الخطيئة المدفونة - كتاب الطلاسم - بقلم حميدان هديل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطيئة المدفونة
المؤلف / الكاتب: حميدان هديل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: كتاب الطلاسم

كتاب الطلاسم

مر اليوم كاملا عبارة عن حصص متتالية، لا يفصل بينها سوى استراحة قصيرة لوقت الغداء. عندها فقط لاحظت ما كانت يسرى تتحدث عنه. الفصل كان يعج بالفتيات… لكن ملامحهن كانت قبيحة، باهتة، وملابسهن متسخة على نحو يبعث على الاشمئزاز. لم يكن يفعلن شيئا سوى التحديق في الأساتذة دون رمش، نظرات جامدة خالية من أي تعبير. لم أهتم كثيرا، فذلك لم يعد أغرب ما رأيته في هذه الجامعة. لكن الغريب الحقيقي ظهر في المطعم. الطاولات كانت متسخة… نعم، لكن ليس ببقايا طعام الأمس، بل بطعام اليوم نفسه. تعجبت. كل الحصص انتهت للتو، فمتى أكلت هؤلاء الفتيات؟ زاد اضطرابي حين لاحظت أن كل من في المطعم هن الفتيات أنفسهن اللواتي يشاركنني الغرفة. لم أجرؤ على طرح الأسئلة، لكن الفضول كان ينهش رأسي بلا رحمة. فسألت أخيرا، بصوت متردد: "لماذا الطاولات متسخة؟ متى أكلت الفتيات؟ كل الدروس انتهت لتوها." جاءني الرد من يارا، كعادتها، فلا أحد يتكلم في وجودها: "ألا ترين أن القلق بشأن عقابك الليلة أهم؟ السيدة ميلر لا ترحم أحدا." كلماتها سقطت على أذني كالصاعقة. تذكرت العقاب الذي وعدت به. ترى… ماذا يمكن أن يكون أسوأ مما أعيشه في هذه الجامعة؟ مكان لا يمكن وصفه إلا بتابوت كبير. كانت الفتيات يلتهمن الطعام بشراهة، كأنهن لم يأكلن منذ قرون. أما أنا، فلم أضع لقمة واحدة في فمي. كان مستحيلا أن أتناول شيئا لا يشبه الطعام أصلا. واللحم… لم يكن يبدو كلحم بقر أو غنم، ولا أي شيء أعرفه. قُدم الخبز مع الطعام. لم يكن خبزا كما نعرفه، لكنه بدا أقل قرفا من البقية. أكلت قطعة صغيرة فقط، فالجوع كان يفتك بمعدتي. لم أتناول شيئا سوى الماء منذ دخولي هذه الجامعة. بعد انتهاء فترة الطعام، عدنا إلى الفصول. وجدناها… كما قالت يسرى. تعج بالفتيات. كن يجلسن في أماكنهن بانتظام غريب، وكأنهن نسخ متطابقة. توجهت إلى مقعدي، لكن صوتا باغتني من الخلف: "هل هذا المكان شاغر؟" التفت. كانت يسرى، وبجانبها تلك الفتاة الشقراء التي لا تفارقها. قلت بهدوء مصطنع: "طبعا… تفضلا بالجلوس." خطر في بالي أنني لم أتعرف على الفتاة الشقراء بعد، حتى إنني لا أعرف اسمها، فقد غادرت مع يسرى عندما كنت أتعرف إلى الفتيات. نظرت نحوها وأنا أتأمل ملامحها الجذابة الناعمة. "هل أنت أجنبية؟" خرج السؤال من فمي دون وعي مني. لكن ابتسامتها البريئة التي سبقت كلامها جعلت منها ملاكا طاهرا وسط وحش هذه الجامعة. "نعم، أنا أجنبية الأصل من أب أجنبي، واسمي كلارا وأظن أن اسمك ماريا، أليس كذلك؟" "نعم، أنا ماريا، وتشرفت بمعرفتك. أظنك الصديقة المقربة ليسرى." ابتسمت الفتاتان، وتبادلت كلارا ويسرى نظرة صامتة، نظرة لم أفهم معناها… لكنها لم تشعرني بالارتياح. ثم تابعت كلارا موضحة: "عندما أتيت أول مرة إلى هذه الجامعة، كنت وحيدة لا أعرف أحدا. كانت تراودني كوابيس عن فتاة ميتة، وكنت أستيقظ مفزوعة كل ليلة. جميع الفتيات كن يحتقرن ما يحدث معي، باستثناء يسرى… كانت الوحيدة التي تفهمني. كنت أروي لها كل كوابيسي، ولم أر في عينيها الدهشة أبدا." في تلك اللحظة، لفت انتباهي شيء غريب. أنا أيضا، عندما راودني ذلك الكابوس، وركضت في الممر طويلا، كانت يسرى هي من لحقت بي وحاولت تهدئتي. حولت نظراتي المليئة بعلامات الاستفهام نحو يسرى، ثم بادرت بالسؤال: "آثار القبضة التي كانت على عنقي… كيف عرفت أنها من حلم؟ ولماذا لم تستغربي من أحلامي؟" أجابتني يسرى وهي تضع يديها على كفي، مواساة، قائلة بهدوء ثقيل: "أنا أيضا مررت بما تمرين به الآن. شبح تلك الفتاة كان يعذبني لفترة طويلة منذ دخولي الجامعة. والأمر نفسه حدث مع كلارا…" توقفت لحظة، ثم أضافت: "لكن الغريب… أنه لم يحدث مع بقية الفتيات وهذا ما لا أستطيع فهمه" ساد صمت ثقيل. رفعت يسرى رأسها فجأة، وكأن فكرة مرعبة اكتملت في ذهنها لتوها. اقتربت بصوت هامس لا يخلو من الصدمة: "هل يمكن… أن نكون المختارات؟" قلت أنا وكلارا بصوت واحد: "المختارات" سارعت يسرى بوضع كفيها على أفواهنا، ثم قالت بنبرة مذعورة: "اصمتا! إياكما أن يسمعكما أحد تذكران هذا الاسم… الأمر خطير." تبادلت أنا وكلارا نظرة حائرة قبل أن أقول: "ماذا تقصدين؟ نحن لا نفهم شيئا. ما المختارات؟ وما الخطر في ذلك؟" تنهدت يسرى بعمق، ثم بدأت تشرح، بينما كانت الصدمة ترتسم على ملامحنا مع كل كلمة تنطق بها: "في أحد الأيام، كنت أدرس في مكتبة الجامعة. شعرت بالملل، فوقفت أتأمل الكتب القديمة المصطفة في الرفوف العملاقة. وبينما كنت غارقة في رائحة الورق العتيق، سقط كتاب فجأة من أحد الرفوف." توقفت للحظة، ثم أكملت بنبرة جازمة: "أنا متأكدة أنه لم يسقط من تلقاء نفسه. لم يكن هناك أحد غيري في المكتبة، ولا حتى نسمة هواء." ابتلعت ريقها وتابعت: "اقتربت منه بتردد، لكن فضولي كان دائما أقوى من خوفي من المجهول. حملت الكتاب بين يدي، كان خاليا تماما… لا عنوان، لا دار نشر، ولا حتى اسم مؤلف. وعندما فتحته، بدا غريبا بشكل لا يوصف. الكلمات لم تكن مفهومة، وكأنها مكتوبة بلغة أخرى، إضافة إلى نقوش ورسومات غريبة." قاطعتها كلارا بقلق: "وما طبيعة تلك الرسومات؟" أجابت يسرى بعد تردد: "بصراحة… لا أظنها رسومات. كانت طلاسم." شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، ودق الرعب قلبي بقوة. "طلاسم؟ هل أنت جادة؟ هذا ما نراه فقط في أفلام الرعب!" رفعت يسرى نظراتها نحوي، فانتبهت لنبرة صوتي. "أنا آسفة… لم أقصد." قاطعتني بهدوء: "لا تعتذري. أتفهمك تماما، فليس من السهل تصديق ما يحدث معنا." ساد صمت قصير، لكنه كان ثقيلا، كأنه يضغط على صدورنا. كسرته كلارا بسؤالها: "وماذا فعلتِ بالكتاب؟" أجابت يسرى بصوت منخفض: "أخذته إلى العم أحمد. إنه رجل مسن، لكنه لا يزال يتمتع بصفاء ذهني نادر. وقد ساعدني في ترجمة الكتاب." بدت الشكوك واضحة في عيني كلارا، فسألت: "لكن كيف غادرت الجامعة؟" اقتربت يسرى منا وهمست: "سأخبركما سرا صغيرا… يوجد ممر سري في هذه الجامعة، أستعمله للتسلل منها ليلا." وفجأة، دق باب الفصل، ودخلت الأستاذة. بدأ الدرس. لكنني لم أستوعب كلمة واحدة مما قيل. كان ذهني عالقا في حديث يسرى المليء بالألغاز. ترى ما محتوى ذلك الكتاب؟ ومن يكون العم أحمد حقا؟