ضلمة النفق
تسارعت خربشات السقف فجأة، وبدأت الأصوات تقترب منا، كأن شيئًا ما يزحف فوقنا، يجرّ جسده على الخشب ببطءٍ متعمد، صوته كأنينٍ يخترق العظام.
صرخت صرخة مرتجفة وأنا أقول:
"ماذا يوجد هناك؟!"
فأجاب ألفرد وهو يحدق في الفراغ أمامه:
"إحدى التجارب... التي لم تكتمل"
ثم رفع يده نحو الجدار الأيمن، وطرق عليه ثلاث مرات ببطءٍ... لتفتح فجأة فتحة مظلمة داخل الحائط، كأن الجدار نفسه ابتلع قطعة منه.
نظر إلينا قائلاً بصوتٍ لا يحمل أي عاطفة:
"ادخلا... بسرعة."
تردّد أبي للحظة، لكن نظرة ألفرد الجامدة جعلته يندفع ممسكًا بمعصمي نحو الفتحة، بينما بدأ السقف يهتزّ بعنفٍ فوقنا، وصوت الصراخ القادم من الأعلى يتصاعد تدريجيًا... صراخ أنثويّ مشوّه، مليء بالغضب، وكأن روحًا غاضبة استيقظت للتو من سباتها.
دخلنا الحفرة المظلمة، وبمجرد دخولنا، تبعنا ألفرد مسرعًا وأغلق الفتحة خلفنا بإحكام.
لكن قبل أن تنطبق تمامًا، انبعث من الأعلى صوتٌ أنثويّ غامض، كأنه يتسلل من بين الجدران...
صوت مبحوح متقطع، يختلط فيه الألم بالرجاء، همس بالكلمات كأنها أنينٌ من عالمٍ آخر:
"أنقذوني... لقد قتلوها..."
تجمد أبي في مكانه، بينما شهقت بخوفٍ مرتجف، وبدأت أبحث بعيني عن مصدر الصوت، لكن الظلام كان مطبقًا كقبرٍ مغلق.
حبست الأنفاس، وعمّ الصمت والظلام المكان.
لم يُسمع سوى صوت السكون المخيف... سكون ما قبل العاصفة.
"م.. م.. ما كان هذا؟ ماذا كان ذلك الشيء الذي لحقنا؟"
أخرج ألفرد من جيبه مصباحًا يدويًا صغيرًا، أشعله بهدوء وبدأ بالتقدّم دون أن ينبس بكلمة.
نفد صبر أبي فقال بصوت مرتجف لكنه حادّ:
"ألم تسمعني؟ لقد سألتك!"
توقّف ألفرد عن السير، ووقف ساكنًا في مكانه لعشر ثوانٍ تقريبًا.
ثم فجأة، أدخل يده في جيبه وأخرج علبة سجائر، أخذ منها واحدة ووضعها بين شفتيه، ثم أعاد العلبة إلى جيبه.
أخرج ولاعة، أشعل النار، وقربها من السيجارة الممسك بها.
غطّى النار بيده كي لا تنطفئ بسبب التيار الهوائي الغامض الذي لم يُعرف مصدره.
أغلق الولاعة وأعادها إلى جيبه.
سحب نفسًا عميقًا من السيجارة، ثم أخرجها من فمه وهو يزفر الدخان بهدوء مخيف
ما أصابنا بالذهول من بروده الغريب، ليقطع شرودنا صوت ألفرد الهادئ وهو يقول:
"المديرة ستشرح كل شيء... اتبعاني."
سرنا خلف ألفرد بخطواتٍ حذرة، يتردّد صدى أقدامنا في المكان كأن النفق نفسه يردّ علينا بنبضٍ خافت.
لم يكن هناك أي ضوء سوى ذاك الصادر من مصباح ألفرد اليدوي، يترنّح شعاعه بين الصخور الرطبة التي تلمع أحيانًا كأنها تتنفس.
الهواء باردٌ وثقيل، يحمل رائحة ترابٍ قديم وماءٍ فاسد، وصوت قطراتٍ متساقطة من السقف يملأ الفراغ بصدى متقطع يوحي بأننا لسنا وحدنا،
كانت الجدران ملساء في أماكن وخشنة في أخرى، تنبت بينها جذور ملتوية كأنها أذرع تحاول الخروج من باطن الأرض.
ارتجفت بخوف، وشددت على ذراع والدي حين مرّ الضوء على شقٍ ضيق بدا كفمٍ مفتوح في الصخر.
قال ألفرد بصوتٍ منخفض دون أن يلتفت:
"لا تتوقفا... مهما حدث، لا تتوقفا."
واصلنا السير والظلام يزداد كثافة خلفنا، كأن الكهف يغلق فمه شيئًا فشيئًا.
حتى ظهرت في نهاية الممر بوابة حديدية مائلة، نصفها مدفون في الصخر، يعلوها صدأ أسود وخدوش غريبة ملتوية الشكل، كأن شيئًا حاول الخروج منها ذات يوم.
اقترب ألفرد ببطء، مدّ يده إلى المقبض البارد الذي التصق بيده من شدّة الرطوبة، ثم فتح الباب بصريرٍ طويل مزّق صمت المكان.
انفتح الباب على ممر قصير محفور في الصخر يقود إلى درج حجريٍّ ضيّق يلتف صعودًا نحو الأعلى، وكل خطوة عليه تصدر أنينًا مكتومًا كأن الحجر نفسه يئنّ.
في الأعلى، ظهر باب خشبي عتيق متآكل الحواف، تعلوه لافتة نحاسية باهتة كتب عليها بخطٍّ بالكاد يُقرأ:
"مكتب المديرة"
رفع ألفرد المصباح ببطء، فانعكس الضوء على اللافتة القديمة، ثم قال بنبرةٍ غامضة خافتة:
"من هنا تبدأ الحقيقة..."
وصل ألفرد إلى قمة الدرج، نتبعه أنا ووالدي الفتاة بخطواتٍ مترددة.
وقف أمام الباب الخشبي العتيق، ووضع يده على المقبض البارد قائلًا بصوتٍ منخفضٍ لكنه حازم:
"انتهت مهمتي هنا... أكملوا وحدكم."
نظرت إليه بعينين متسعتين من الخوف، وقلت بنبرةٍ متسائلةٍ أقرب إلى الرجاء:
"ألن تدخل معنا؟"
لكن ألفرد، كعادته، تجاهل سؤالي تمامًا.
اكتفى بشدّ الباب ببطء، فصدر عنه صريرٌ عميقٌ ارتجف له الجدار الحجري من حولهم،
فتح الباب ليكشف عن غرفة واسعة يغمرها ضوء أصفر خافت، في واجهتها مكتب ضخم من الخشب المعتّق يتقدّمه أريكتان لضيوف للضيوف. كان المكان يعبق برائحة الماضي،
"وصلتما أخيرًا..."
استدارنا في فزعٍ ليتّضح أمامنا شخصٌ خرج من الظلّ بخطواتٍ هادئة. ظهرت امرأة في الستين من عمرها تقريبًا… لكنها كانت جميلة على نحوٍ مقلق، وكأن الزمن لم يتمكن منها تمامًا.
تجاعيد خفيفة أحاطت بعينيها وفمها، لكنها لم تنتقص من جمالها شيئًا.
كانت طويلة القامة، ترتدي كعبًا عاليًا وتنورة تتجاوز ركبتيها، وشعرها الأسود مصفف إلى الخلف بإحكام، تتخلله خصلات رمادية زادته وقارًا.
"أهلاً بك يا سيد هاشم... تأخّرتما عن الموعد."