الخطيئة المدفونة - عهد الدم - بقلم حميدان هديل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطيئة المدفونة
المؤلف / الكاتب: حميدان هديل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: عهد الدم

عهد الدم

لم اكن لأتخيل انني سأعيش حياة طبيعية بعد كل ما عرفته. كنت أسخر من حكايات الاشباح، أؤمن أن الموت نهاية صامتة لا عودة بعدها… حتى رأيتها. رأيتها تعود لا كروح تبحث عن سلام، بل كظل مشوه خرج من الجحيم ليقتات على الانتقام. اخبرتني يسرى مؤخرا بالحقيقة التي مزقت ما تبقى من طمأنينتي: الذي عاد ليس روح مورغانا… بل قرينها. نسخة سوداء منها، مشوهة، محشوة بالكراهية، تحمل الشر بدلا من النور. قرين يمنع روحها من النوم في قبرها، ويستمر في تعذيبها… وتعذيب كل من تلوث اسمه، ولو عرضا، بجريمة ذبحها. والاكثر رعبا… أن الجانب المشرق من روحها هو من قاد يسرى الى الكتاب. هو من إختارنا نحن… مختارات. لسنا بطلات، ولسنا بريئات تماما. كل واحدة منا تحمل في داخلها شقوقا مظلمة، ندوبا خفية، ذنوبا صغيرة او كبيرة. ربما لهذا وقع علينا الاختيار. قاطع شرودي صوت يسرى، منخفضا لكنه حاسم: "لقد مرت ايام منذ اخر كابوس لك. وظهوره مجددا ليلة الأمس… ليس صدفة." قبض قلبي على نفسه كأنه لا يريد التأكد مما سيقال ثم سألت: "ماذا تقصدين؟" نظرت إلي بعينين تعرفان الجواب قبلي. "أقصد ان الوقت قد حان." خرجت كلماتها كحد سيف بارد إستقر بين ضلوعي. كنت أعلم أن هذه اللحظة قادمة، لكنني لم أتخيلها قريبة إلى هذا الحد. "هل اخفيت ما اخذناه من القبر؟" لا تقلقي يا ماريا. إنه في مكان أمن. عدت إلى صمتي. كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة ليلا. جسدي منهك بعد يوم طويل، لكن النوم بدا كخيانة لنفسي. كنت أخشى أن أغلق عيني… فيبتلعني كابوس اخر. حدقت في سقف الغرفة المتآكل. خطوط الندى السوداء امتدت عليه كعروق متعفنة، منظرها الكئيب كان أجمل من باقي هذا المكان الذي يشبه قبرا واسعا نعيش فيه. شعرت بحاجة إلى الهواء. إلى الهرب ولو لدقائق. خرجت الى الممر الطويل. الصمت كان ثقيلا، والأضواء الخافتة ترسم ظلالا مرتجفة على الجدران. لم اكن اعلم الى اين تقودني قدماي… حتى رأيتها. الانسة ميلر. كانت تتجه بثبات نحو الغرفة المحظورة. غرفة مقتل مورغانا. تجمدت في مكاني. الدم انسحب من وجهي. وانا أرها تدخل الغرفة بقيت احدق في الباب المغلق، منتظرة شيئا مستحيلا… خروجها جثة، او مذعورة، او على الاقل مختلفة. لكنه لم يحدث. فجأة، صرير الباب شق الصمت كصرخة معدن يحتضر. فتح الباب… وخرجت الانسة ميلر بكعبها العالي يطرق الارض بنغمة منتظمة، باردة. اغلقت الباب خلفها بإحكام، ومضت وكأنها خرجت من مكتب عادي، لا من مسرح جريمة ملعون. تسلل الشك الى عقلي. ماذا لو كانت كل حكايات يسرى اساطير؟ ماذا لو خدعت نفسي بالخوف؟ "مالذي تفعلينه هنا؟" انتفضت. إستدرت بسرعة. "انا… انا فقط…" "عودي الى غرفتك. لا تتجولي ليلا مهما كان السبب" "حسنا يا يارا… سأعود." مشيت في الممر ورأسي يغلي بالتناقضات. إن كانت القصة كذبا… فكيف أبرر الكوابيس؟ حادثة الحمام؟ الظل الذي لاحقني انا ووالدي يوم وصولنا؟ هناك حلقة ناقصة. حقيقة مفقودة. رفعت بصري… فتوقفت. كانت يسرى تقف تحت مصباح يومض بعصبية، الضوء يبتلع ملامحها ويعيد تشكيلها كل ثانية. "يسرى… ماذا تفعلين هنا؟" اقتربت وهي ترتجف. "أظن أن الآنسة ميلر عقدت عهدا مع الروح الشريرة. هذه نهايتنا يا ماريا." اتسعت عيناي، مدركتا اخيرا سبب قدرتها على الدخول إلى الغرفة النلعونة وخروجها سالمة "كيف عرفت؟" "سمعتها. كانت تتحدث مع يارا. قالت أن العقد نجح… وأنها قدمت روح آنيا قربانا." انقبض صدري. "لهذا اختفت آنيا؟" هزت رأسها. "مالحل؟ هل سننتظر دورنا؟" صمت ثقيل لف المكان، قبل ان تقول: "لن نستسلم. لقد دقت طبول الحرب أخيرا" ارتجف قلبي، لكن شيئا بداخلي اشتعل، لأقول بشجاعة غير معتادة مني: "إما الموت في سبيل الخلاص… او إنتظار الذبح." ابتسمت يسرى، ثم قالت " بدأت شجاعتك تخيفني يا فتاة" أمسكت يدي. سرنا معا نحو غرفتنا… أخر ليلة هادئة قبل العاصفة. ثم جاء الحلم. قاعة واسعة تتوسطها تماثيل ضخمة. خلفها وقفت، أراقب شبح مورغانا. كانت تنزف بغزارة مرعبة، الدم يتدفق من جسدها كنهر أسود لا نهاية له، يغمر الأرض ويصعد حتى كاحلي. فتح باب القاعة. اختفى الدم فجأة. دخلت آنيا… تمشي، لكنها تحمل رأسها بين يديها. جلست امام الشبح، رفعت رأسها المقطوع نحوه. ثم صوت، صوت لم أتوقع سماعه في تلك اللحظة: "أنت من اليوم تحت إمرتي، يا اناغروم." إرتفع الصوت حتى ظهرت صاحبته. يسرى. كانت تمسك بالخاتم ذي الحجر الأسود الذي أخرجناه من القبر. رفعت يدها، البسته في سبابتها. صرخ الشبح. صرخة هزت القاعة حتى تشققت الجدران. سقط على ركبتيه امامها. وعلى جانبيها… وقفت الانسة ميلر. وكلارا. تجمدت روحي. همس في اذني صوت ناعم: "لا تصدقي وعدا يقطعه لك احد. الجميع خونة." استدرت. كانت مورغانا… لكن بهيئة ملاك. نور ينساب من عينيها السوداوين، شعرها الاسود يحيط بوجهها بهدوء سماوي. رفعت يدها، وضعتها فوق قلبي. "ستجدين ما تحتاجينه في الغرفة الملعونة. أنت خلاصي الوحيد. حرريني." إختفت. قبل أن أستوعب، ظهر قرينها المشوه. وجه ممزق، أسنان غارقة بالدم. صرخ في وجهي… فاستيقظت. كنت في الفصل الدراسي. إستدرت نحو يسرى. ثم نحو كلارا. لم اعد اعرف من اثق به. قلت بصوت حاولت جعله ثابتا: "أظن أن علينا التحرك. لم يعد هناك وقت. يجب أن نبدأ تنفيذ الخطة." في داخلي كنت أعرف شيئا واحدا… نحن لا نحارب شبحا فقط. نحن نحارب الخيانة.