الخطيئة المدفونة - كابوس - بقلم حميدان هديل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطيئة المدفونة
المؤلف / الكاتب: حميدان هديل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: كابوس

كابوس

بعد أن رتبت أمتعتي في خزانة صغيرة بعناية—فأنا شخصٌ يهتم كثيرًا بالتنظيم، وتثير الأماكن الفوضوية قلقي—نظرت إليها مبتسمة… قبل أن تمحى الابتسامة سريعا. قلتُ في نفسي، وكأنني أوبّخها: "تبتسمين؟ ما المفرح في هذه المقبرة؟ أظنّ أنه عليّ الاعتياد على المكان، لا خيار أمامي." تنهدتُ ببطء، ثم استدرتُ… لتتّسع عيناي فجأة، وأتراجع بخطواتٍ سريعة إلى الخلف حتى التصقتُ بالخزانة التي أغلقتها للتو. كانت تقف أمامي فتاة. لم أنتبه لوجودها خلفي، لذلك فزعتُ بشدة. بدت غريبة بعض الشيء؛ بشرتها شاحبة، وشعرها أسود طويل منسدل على كتفيها، أمّا عيناها فكانتا  سوداوان على نحوٍ مألوف. "أظنّ أنني أعرف هذه العيون…" قطع شرودي صوتُ الفتاة وهي تبتعد خطوة عني، متجنبةً نظري. ظننتُ أنها انزعجت من تصرّفي غير اللائق، فقلتُ لها بسرعة وبصوتٍ مرتفع: "آسفة، لم أقصد—" قاطعني صوتٌ أنثوي من خلفي: "إلى من تتحدثين؟" استدرتُ بفزعٍ مرة أخرى. "ما هذه التصرفات الصبيانية التي أقوم بها؟ ولماذا أتحدث مع نفسي باستمرار؟" هذا ما وبخت به عقلي الثرثار في سر كانت المتحدثة فتاةً تبدو في مثل عمري، وربما أكبر بسنة أو سنتين لا أكثر. نظرت إليّ باستغراب، فتذكّرتُ ما أردت قوله، وأشرتُ أمامي: "كنت أنظر إلى تلك…" تجمّدتُ. أشرتُ بإصبعي، لكن الممر كان فارغًا تمامًا. "لقد كانت هنا، أقسم لك." قابلتني الفتاة بابتسامةٍ عفوية، ومدّت يدها نحوي: "أنا يارا." بادلتها الابتسامة، ورفعتُ يدي لأصافحها. لا أعرف لماذا، لكنني شعرتُ براحةٍ غريبة لمجرّد لمس يدها. كانت فتاة جميلة؛ شعرها البرتقالي الطويل مموج، والنمش الخفيف يزيّن وجنتيها الحمراوين. سبحان من خلق الإنسان بهذا الجمال. أنزلتُ يدي فجأة، متذكرةً أنني لم أعرّفها بنفسي: "أنا ماريا." ضحكت يارا ضحكةً خفيفة، وكانت كل تصرّفاتها عفوية وغير متصنّعة. قلتُ بابتسامة، محاوِلة كسر الإحراج الذي تسببتُ به لنفسي: "آسفة، لم أعتد المكان بعد… لذلك أنا مشوّشة قليلًا." أمسكت بذراعي وسحبتني معها قائلة: "لا بأس، هذا المكان صعب الاعتياد. تعالي، سأريكِ مكان الإقامة. ستقيمين معنا في الغرفة نفسها، هذا ما قالته السيدة ميلر." تشوّش عقلي فورًا: "أقيم معكم؟ كم عددكم في الغرفة؟ ومن تكون السيدة ميلر؟" أجابتني يارا دون تردد: "هذه الجامعة ليست كباقي الجامعات." صمتت لحظة، ثم أكملت: "نحن لا نقيم شخصين أو ثلاثة في غرفة واحدة. لدينا غرف كبيرة، كل غرفة تضم عددًا كبيرًا من الفتيات. مثلًا، غرفتنا تحتوي على ثمانية أسرّة بطابقين، أي ست عشرة فتاة." ثم أضافت بهدوء: "نحن الآن خمس عشرة، وأنتِ الفرد الجديد." ابتلعتُ ريقي. "أما السيدة ميلر… فهي المديرة. أظنّ أنكِ قابلتها بالفعل." لم أملك فرصة الردّ عليها، إذ دفعت أحد الأبواب الموجودة في الممر، ودخلت هي أولًا، بينما تبعتها أنا بخطوات مترددة. كانت الغرفة كبيرة فعلًا. تضم ثمانية أسرّة بطابقين؛ أربعة أسرّة مصطفّة في صف واحد، تقابلها أربعة أخرى ملتصقة بالجدار المقابل. لكن الغرفة كانت خالية تمامًا من أي شيء آخر… لا مكاتب، لا خزائن، ولا حتى ثلاجة صغيرة. "كميتم مهجور… لا، بل سجنٌ قديم." لم أنتبه أنني قلت ذلك بصوتٍ مسموع، إلا حين ردّت يارا عليّ قائلة: "أظنكِ فتاة مدلّلة… ستعتادين المكان قريبًا." لم أقصد الإهانة أبدًا، ولم أرد الظهور بمظهر الفتاة المدللة، لذلك سارعتُ إلى تصحيح كلماتي: "لم أقصد أنه بشع… أعني فقط تصميم الغرفة وطريقة وضع الأسرّة، لا أكثر." ابتسمت يارا ابتسامة هادئة وقالت: "لا بأس، إنه يومك الأول. كلّنا مررنا بهذه المرحلة." ثم تابعت بنبرةٍ أكثر لطفًا: "أظنكِ متعبة من السفر والطريق الطويل. السيدة ميلر تعتبر اليوم الأول للطلاب الجدد إجازة، لذا استريحي ونامي قليلًا. الدروس تبدأ غدًا… فأنتِ متأخرة بأسبوعين عن الدراسة." أحببت لطف يارا. ولأول مرة منذ دخولي هذا المكان، شعرتُ بأنني قد أكتسب صديقة… شيئًا واحدًا يخفف وطأة هذا المكان المخيف. أخذتني وأرتني سريري؛ كان في الطابق السفلي—لحسن الحظ—فأنا أخاف الأماكن المرتفعة. خرجت هي بعد ذلك، وبقيتُ وحدي. جلست أتأمل الغرفة بصمت. كان الفراش نظيفًا، وعلى غير عادتي لم أغيّره. كنت منهكة إلى درجة أنني استسلمت للنوم فورًا… وجدت نفسي في غابة تملؤها الأشجار الكثيفة. "أين أنا يا إلهي؟" بدأت بالدوران حول نفسي، أحاول العثور على طريق مفتوح، إلى أن رأيت ممرًا مستقيمًا فسرت راكضة نحوه. لا أعلم إن كان الطريق الصحيح، لكن لا خيار أمامي، فهو الطريق الوحيد. استمررت بالركض والركض في ذلك الممر، كان الظلام دامسًا، لا أستطيع رؤية يدي. كنت أركض بقوة، والدموع تنهمر كالشلال من عينيّ… أيمكن أن يكون هذا حلمًا؟ مستحيل. كنت أشم رائحة الغابة والأشجار، وأشعر بنسمات الهواء وصلابة الأرض تحت قدميّ. فجأة رأيت نورًا من بعيد، ركضت نحوه حتى وجدت نفسي في الباحة الخلفية للجامعة. لمحت غرابًا يقف على إحدى الأشجار، كان يصدر صوتًا مزعجًا، ثم طار دون سابق إنذار. تتبعته بعينيّ وهو يبتعد، ثم استدرت لأبحث عن طريقي. وفجأة شعرت بقوة تدفعني إلى الخلف، ويد تقبض بقسوة على رقبتي… إنها الفتاة نفسها التي رأيتها عند النافذة. لن أنسى عينيها بلا بياض، ولا شعرها الأسود الطويل، ولا بشرتها الشاحبة. رفعتني من رقبتي إلى الأعلى، كنت أختنق، كادت أنفاسي تتوقف. أمسكت بيدها محاوِلة فكها، لكنها صعدت بي فوق الجامعة حتى أصبحت في الهواء. سمعت صوتًا يأتي من العدم، صوتًا هادئًا أنثويًا: "ماريا… ماريا، استيقظي." فتحت عينيّ وجلست بفزع، ألهث محاوِلة التقاط أنفاسي، وأنا أمسك برقبتي بهلع. ما زلت أشعر بآثار يديها علي "إنه مجرد كابوس… اهدئي." رفعت رأسي لأرى يارا تقف فوق رأسي مباشرة، تمسح على شعري محاوِلة تهدئتي. لم أنتبه لوجودها إلا الآن، ولم أنتبه أيضًا لبقية الفتيات من حولي، وهن يحاولن فهم ما أصابني. نطقت إحدى الفتيات، كانت شقراء جميلة، ملامحها تبعث الهدوء: "هل أنتِ بخير؟" هززت رأسي بالإيجاب وقلت: "لا تقلقن، أظنني رأيت كابوسًا لا أكثر." فجأة تكلمت فتاة أخرى، كانت ذات ملامح داكنة، وكأن كل فتاة هنا تنتمي إلى مكان مختلف عن الأخرى: "ستعتادين الأمر." "أعتاد ماذا؟" قاطعتها يارا قائلة: "هذا يكفي يا يسرى، مرت ماريا بيوم صعب بالفعل، لا تزعجيها بحكاياتك عن الأشباح والكوابيس." استغربت من نبرة يارا غير المهذبة، هذا لا يشبهها. "لحظة… أشباح؟ أي أشباح وأي كوابيس؟" همّت يارا بالشرح قائلة: "يسرى دائمًا ما تخيف المقيمات الجديدات بقصصها عن الأشباح، إنها مهووسة بهم، لا تستمعي إليها." صرخت يسرى في وجهها: "أنا لست مهووسة ولا مجنونة! أنا أراهم… أراها كل يوم! لماذا لا يصدقني أحد؟!"