها. وعندما التفت… الجثة اختفت. لا أثر لمورغانا. لا دم. لا شيء. كأن الغرفة ابتلعتها. خرجت مسرعة وأغلقت الباب خلفي، لأجد يارا تنتظرني كما وعدت. ما إن رأتني حتى قالت بسرعة: "اتبعيني." "إلى أين؟" "أسرعي، ليس لدينا وقت." لم يكن لدي خيار سوى اللحاق بها. في الحقيقة، لم أثق بها تماما، لكنني أردت أن أصدق أنني لست وحدي في هذا الجحيم. ومنذ لقائنا الأول، كان هناك شعور غريب يرافقني… كانت كنسمة هواء داخل تابوت مغلق. وصلنا إلى نهاية الممر. بدأت تتحسس الجدار حتى ضغطت حجرا معينا، فاندفع إلى الداخل وبدأ الجدار يتحرك ببطء. هل أنا داخل فيلم؟ كل ما يحدث يفوق التصديق. "اتبعيني." دخلت خلفها، وعاد الجدار ليغلق كأن شيئا لم يكن. كان خلفه درج يقود إلى الأسفل. نزلنا حتى وصلنا إلى طابق تحت الأرض. أضاءت يارا المكان. كانت مكتبة ضخمة، غريبة، محاطة برفوف عملاقة مغطاة بالغبار. في المنتصف طاولة كبيرة، وعلى طرفيها كرسيان فقط. أشارت لي بالجلوس. جلست، ووضعت الكتابين أمامي. جلست بجانبي، أمسكت بيدي، وبدأت تتحدث وكأنها أخيرا قررت أن تفرغ ما في صدرها. "أعلم أنك تعرفين قصة مورغانا بلاكويل، لكنك لا تعرفين الحقيقة كاملة… فلا تقاطعيني." هززت رأسي موافقة. "نعم، مورغانا ماتت على يد جد الآنسة ميلر. ومنذ ذلك اليوم، ظل الكابوس يطارد عائلته جيلا بعد جيل، حتى قضى عليهم جميعا… ولم تنج سوى الآنسة ميلر. ليس لأن القرين أشفق عليها، بل لأنها كانت أذكى. كانت تحتاج فقط إلى معرفة اسمه الحقيقي لتسيطر عليه بالكامل." تنهدت وأكملت: "اسم القرين هو مفتاح إخضاعه. لكن كل المعلومات عن مورغانا إختفت… عمدا. لذلك بقيت سيطرة الآنسة ميلر ناقصة. لا يستطيع إيذاءها، لكنها لا تتحكم فيه كليا." صمتت قليلا كأنها تستعد لكشف مفتاح عذا اللغز "الحلقة الناقصة كانت خاتم الاسكندلور. المفتاح الوحيد للسيطرة التامة. وكان خطأ أنك تركته مع يسرى." تجمدت. وتذكرة الخاتم الذي وجدناه بالقبر كانت مصرى على إبقائه معها داعية أنها أكثرنا حذرا "يسرى ليست كما تظنين. إنها أكثر شرا من القرين نفسه. إستغلت كوابيسها، وكان يمكن أن تكون مختارة للنور… لكنها اختارت الظلام. كانت أذكى من الجميع، حتى من الآنسة ميلر، فأصبحت تسيطر عليه بالقوة فإم جحيم يسرى أو جحيم القرين" قاطعتها بصوت مرتجف: "لكن لماذا؟" نظرت إلي بجدية قاتلة: "لأن البشر أشد شرا من الكيانات. الطمع… السلطة… القوة. وللسيطرة الكاملة على القرين، يجب عقد اتفاق في ليلة القمر المظلم… بدم طاهر." سكتت لحظة، ثم قالت: "دمك أنت." شعرت كأن الأرض انهارت تحتي. إذن كنت القربان منذ البداية. الضحية القادمة… دون أن أعلم. اسودت الدنيا في عيني، وتسلل إلى صدري حزن ثقيل كالرصاص. "وماذا سنفعل الآن؟ الخاتم معها." نظرت إلى الكتاب أمامي وقالت بثقة "والكتاب معك… فيه الطريقة الوحيدة لتدمير القرين، أو إعادته إلى الجحيم حيث ينتمي." وضعت يدي على الغلاف، وشعرت بنبض خافت تحته. عندها فقط أدركت أنه خلاصنا الوحيد