الخطيئة المدفونة - حين اقتربت أكثر - بقلم حميدان هديل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطيئة المدفونة
المؤلف / الكاتب: حميدان هديل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: حين اقتربت أكثر

حين اقتربت أكثر

كانت الحصص مملة وطويلة، حتى دوى صفير الحصة الأخيرة أخيرا. تنهدت بتعب وأنا أتكئ بظهري على الكرسي قائلة: "أخيرا… بعض الراحة." لكن كلمات يسرى كسرت لحظتي الجميلة: "أظن أنك لم تنسي العقاب صحيح؟" بالفعل، كنت قد نسيته تماما، لكن الغريب أنني لم أكن قلقة بشأنه. "ما طبيعة عقاب السيدة ميلر؟" هذه المرة بادرت كلارا بالشرح: "إن كانت فعلتك كبيرة، قد تحبسك في زنزانة أسفل الجامعة… إنه أكثر مكان مرعب هنا. لكن في حالتك، أظنها ستعاقبك بتنظيف مكان ما فقط." تساءلت في داخلي إن كانت السيدة ميلر تعاني اضطرابا نفسيا، فلا يعقل أن يعاقب طلاب جامعة بالحبس في زنزانة أسفل قبو مظلم في مكان كهذا. قاطع شرودي صوت يسرى: "بماذا تفكرين؟" "كنت أفكر… ربما سأُنظف المكتبة، إنه أفضل مكان في هذه الجامعة." ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه كلارا، كأنها تحسدني، ثم قالت: "تنظيف المكتبة؟ هذا حلم وليس عقابا." تعالت ضحكاتنا الثلاث، لكن ضحكتي سرعان ما خفتت وأنا أنظر إليهما. شعرت أن رفقتهما ستكون ممتعة… وربما أكثر من ذلك. تذكرت فجأة السؤال الذي كان يطاردني طوال الحصص: "يسرى، أكملي لنا… ماذا وجدت في ذلك الكتاب؟" وقبل أن تنبس بحرف، دخلت يارا إلى الفصل الذي كان قد خلا من جميع الفتيات سوانا. "ماريا، اتبعيني. ستنفذين عقابك." سرت خلفها مغادرة الفصل، وقبل أن نبتعد همست يسرى دون أن تنتبه يارا: "لا تخافي. إن لاحظت أي شيء، تجاهليه. فقط أنهي عملك." كلماتها لم تطمئنني، بل زادت توتري. سرنا عبر ممر طويل، وسلالم ملتفة، حتى توقفنا أمام باب أزرق متآكل الأطراف. لم يشبه باب مكتبة أبدا… بل أقرب إلى باب حمام مهجور. زادت الرائحة المنبعثة يقيني. فتحت يارا الباب. كان الحمام قديما، كأنه مغلق منذ سنوات. شبكات العنكبوت في كل زاوية، والجدران مغطاة بطبقة سوداء متعفنة. تقدمت بخطوات مترددة، متمنية لو فقدت حاسة الشم. كانت أدوات التنظيف في أحد الأركان، أشارت إليها يارا قائلة: "ستجدين كل ما تحتاجينه هنا. استعملي الحنفية للماء." لم يخطر ببالي يوما أنني سأضطر لتنظيف مكان بهذا القدر من القذارة. قلت مترددة: "لماذا تريد السيدة ميلر تنظيف هذا الحمام؟ توجد حمامات كثيرة في هذه الجامعة." رمقتني يارا بنظرة متعجرفة، ثم أجابت ببرود: "تريد السيدة ميلر إعادة فتحه. ولا تتدخلي فيما لا يعنيك. نظفي فقط، وحين تنتهين عودي إلى الإقامة ليس من حظك البقاء هناء طويلا " "ماذا تقصدين" "لا شئ" ثم خرجت، تاركة الباب يتأرجح خلفها، وبقيت أنا أحدق في المكان بصدمة. تقدمت نحو الحمامات الداخلية. كانت عبارة عن صفين من الأبواب المتقابلة، في كل واحد منها دورة مياه. فتحت الباب الأول… المنظر لا يوصف. رائحة دم قديم، أرضية ملطخة، وجدران لم يعد يظهر لونها من شدة العفن المتراكم. أمسكت أدوات التنظيف وبدأت فورا، أردت الانتهاء قبل حلول الليل، فلم أكن أحتمل البقاء وحيدة هنا أكثر. في بداية الحمام كانت توجد مرآة كبيرة، تحتها صف من الحنفيات المثبتة فوق حوض غسيل واسع. بدأت بتنظيف الحوض والمرآة، ثم الجدران، وأخيرا دورات المياه. مر وقت طويل… قرابة ثلاث ساعات، وأنا ما زلت أنظف. وأثناء انحنائي لمسح الأرضية، سمعت صوتا صادرا من إحدى دورات المياه. كان أشبه… بصوت طعن. تجمدت في مكاني. تصلبت عضلاتي، ونسيت كيف أتنفس، حتى أنني لم أعد أستطيع الحركة. كان علي أن أهرب، لكن فضولي كان أقوى من خوفي. تقدمت بخطوات شديدة التردد، جسدي يرتجف، وقدماي بالكاد تحملانني. الباب كان مغلقا. مددت يدي لفتحه، وفجأة شعرت بسائل تحت قدمي. أنزلت رأسي. دماء… تتدفق من تحت الباب بغزارة. وضعت يدي على فمي من شدة الرعب، ثم دفعت الباب بسرعة، فقط لأُنهي هذه اللحظة. وليتني لم أفعل. الدماء كانت في كل مكان. الأرض، الجدران، كل شيء مغمور بلون أحمر قاتم. وبينما أحاول استيعاب المشهد، شعرت بيد توضع على كتفي. استدرت بفزع… لم أجد شيئا. تنفست الصعداء، وعدت أنظر أمامي، متسائلة من أين أتت كل هذه الدماء، فقد نظفت المكان للتو. وحين رفعت نظري… رأيتها. نعم، هي. الفتاة ذات الشعر الأسود. ثوبها الأبيض ممزق وملطخ بالدماء. لكن الأكثر رعبا… عنقها المشقوق بوحشية، كأن الحياة انتزعت منها انتزاعا. كانت عيناها تنزفان دما، ورأسها مائلا على كتفها بزاوية غير طبيعية، كأن عنقها لم يعد يحملها. فجأة… بدأت تحرك رقبتها. لا ببطء… بل بحركات متكسرة، حادة، كأن مفاصلها تتحطم في كل التفافة. دوى صوت طرقعة العظام في أرجاء الحمام، واضحة، قاسية، تلسع أذني مع كل خطوة كانت تخطوها نحوي. جسدها يتحرك كدمية مكسورة، كتفاها يرتفعان وينخفضان دون انتظام، وذراعاها تتدليان بزاوية خاطئة. سقطت أرضا، وبدأت أزحف إلى الخلف بجنون، ألهث، أتعثر بيدي، حتى اصطدم ظهري بباب حمام آخر. توقفت أنفاسي. شعرت وكأنني انتزعت من هذا العالم، وأيقنت أنه لا مهرب لي هذه المرة. وحين أصبحت أمامي مباشرة… صرخت. فانفتح فمها على اتساع غير بشري، وظهرت أسنانها الغارقة بالدماء، بينما خرجت منها صرخة حادة، مشروخة، كأنها تمزق الهواء نفسه. كانت صرختها كفيلة بأن تسلبني سمعي… لكنها لم تفعل. لا أعلم من أين جاءتني الجرأة. نهضت فجأة، استدرت هاربة، لكن شيئا ما أمسك بساقي. سحبت أرضا، وبدأ يجرني إلى الداخل، فيما صرخاتي تتكسر في حلقي بلا جدوى.. ظل ذلك الشيء يجرني نحو دورة المياه… حتى دخلت يسرى الحمام. ركضت نحوي، كنت ملقاة على الأرض أصرخ. ما إن رأيتها حتى تشبثت بها بكل قوتي. "ما بك؟ لماذا تصرخين؟ هل حدث لك شيء؟" انفجرت بالبكاء. "كنت خائفة… خائفة جدا يا يسرى." أشرت بيدي نحو دورة المياه. نهضت يسرى، نظرت داخلها، ثم التفتت إلي وقالت بهدوء: "لا شيء هنا." نهضت مسرعة. اختفى كل شيء. الدماء، الفتاة، كل شيء. "أقسم أن المكان كان ملطخا بالدماء، وكانت هي هنا… لكنها كانت أبشع من أي مرة مضت." احتضنتني يسرى، تمسح على شعري محاولة تهدئتي: "لا بأس يا عزيزتي. لا شيء يدعو للخوف. لنعد إلى الإقامة فورا." خرجنا مسرعتين، وكان الظلام قد حل بالفعل. اتجهنا إلى الإقامة، ودخلنا الغرفة مباشرة. مسحت دموعي، لم أرد أن يراني أحد ضعيفة، سوى يسرى أو كلارا. جلست على فراشي. جلست يسرى مقابلي، واقتربت كلارا وجلست بجانبي وسألت بقلق: "هل أنت بخير يا ماريا؟" لم أستطع التظاهر بالقوة أكثر. قصصت لهما كل ما حدث في الحمام. لاحظت الصدمة والخوف على وجهيهما، شحبت ملامحهما. وعندما وصلت إلى لحظة دخول يسرى واختفاء كل شيء، قالت يسرى وكأنها تذكرت أمرا: "أظنني قرأت عن هذا." "عن ماذا؟" "عن الفتاة… وأنها تزداد رعبا كلما ظهرت المختارات." تذكرت الكتاب فورا بمجرد ذكر المختارات "هل يمكنك إكمال قصة الكتاب؟" قالت بجدية: "طبعا. لكن أصغيا إلي جيدا، ولا تثيرا أي تصرف لافت للأنظار." اعتدلنا أنا وكلارا في جلستنا، مستعدتين لسماع ما سيغير كل شيء.