ما تبقى من المقيمات
"أهلا بك يا سيد هاشم... تأخرتما عن الموعد."
تقدمت نحونا، ومدّت يدها لتصافح والدي.
تجمّد والدي، ونظر إلى يدها المعلّقة في الهواء دون أن يرد السلام.
سحبتُ ذراعه بخفة ليستفيق، فانتبه أخيرًا، وابتسم ابتسامة باهتة، ثم صافحها قائلًا:
"شكرًا، حضرت المديرة."
كان والدي أخبرني أنه يعرفها شخصيًا، لكن من الواضح أن الأمر ليس كما ظننت.
صمت والدي لحظة، ثم قال بنبرة متماسكة:
"أظن أنني أطالب بتفسير عمّا حدث منذ قليل."
انطلقت من المديرة قهقهة خافتة، وضعت يدها على فمها وكأنها تخفي ضحكة غير لائقة، ثم قالت:
"أنت ككل الأولياء… الأمر مجرد سوء تفاهم. هذه طريقت طلابنا في الترحيب بالضيوف كما تعلم مراهقون. وغموض ألفرد يزيد من قوة المشهد.»
ثم أشارت إلى الأريكة:
"تفضلوا بالجلوس."
عندها فقط انتبهت إلى الغرفة.
مكتب ضخم قديم الطراز، أقرب إلى العصر الفيكتوري، تصميمه خلاب، تتوسطه أريكتان أمامه في تناظرٍ مثالي.
الكرسي خلف المكتب كان يخص المديرة بلا شك… وكان يليق بها تمامًا.
رفعت رأسي أتأمل المكان.
لوحات فنية معلّقة بعناية على الجدران، نباتات خضراء تزين الزوايا، نافذة خلف المكتب ينبعث منها نور خافت يضفي على الغرفة هالة غريبة…
وتماثيل صغيرة موزعة في كل مكان، على المكتب وعند الجدار، كأنها تراقب الداخلين بصمت.
جلست مقابل والدي.
أخيرًا، ترك معصمي… وكان قد احمرّ بشدة.
لكن ما حدث بعد ذلك جعلني أندم على تحرّر يده في تلك اللحظة.
جلست المديرة على كرسيها، فتحت أحد الأدراج، وأخرجت ملفًا قديمًا.
بدأت تقلب صفحاته ببطء، ثم دفعته نحو والدي، وأشارت إلى مكانٍ فارغ في ورقة ممتلئة بالكتابة.
لم أعلم ما طبيعة تلك الورقة…
لكن ما أثار رعبي حقًا كان والدي.
التقط قلمًا من فوق المكتب، وبلا تردد…
بدأ يوقّع.
بسرعة غير طبيعية، كأن يده لم تنتظر إذنه.
كأنه كان يفعل هذا منذ سنوات.
همستُ بذعر:
"أبي… ماذا تفعل؟"
لكنّه لم يجب.
رفعت المديرة عينيها نحوي، وابتسمت.
ابتسامة أدركتُ في تلك اللحظة معناها جيدًا…
أن هذه الجامعة مؤامرة، وقّعتُ على رأسي دون أن أدري.
وضع والدي القلم جانبًا.
كنت أراقب كل حركة منه، كل نفس، كل ارتعاشة خفية في يده.
عندها نطقت المديرة، وهي تنظر إليّ مباشرة:
"أصبحتِ رسميًا جزءًا من جامعتنا، يا آنسة ماريا."
أدرتُ وجهي المتجهم بسرعة نحو والدي.
هل حقًا قبل أن يتركني في هذا المكان؟
اجتاحني إحساس ثقيل… إحساس بأن كل خذلان العالم سقط عليّ دفعة واحدة.
لكن… والدي كان لا يزال أمامي.
لم يتركني بعد.
من قال إنه سيسلّمني لعالم الجن هذا؟
وقف من على الأريكة، لكنه تجنّب النظر في عيني تمامًا.
قال ورأسه منكّس نحو الأرض:
"حضرة المديرة… هل لي بفرصة لوداع ابنتي على انفراد؟"
وقبل أن تجيب المديرة، انفجرتُ.
نعم… صرخت.
صرخة خرجت من أعماقي، في وجه والدي مباشرة:
"أحقًا بهذه البساطة؟"
اختنق صوتي للحظات، وسمحتُ لدموعي أن تنهمر لتحفر طريقها على وجنتي:
"هل صدّقتَ فعلًا أن ما حدث معنا هنا مجرد أفعال طلاب؟ بهذه السهولة؟"
اقتربت خطوة، وصوتي يرتجف:
"هل كنتُ عبئًا عليك إلى درجة أنك أردت التخلّص مني بأي طريقة؟"
ثم همستُ كطعنة:
"واخترتَ هذه الجامعة؟"
رفع والدي عينيه نحوي.
كانتا ممتلئتين بالدموع.
والدي… يبكي.
للمرة الأولى في حياتي.
حتى عند موت أمي، لم أرَ دمعة واحدة في عينيه.
كانت تلك المرة الأولى… والأخيرة.
لكنني لم أكن أعلم ذلك حينها.
أخيرًا نطق، بكلمات متقطعة وصوت مبحوح، وهو يحاول عبثًا كبح دموعه:
"لم تكوني يومًا عبئًا عليّ…"
"أنتِ الشيء الجميل الوحيد الذي يجعلني أقاوم مصاعب هذه الحياة."
ثم انكسرت نبرته:
"آسف… يا حبيبتي."
التفتُّ نحو الباب المفتوح…
ذلك الباب الذي خرج منه والدي لتوّه.
نعم…
الآن لم يعد موجودًا.
الآن فقط، تخلى عني رسميًا.
لم أستطع إيقاف دموعي.
لا أعلم عمّن كنت أبكي…
عن نفسي؟
عن والدي العاجز؟
عن هذه المديرة الغريبة؟
عن ألفرد؟
أم عن هذا المكان الذي أصبح…مقبرتي.
أقصد… منزلي.