الفصل 42
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
كان الليل ما يزال ثقيلاً فوق القصر.
الساعة تجاوزت الثالثة فجراً، والصمت يلف الممرات الطويلة كستارٍ من الظلال.
في الغرفة…
كانت سابين نائمة أخيراً، جسدها ساكن تحت الغطاء، وأنفاسها أهدأ قليلاً، لكن الحرارة ما تزال تشتعل في جبينها.
جلس ريكاردو على الكرسي قرب السرير.
لم يغادر.
كان مرفقاه مستندان إلى ركبتيه، ويداه متشابكتان أمامه بينما عيناه مثبتتان عليها بصمتٍ عميق.
لم يكن معتاداً على السهر بجانب أحد.
ولم يكن معتاداً على القلق أيضاً.
لكن شيئاً ما في منظرها الآن… وهي ضعيفة إلى هذا الحد… كان يزعجه بطريقة لم يفهمها.
مد يده أخيراً ووضع كفه على جبينها.
ما تزال ساخنة.
قطّب حاجبيه قليلاً.
همس بصوت منخفض كأنه يوبخها:
— عنيدة… حتى جسدك يرفض أن يهدأ.
في تلك اللحظة تحركت قليلاً.
تململت فوق الوسادة، ثم تمتمت بكلمات غير واضحة.
اقترب أكثر دون أن يشعر.
— ماذا؟
همست بصوتٍ متعب، بالكاد يُسمع:
— الماء…
نهض فوراً.
سكب ماءً في الكأس القريب، ثم عاد وجلس بجانبها.
رفعها قليلاً بين ذراعيه ليساعدها على الشرب.
كانت نصف نائمة، رأسها يستند إلى صدره بينما يرفع الكأس إلى شفتيها.
شربت رشفة صغيرة… ثم أخرى.
لكن فجأة توقفت.
فتحت عينيها ببطء.
كانت نظرتها ضبابية من الحمى، لكنها استطاعت أن تميّز ملامحه أخيراً.
حدّقت فيه لحظة…
ثم همست بضعف:
— لماذا… أنت هنا…؟
نظر إليها بلا تعبير.
— لأنك على وشك الموت.
عبست قليلاً رغم تعبها.
— كاذب…
رفع حاجبه ببرود.
— حقاً؟
تنفست ببطء، ثم تمتمت:
— لو كنت أموت… لكنت سعيداً…
صمت للحظة.
ثم قال بنبرة منخفضة مظلمة:
— من قال إنني سأسمح لكِ بالموت؟
نظرت إليه بصعوبة.
— ولماذا…؟
اقترب وجهه قليلاً منها.
عيناه الكوبالتيتان كانتا مظلمتين في ضوء الغرفة الخافت.
وقال بهدوء بارد:
— لأنكِ ما زلتِ لم تدفعي ثمن إزعاجكِ لي.
حدّقت فيه للحظة…
ثم أغمضت عينيها من جديد.
لكن قبل أن تغفو تماماً…
همست بكلمة واحدة بالكاد سمعها.
— غبي…
تجمد للحظة.
ثم تنهد ببطء…
ومرر يده عبر شعره بتعب.
— نعم… ربما أنا كذلك أيتها المتعجرفة فقط نامي وأسكتي لسانك الوقح.
ساد الصمت مرة أخرى.
.
.
.
.
.
.
في الجهة الأخرى ........
ابتلع الظلام الغرفة بعد أن انطفأت الأنوار، ولم يبقَ سوى خيطٍ فضّي من ضوء القمر يتسلّل عبر الستائر الثقيلة، لينسكب على السرير العريض كوشاحٍ بارد.
استلقت دالين عند حافة الفراش، متدثّرةً باللحاف حتى عنقها، بينما الوسادة الطويلة التي وضعتها بينهما كانت كحدٍّ فاصلٍ معلن، جدارٍ صامتٍ يعلن هدنةً هشّة بين خصمين لا يعرفان معنى السلام.
أما داميان فكان ممدداً على الطرف الآخر، ذراعاه خلف رأسه، وصدره العاري يعلو ويهبط ببطءٍ هادئ. كانت عيناه مفتوحتين في العتمة، تحدّقان في السقف كما لو أنه يصغي إلى أفكارٍ لا يسمعها أحد سواه.
مرّت لحظات ثقيلة…
ثم تحرّك اللحاف.
انقبضت أصابع دالين عليه فوراً، وسحبته نحوهـا دون أن تفتح عينيها.
لكن بعد لحظات…
انزلق اللحاف مرة أخرى.
فتحت عينيها أخيراً، واستدارت ببطء نحوه، وصوتها خرج بارداً كحدّ شفرة:
— أتحاول سرقة اللحاف… أم أنك تعاني من داء الطفولة؟
جاءه ردّه هادئاً، مشوباً بسخريةٍ باردة:
— سرقة؟
هذا سريري… ولحافي أيضاً.
شدّت الغطاء بعنادٍ أشد.
— إذن نم بدونه.
ابتسم في الظلام ابتسامة بالكاد تُرى.
ثم جذب اللحاف نحوه ببطءٍ متعمّد.
— لا يروق لي أن أتجمّد في سريري.
التوى فمها بامتعاض، وسحبته بقوةٍ أكبر.
— وأنا لا يروق لي أن أشاركه معك.
ساد صمت قصير…
ثم فجأة شدّ اللحاف دفعةً واحدة.
انكشف جسدها من الغطاء، واندفعت تجلس بعنف، شعرها الداكن يتناثر حول وجهها، وعيناها تقدحان شرراً.
— أيها الهمجي!
استدار رأسه نحوها ببطء، وعيناه الداكنتان تلمعان بوميضٍ ساخر.
— نبرة صوتك مرتفعة جداً لشخصٍ أعلن قبل دقائق فقط رغبته في النوم.
مدّت يدها وخطفت اللحاف منه بعصبية.
— ابتعد عني.
لكن الصراع لم ينتهِ.
كلٌّ منهما يشدّ الغطاء نحوه بعنادٍ لا يخلو من طفولةٍ مستفزة.
وفجأة…
انزلقت الوسادة الطويلة التي تفصل بينهما، وسقطت على الأرض بصمتٍ خافت.
توقّفا معاً.
حدّقت دالين في الفراغ الذي انفتح بينهما، ثم رفعت عينيها نحوه ببطء.
أما داميان فنظر إلى الوسادة الساقطة… ثم عاد ينظر إليها، وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيه.
— يبدو أن الحاجز بيننا قد انهار.
زمّت شفتيها ببرود.
— لا تفسّر الأمر كما يحلو لك.
انحنت محاولة التقاط الوسادة من الأرض.
وفي اللحظة نفسها…
مدّ داميان يده أيضاً.
اصطدمت أصابعهما.
تجمّدت الحركة.
رفعت رأسها ببطء.
كانت المسافة بين وجهيهما أقرب مما ينبغي.
أنفاسه الدافئة لامست بشرتها، وملامحه القاسية بدت أكثر حدّة في ضوء القمر الشاحب.
أما عيناه…
فكانتا غارقتين في ذلك الهدوء الداكن الذي يشبه ما يسبق العاصفة.
ابتلعت ريقها رغماً عنها.
ثم همست بحدةٍ خافتة:
— ابتعد.
لكنه لم يتحرّك.
بل اقترب أكثر قليلاً، حتى صار صوته يكاد يلامس شفتيها.
— لِمَ؟
أليست هذه… المرة الأولى والأخيرة بنسبة لكي ؟
اشتعل الغضب في عينيها.
دفعت صدره بيديها بقوة.
— قلت ابتعد!
لكن جسده بالكاد اهتز.
بل أمسك معصمها بسهولةٍ أربكتها، وأوقف حركتها.
انخفض صوته، وصار أكثر ظلمة:
— دالين…
تجمّدت للحظة.
تابع ببطءٍ مريب:
— إن استمررتِ في هذا الشجار العبثي على اللحاف… فسأبحث عن وسيلةٍ أخرى للدفء.
اتسعت عيناها.
— ماذا تقصد؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة بطيئة، قاتمة كظل الليل.
— الدفء… لا يُستعار دائماً من الأغطية.
— سأسرقه منكِ أنتِ.
ارتبكت لحظة… ثم اشتعل وجهها غضباً.
خطفت الوسادة من الأرض بسرعة، ورفعتها…
وضربته بها مباشرة.
ساد صمت قصير.
ثم جاء صوته منخفضاً، يحمل ضحكة خافتة مظلمة:
— يا لها من شجاعة…
وفي اللحظة التالية…
انتزع الوسادة من يديها بسهولة، وردّ الضربة بأخرى.
وهكذا…
اندلعت حرب وسائد حقيقية في قلب الليل.
ضحكاتها الغاضبة امتزجت بأنفاسه الساخرة، واللحاف يتقلّب بينهما كغنيمة حرب.
لكن…
في لحظةٍ خاطفة، انزلقت دالين فوق الفراش، وسقطت نحوه دون قصد.
توقّف كل شيء.
كانت فوقه مباشرة.
شعرها المنفلت ينسدل حول وجهه، وأنفاسهما تختلط في مسافةٍ لا تتجاوز بضع أنفاس.
رفع عينيه إليها ببطء…
وهمس بصوتٍ عميقٍ كظلمة الليل:
— يبدو أنكِ أنتِ من تبحث عن الدفء… لا أنا .
تجمّدت دالين…
وقلبها يخفق بعنفٍ.