الخطيئة المدفونة - العينان خلف الزجاج - بقلم حميدان هديل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطيئة المدفونة
المؤلف / الكاتب: حميدان هديل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: العينان خلف الزجاج

العينان خلف الزجاج

لم يكن ذلك اليوم كغيره من الأيام... سماء ملبّدة، غيوم ثقيلة، ومطر يهطل بغزارة كأن السماء تبكي. كانت أصوات الرعد تتلاحق فوق رأسي وهمسات الرياح تشقّ الطريق أمامي كتحذيرٍ خافت: لا تذهبي... لا تذهبي. جلست في المقعد الخلفي للسيارة، أحدّق عبر الزجاج المبتلّ بنظرةٍ متعبة، كلّما مسحت الضباب بيدي، عاد ليتكوّن من جديد... كأن الزجاج يرفض أن يُريني الطريق. كان كل شيء حولي رماديًّا، حتى انعكاس وجهي بدا غريبًا، كأن شخصًا آخر يحدق بي من الجهة الأخرى. كلما اقتربت السيارة من الإقامة الجامعية، كان قلبي ينقبض أكثر. قالت بصوتٍ مبحوح بيننا إرتفعت أصابعي لتمسح دموعي "أبي، أرجوك... لا أريد الذهاب إلى إقامة مجهولة. معدّلي عالٍ، كان يفترض أن أدرس في جامعة مرموقة مع صديقاتي..." أوقف والدي السيارة على جانب الطريق ثم التفت نحوي، وفي صوته نبرة حزنٍ أثقلها العجز: "أنتِ تعرفين ظروفي يا ماريا... كل ما أملك أنفقته على عامكِ الأخير من المدرسة. أرجوكِ تفهّمي، هذا أفضل ما استطعت توفيره لكِ الآن." صمت لبرهة، ثم مدّ يده يمسح دموعي المنهمرة على وجنتيّ، وقال بصوتٍ دافئ: "أعدك... أعدك أن أغيّر لكِ الجامعة حالما أستطيع جمع بعض المال." رفعت رأسي نحوه بعينين دامعتين، وسألته بصوتٍ مخنوق: "أأنت تعدني حقًا؟" قال وهو يشيح بنظره نحو الطريق الموحل: "متى خذلتكِ يومًا؟" لكن ما لم أعلمه أن هذا الوعد... سيكون آخر وعدٍ أسمعه منه. التفت أبي نحو الطريق مجددًا، زفر تنهيدة ثقيلة ثم أدار مفتاح السيارة. لكن المحرك رفض أن يشتعل. صوت المطر يزداد، والرعد يقترب، والظلام يبتلع الطريق شيئًا فشيئًا. أعاد المحاولة، مرة... مرتين... لا شيء. صوت الصمت كان أعلى من المطر. كأن السيارة قررت العصيان، وكأنها تحذرنا بطريقتها: لا تذهبوا. نزل أبي من السيارة على عجل، والمطر يلسع وجهه كإبرٍ باردة. فتح الغطاء الأمامي وتفقد الأسلاك والمحرّك بسرعة، وكأنّه يبحث عن خللٍ واضح توقّف لثوانٍ، ورفع رأسه نحو الغابة، ثم أنزل نظره فجأة. عاد إلى السيارة بسرعة غير معتادة، وأغلق الباب خلفه بإحكام. لاحظتُ يده ترتجف قليلًا وهو يدير المفتاح، فشدّ قبضته عليها كأنّه يحاول السيطرة عليها التفت إلي بابتسامة باهتة وقال: "كل شيء بخير، لا تقلقي." ثم أدار المفتاح مجددًا... والمفاجأة أن المحرك اشتغل فورًا. تبادلنا نظرة قصيرة قطعها صوته وهو يقول بخفوت: "هذا... غريب." سألته بقلق: "ما الغريب يا أبي؟" ابتسم مجددًا وقال بصوتٍ مرتجف قليلًا: "لا شيء عزيزتي... لنكمل طريقنا." انطلقت السيارة مجددًا وسط المطر، لكن شيئًا ما تغيّر. الهواء صار أثقل، والموسيقى التي كانت تُبث في المذياع تحولت إلى تشويشٍ مزعج. كانت كل ثانية تقطعها السيارة نحو الإقامة تُشبه خطوة نحو المجهول. ازداد الانقباض في صدري، وكما بدا على وجه والدي أنه لم يكن أفضل مني حالا كأن كيانًا خفيًا يدفعنا للعودة إلى الوراء. أشار أبي بيده نحو البعيد قائلًا: >"هاهي الجامعة، أترينها؟" رفعت رأسي ببطء لأنظر عبر الزجاج. خلف الضباب، ظهر مبنى رمادي ضخم، نوافذه مظلمة كعيونٍ مطفأة، وسياجه الحديدي يشبه بوابة مقبرة أكثر من مدخل جامعة يشبه أكثر ما يشبه تابوتًا عالقًا وسط المطر. دبّ الخوف في قلبي، وبدأت ضرباته تتسارع كطبول حرب. ابتلعت ريقي بصعوبة وهمست: "أتقصد... ذلك المبنى الرمادي؟ أم أن هناك غيره؟" ضحك والدي بخفة مصطنعة محاولًا كسر التوتر الذي أصابني: "آه يا ماريا، كم مرة قلت لكِ لا تحكمي على الكتاب من غلافه؟ صحيح أن المبنى قديم بعض الشيء، لكن لا تقلقي، فيه أفضل الأساتذة، ثم إنني أعرف المديرة هناك، امرأة محترمة جدًا." لم أجبه، فقط نظرت من النافذة بصمت. كلامه لم يخفف من قلقي... بل زاده سوءًا. شيء ما في قلبي يصرخ بأن هذه الوجهة ليست آمنة. توقفت السيارة أخيرًا أمام بابٍ حديدي أسود ضخم، تعلوه طبقات من الصدأ وأرقام باهتة بالكاد تُقرأ. نزل أبي حاملاً مظلته السوداء، وفتح الباب لـي كي أنزل تشاركنا مظلة واحدة، المطر يضرب أطرافها بقوة، والرعد يدوّي في السماء. رفعت رأسي نحو المبنى. نوافذه كانت مظلمة، زجاجها كأنما طُلي بالسواد. لكن نافذة واحدة فقط... كانت مختلفة. شعرت ببرودة تسري في أطرافي... لكن قبل أن أبعد نظراتي - ظهرت هناك خلف الزجاج فتاة بشعرٍ أسود طويل، رأسها منحنٍ نحو الأرض، ملامحها مخفية تمامًا خلف خصال شعرها المنسدلة، وجسدها ساكن لا يتحرك. ثم... في ومضة برق، رفعت الفتاة رأسها فجأة. وجهها شاحب كالشمع، وعينان سوداوان بالكامل بلا أي بياض، كأنهما ثقب أسود يبتلع كل ما حوله. تراجعت خطوة إلى الوراء، والبرق دوّى في السماء كإعلان لبداية شيء لم يكن من المفترض أن يبدأ أبدًا. تشبّثت بكم والدي، ودفنت وجهي خلف ظهره. استدار أبي إلي، أمسك يَدَيَّ المرتجفتين، وقال بقلق: "ما بكِ، ماريا؟ ماذا حصل؟" رفعت يدي المرتجفة ببطء وأشارت نحو النافذة بصوتٍ متقطع: "أبي... هناك فتاة... إنها هناك!" رفع والدي رأسه نحو النافذة بعينين متفحصتين، لكن... لم يكن هناك أحد. اختفى كل شيء كما لو أن الظلام ابتلع تلك اللحظة. قال بنبرة مطمئنة: "ما الأمر يا ماريا؟ لا يوجد أحد هناك." رفعت نظراتي ببطء نحو النافذة مجددًا، لتتسع عيناي في ذهولٍ صامت: "أبي... أقسم أن فتاة كانت تقف هناك! شعرها أسود طويل... كانت تنظر إليّ!" تنهد بضيق، ثم قال بصوتٍ متعب: "ماريا، ما بكِ اليوم؟ أعلم أنك لا ترغبين في الدراسة هنا، لكننا تحدثنا في الأمر. لا داعي لاختلاق القصص... ثم، حتى لو كانت هناك فتاة عند النافذة، فما الغريب في ذلك؟" همست بصوتٍ خافتٍ ومرتجف: "أبي... أرجوك، صدّقني..." لكنه قاطعني وهو ينظر إلى السماء الملبدة بالغيوم: "لقد تأخرنا، يجب أن أدخلك الآن ثم أعود، قبل أن تظلم السماء أكثر." رفعت رأسي مرة أخيرة إلى النافذة... لكن لم يكن هناك سوى ظلامٍ كثيفٍ يُخفي ما وراء الزجاج، كأن النافذة نفسها ابتلعت كل أثرٍ للحياة فيها. ومع ذلك، وقبل أن أشيح بناضري عنها، خُيِّل إلي أن شيئًا في العتمة تحرّك... كأن عينين كانتا تُراقبانني بصمتٍ من خلف الزجاج. لم أكن أعلم أن تلك النظرة كانت البداية فقط... فبعضُ الأبواب لا تُفتح نحو المستقبل، بل نحو الجحيم نفسه.