نظرة القبر
شعرت بقشعريرة باردة تسري في عروقي، لكنني حاولت التماسك واستغلال الفرصة. قلت بصوت منخفض:
"إذا… أنت تعلمين من تكون صاحبة الشعر الأسود."
أجابت يسرى بعد تردد قصير:
"لا أعلم إن كنت أعرف الكثير، لكن ما أعرفه… قد يصدمك."
"إذن أخبريني."
خفضت صوتها أكثر:
"يقال إن هذه الجامعة مسكونة بروح فتاة قتلت ودفنت هنا… وإنها تقتل كل فتاة قبل مغادرتها الجامعة."
انفلتت من فمي قهقهة قصيرة، لا أدري إن كانت سخرية أم محاولة يائسة لإقناع نفسي بأن ما أسمعه محض خرافات.
"أحقا تصدقين هذه الترهات؟"
نظرت إلي بجدية أربكتني:
"نعم، أصدقها. لأن أمر هذه الجامعة غريب. لا توجد أي فتيات غيرنا في السكن كما لاحظت، لكن المريب أنك أثناء الحصص ترين الفصول تعج بالطالبات… ثم يختفين فور انتهاء الدرس."
هززت رأسي:
"هذا ليس دليلا، يا يسرى."
اقتربت خطوة وقالت:
"وماذا عن الغرفة التي تنبعث منها رائحة جثة متعفنة؟"
تجمدت. تذكرت تلك الغرفة، الرائحة الخانقة… وتذكرت أيضا كيف كذبتني الفتيات. ولم تكن يسرى معنا حينها؛ فقد غادرت الغرفة قبلنا بعد إهانة يارا لها.
"أتقصدين الغرفة رقم 18؟"
أومأت ببطء:
"إذا أنت أيضا شممت الرائحة."
صمتت لحظة، ثم تابعت بصوت مرتعش:
"يقولون إن الفتاة ذات الشعر الأسود قتلت في تلك الغرفة. ومنذ ذلك اليوم لم يدخلها أحد… لأن من يدخلها لا يخرج حيا. لذلك أُغلقت، ومنع الاقتراب منها وحتى مجرد التحدث عنها."
في تلك اللحظة، بدأت المصابيح في الممر تتأرجح، تومض بعنف، وكأن قوة خفية تعبث بها. تمتمت:
"غريب… لا يوجد أي تيار هوائي هنا."
لكن يسرى كانت تحدق في الظلام، ثم قالت كلمات سمعتها بوضوح… وتمنيت لو لم أفعل:
"أظن… أنه لم يعجبها حديثنا عنها في هذا الوقت."
نظرتُ إليها بعينين متسعتين، ولم أستطع التفوه بكلمة. قالت يسرى بسرعة:
"لنعد إلى الغرفة… إنها المكان الأكثر أمانا لنا الآن."
لا أعلم لماذا ركضت خلفها. هل أصدق ما تقوله حقا؟ لا أعرف… لكنني ركضت وكأنني أهرب من الجحيم. كل ما أعلمه أن الخوف كان ينهش صدري بلا رحمة.
وصلنا إلى الغرفة. فتحنا الباب الذي أصدر صريرا مزعجا، ثم أسرعت كل واحدة منا إلى فراشها. دخلت تحت الغطاء، وبدأت أتمتم… أو بالأحرى كنت أقرأ آية الكرسي. أعلم أن لا شيء في هذا العالم يضاهي قوة القرآن، لذلك كان سلاحي الوحيد.
شيئا فشيئا شعرت براحة تتسلل إلى صدري، وبدأ الخوف يخفت، حتى استسلمت للنوم.
فتحت عيني.
وجدت نفسي في مكان مظلم. نظرت حولي، لكن الظلام كان دامسا. حاولت الصراخ، إلا أنني شعرت وكأن أحدهم يطبق قبضته على أحبالي الصوتية. لم يخرج صوت.
وفجأة… تحركت قدماي. تركضان دون إرادتي، وكأنهما تعرفان الطريق. ركضت في اتجاه غريب، حتى تعثرت بغصن وسقطت أرضا. لكنني لم أسقط على الفراغ… بل على شيء صلب.
تحسسته بيدي. "يا إلهي… أتمنى ألا يكون ما أفكر به."
تسلل ضوء خافت من السماء. ضوء القمر. رسم خطا مستقيما فوق الأرض. تتبعت الضوء بعيني، حتى أدركت ما كنت جالسة فوقه.
تحررت أحبالي الصوتية، وصرخت صرخة شعرت أن من في باطن الأرض قد سمعها.
قبر.
نعم… لقد سقطت فوق قبر.
هذه مقبرة.
كيف وصلت إلى هنا؟ هل هذا حلم آخر؟ لكن كيف يمكنني أن أتحكم في أحلامي بهذا الشكل إن كان حلما فعلا؟
نظرت إلى القبر. بدا قديما جدا. نقش عليه اسم امرأة:
"مورغانا بلاكويل"
وفجأة ازداد الضوء، لكن هذه المرة لم يكن ضوء القمر.
رفعت رأسي ببطء.
رأيتها.
هي.
صاحبة الشعر الأسود.
كانت تحدق بي بعينيها السوداوين بلا بياض. وجهها شاحب كالشمع، يوحي بجثة لم تعرف الراحة. رقبتها كانت منحنية، مائلة على كتفها الأيمن، كأنها مكسورة منذ زمن.
أستطيع الجزم أن ما رأيته في تلك اللحظة كان أفظع ما قد أراه في حياتي.
رفعت سبابتها ببطء، وأشارت إلى القبر الذي كنت جالسة فوقه.
أنزلت رأسي.
كل أطرافي تحركت من تلقاء نفسها.
ثم… رفعت رأسي.
كانت ملتصقة بوجهي تماما.
أنفاسي المضطربة كانت تحرك خصلات شعرها المتدلية على جانبي وجهها.
وفجأة…
أطلقت صرخة اخترقت أعماق العوالم السفلية. اتسع فمها بشكل غير بشري، وبرزت أسنانها الملطخة بالدماء.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أصرخ. صرختي لم تكن شيئا أمام صرختها.
وفجأة…
فتحت عيني.
كنت في الفصل الدراسي.
أصرخ.
الجميع حولي يحاول تهدئتي. كلما حاولوا، ازداد صراخي. خرجت من فمي كلمات لا تشبهني، شتائم لم أكن أعلم أنني قادرة على نطقها.
"أتريدون إصابتي بالجنون؟ أين أنا؟ كيف وصلت إلى هنا بحق الجحيم؟"
حتى دخلت إلى الفصل، شعرت بشيء مألوف… امرأة بدا لي أنني رأيتها من قبل. نعم… إنها المديرة.
لم أستطع أن أخطئ صوت كعبها، حتى في هذه الحالة الهستيرية التي كنت فيها. كل خطوة لها صدى في عقلي.
نظرت المعلمة نحوها وأحنت رأسها كما لو كانت تحيي حاكما، ثم قالت بصوت متوتر:
"ااا أهلا بكي… سيدة ميلر."
لم تنظر المديرة إليها، تكبرها كان واضحا على الجميع، لكن بعد لحظة حولت نظرتها نحوي. عينان ثاقبتان تخترقان روحي قبل جسدي. قالت ببرود:
"ما الأمر؟ لماذا الصراخ؟"
ارتجفت وأنا أحاول الدفاع عن نفسي:
"أنا فقط… أنا آسفة، لقد رأيت كابوسا"
تقدمت بخطوات ثابتة، متأنية، لتقف أمام الفصل كله. لم تبعد نظراتها الثاقبة عني لحظة واحدة. ثم قالت:
"منذ متى أصبح النوم مسموحا في الحصص؟"
حاولت الكلام مجددا، لكنها لم تمنحني فرصة.
ثم أضافت بصوت مرتفع، يملؤه صدى السلطة:
"في هذه الجامعة قوانين… والجميع ملزم بالالتزام بها، وإلا فسيحدث ما لا يُحمد عقباه."
استدارت ببطء نحو الباب، كأنها ملكة تترك محكمة خائفة، وقالت بصوت بارد:
"ستعاقبين الليلة."