الفصل الثامن : نبض الخنجر الأسود
ما أمداها نورة تفوق من إغمائها وتفتح عيونها على صدر صخر، إلا وصوت "حوافر الخيل" يرج قاع الوادي رجّ. ريحة بخور غريبة بدأت تنتشر، بخور عفن ما هو من ريحة طيب الوادي، عرف صخر فوراً إنها "تمائم" سحرة البشر اللي تدلهم على أماكن الجن.
"قومي يا نورة.. قومي يا حامية الوادي،" همس صخر وهو يشد على يدها ويوقفها وراه. "الذيابة وصلوا، وما جاوا بسلام.. جاوا ومعهم غلّ السنين."
نظرت نورة لجهة مدخل الوادي، وشافت الغبار يثور، وطلعوا لها رجال قريتها يتقدمهم "الشيخ عساف" على فرسه الشقراء، وبيده سيف يلمع تحت ضوء القمر الأرجواني. كان عساف يصيح بأعلى صوته: "يا أهل القرية! لا يهيبونكم الشياطين! نورة هناك، جيبوها حية أو ميتة، طهروا شرفكم من اللي عاشرت الجن!"
نورة حست برعب في البداية، بس فجأة.. الخنجر اللي بيدها بدأ "يدفى". العروق اللي في يدها بدت تتلون بالأسود، وحست بكهرباء تسري في جسمها كله. ما عادت تشوف عساف ورجاله كـ "أهل"، صارت تشوفهم كـ "ظلام" يبون يكسرون حريتها.
صخر تقدم خطوتين وطلع صوته كأنه رعد مزمجر: "يا بشر! ارجعوا من حيث جيتوا! الوادي هذا محرم على كل من في قلبه غدر. نورة تحت حمايتي، ومن قرب منها ماله إلا الموت!"
ضحك عساف بـ غطرسة ورفع تميمة بيده: "حمايتك بلّها واشرب مويتها يا جني! معي سحر يخليك رماد قبل ما تلمسنا!" ورمى التميمة باتجاه صخر. أول ما لمست الأرض، طلع منها ضوء أزرق حرق العشب ووجّع صخر اللي تراجع وهو يمسك كتفه بتألم.
هنا نورة ما قدرت تمسك نفسها. شافت صخر ينصاب عشانها، والغل اللي في قلبها انفجر. "تبون نورة؟" صرخت بصوت هز أرجاء المكان، وصار الخنجر يفيض منه سواد كأنه حبر. "تعالوا خذوها لو فيكم رجال!"
فزت نورة باتجاه الخيل، وبسرعة ما هي بشرية، بدت تراوغهم. الخنجر كان يرشدها، كأنها تعرف حركاتهم قبل يسوونها. وبلمحة بصر، كانت واقفة قدام فرس عساف، وعيونها الرمادية تشتعل تحدي.