الخطيئة المدفونة - الممر الملعون - بقلم حميدان هديل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطيئة المدفونة
المؤلف / الكاتب: حميدان هديل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الممر الملعون

الممر الملعون

فتح الباب الحديدي بصوتٍ حادٍّ مزّق صمت المطر، كأن أحدهم أيقظ المكان من سباته. تساقطت قطرات المطر على الأرض الإسمنتية الباردة، لتختلط ببقع داكنة... لم تكن كلّها ماءً. عبرتُ البوابة مع والدي، لكن ما إن وطأت قدماي أرض الجامعة، حتى خُيّل إليّ أن الهواء صار أثقل، وأن الجدران من حولنا تتنفس بصمتٍ خفيّ. شعرتُ بشيء غريب... كأن المكان يراقبنا، وكأن كل خطوة نخطوها تُقاس بصبرٍ قاتل. قلتُ بصوتٍ خافت: «أبي... هل تشمّ هذه الرائحة؟» نظر إليّ باستغراب: «رائحة ماذا؟» «كأنها... رائحة تعفّن لحم!» تنهد وقال محاولًا طمأنتي: «أنتِ فقط تتوهمين، لا تقلقي... ستعتادين المكان قريبًا.» كنت أعلم جيدًا أنه يشمّها... لكنه كان يحاول ألّا يُخيفني. خفضتُ رأسي، وشعورٌ غريب بالذنب ينهشني، كأنني ألومه - أو ألوم القدر - على ما سيحدث لاحقًا. أمسك بيدي برفق، وتقدمنا ببطء داخل الساحة. كل خطوة كانت تُصدر صدىً يشبه أنين الأرض تحت أقدامنا... كأن المكان كله يتنفس بثقل، يهمس لنا بالعودة. كانت الساحة واسعة بشكلٍ غير مريح. أشجارٌ ضخمة تلوح في الظلام كظلالٍ بشرية، جذوعها ملتوية، وأغصانها تمتدّ نحو السماء كأذرعٍ تستغيث أما الجامعة... فكانت رمادية، باهتة، قاتمة... أقرب إلى مقبرةٍ منها إلى مكانٍ للحياة. تمتمتُ: «أبي... أأنت متأكد أن هذا هو العنوان الصحيح؟» أجابني بنبرة ضيقٍ واضحة: «ماريا، كُفّي عن هذا. تحدثنا في الأمر مرارًا... هذا يكفي.» لم أرد. أغمضتُ عينيّ محاوِلةً حبس دموعي. كانت تلك أول مرة أسمع فيها نبرة الغضب في صوته... وكأن لعنة المكان بدأت تتسلل بيننا بهدوء. اقتربنا من بوابةٍ سوداء ضخمة، متآكلة الأطراف، وكأنها صمدت أمام الزمن والعواصف. دقّ والدي عليها، فتردد الصوت داخل الممرات كأن الجدران تجاوبت بأنينٍ عميق. قبل أن يُفتح الباب، سمعتُ من الداخل خطواتٍ بطيئة... شخصٌ ما كان يقترب. شعرت أنا وأبي بالريبة تتسرب إلى أعصابنا... كأن الظلال نفسها تتحرك خلفنا. فُتح الباب ببطء، وظهر رجلٌ طويل القامة، نحيل، منحنٍ قليلًا، كأن السنين أثقلت ظهره. عيناه غائرتان، وملامحه حادّة تذكّر بوجه غرابٍ يترقب فريسته. تنحّى جانبًا دون أن ينطق بكلمة. نظراته كانت تقول بوضوح: هذا المكان لا يرحّب بأحد. تقدّم أبي، وسحبني خلفه. مدّ يده مصافحًا: "مرحبًا، نحن-" لكن كلماته تلاشت. الرجل لم يتحرك. ظلّ ينظر إلى يد أبي الممدودة، ثم صافحه ببطءٍ غريب. قال بصوتٍ أجشّ مبحوح: «تفضّلا... المديرة في انتظاركما.» سرنا خلفه في صمتٍ ثقيل. الممر طويل... أطول مما يجب. شعرتُ بأن خطواتنا تبتلعها الجدران، وكأن المكان كله يراقبنا. المصابيح تتأرجح، والظلال ترتعش على الجدران ككائنات تتسلل بصمت خلفنا. على الجانبين، لوحات... وجوه فتيات فقط. أعين مقتلعة، أفواه مفتوحة في صراخٍ أبكم. لا وجه واحد لرجل. أحسست بإرتجافة والدي وهو يلمح الخوف يتسلل إلى ملامحي. حاول كسر الصمت وسأل الرجل بصوتٍ متردد يخترقه الصدى: "أتعلم إلى أين نحن ذاهبون؟" أومأ الرجل برأسه دون أن يتكلم. تابع السير بخطواتٍ هادئة... ثقيلة... منتظمة كدقات ساعة تُحصي الوقت الباقي قبل الكارثة. تلعثم أبي قليلًا قبل أن يسأل مجددًا: «وما اسمك؟ كي أتذكرك لاحقًا.» توقف الرجل لثوانٍ، ثم رفع رأسه ببطءٍ مريب، وقال بصوتٍ أجوف: «اسمي ألفرد... لكن لا تقلق، لن تحتاج إليه... فلن تراني مجددًا.» ساد صمتٌ غريب، تلاه صدى كلماته وهو يتلاشى في الممر كأن الجدران نفسها تردده. رمقه والدي بنظراتٍ متسائلة، فأضاف ألفرد دون أن يلتفت، وبنبرةٍ باردة: "لن تراني مجددًا... لأنك لن تعود أبدًا." تجمد الدم في عروقي. وفجأة، مرّ ظلٌّ خلفنا... كطيفٍ أسود اندفع عبر الممر ثم اختفى. استدارنا بخوفٍ... لا شيء. واصل ألفرد السير. ومن السقف، بدأت قطرات داكنة تتساقط. قلتُ مرتجفة: "أظنه المطر..." فأجاب بصوتٍ جليدي: "المشكلة ليست في المطر... هناك طابقٌ آخر... فوق هذا الطابق." لم يجب ألفرد. توقف فجأة، ثم أدار رأسه ببطءٍ شديد نحونا، حتى بدت حركته غير بشرية. كانت عيناه في الظلّ، لكن بريقًا خافتًا ارتسم فيهما للحظة، بريقًا رماديًا باردًا يشبه لون الموت. ثم همس بنبرةٍ بالكاد تُسمع: «ليس كل ما فوقك... حيًّا.» فجأة... دوّى صوتٌ عالٍ من الأعلى... كأن شيئًا ثقيلًا سقط على الأرض مباشرة فوقنا. ارتجف السقف، وتناثرت بعض ذرات الغبار، تبعتها خربشات خافتة... ثم خطوات، خطوات بطيئة تسير فوق رؤوسنا. تراجعت خطوة إلى الوراء وأنا أتمسك بذراع والدي: «أبي... هناك أحد فوقنا!» لكن ألفرد لم يلتفت. تابع السير، صوته الجاف يخترق الظلام: «تابعاني... لا ترفعا رأسيكما أبدًا.» لكن الفضول الغريزي غلبني، رفعت بصري بسرعة نحو الأعلى. كانت هناك فجوة صغيرة في السقف، وكأنها تصدّع من ثقل ما. من خلالها، لمحت عينًا واحدة... عين أنثوية واسعة تحدق بوالدي بثباتٍ غير طبيعي، متسعة لدرجةٍ مرعبة، لا رمش فيها ولا حياة، فقط نظرة جامدة... وكأنها تنتظر منذ زمن. ثم، فجأة، غيّرت وجهة نظرها باتجاهي... كانت نفس العيون من خلف الزجاج. في لحظة خوف، أنزلت رأسي، وجسدي كله يرتجف. سحبت يد والدي وأشرت له أن يرفع رأسه. تراجع والدي مذعورًا، وصاح بصوتٍ خافت: "يا إلهي...!" لكن في تلك اللحظة، انحنى ألفرد فجأة، ووضع إصبعه على شفتيه مشيرًا لنا بالصمت، ثم قال بهدوءٍ مميت: "لقد انتبهت لنا... لا تتحركوا."