اليوم الرابع والعشرون
"ترقب القدر.. وعلامات القلوب"
كانت هذه الليلة "هادئة" بشكل مثير للدهشة. الهواء فيها ساكن، والسماء صافية كأنها مرآة. "سلمى" كانت تقف في الشرفة ومعها "تلسكوب" صغير استعارته من زميلتها، وتنظر للسماء بتركيز شديد، بينما كان "عمر" يمسك بهاتفه ويتابع تطبيقات الطقس وحركة الرياح.
نادت سلمى بصوت خفيض: يا ماما.. يا تيتا! تعالوا شوفوا، القمر النهاردة شكله مستتر والجو مش حر ولا برد. أنا قريت في بوست النهاردة إن دي من علامات ليلة القدر المؤكدة. والكلاب في الشارع ساكتة خالص مابتنبحش.. تفتكروا هي دي الليلة؟
خرجت الجدة "هنية" وهي تتكأ على عصاها، وجلست على كرسيها الهزاز في الشرفة، ونظرت للسماء نظرة خبيرة عاشت ثمانين رمضاناً، ثم قالت : انتي تاني؟ يا بنتي، إنتي لسه بتدوري على العلامة في السما وناسية تدوري عليها في قلبك. ليلة القدر يا سلمى مش ظاهرة جوية محتاجة تلسكوب، دي نور بيحدف في الروح سكينه وطمئنينا. زمان يا ولاد، كنا بنعرف ليلة القدر بـ رعشة بتسري في الجسم، وبدمعة بتنزل من غير سبب، وبسكينة بتنزل على البيت تخلي العيال الصغيرين يناموا كأنهم ملائكة.
رد "عمر" وهو يقلب في هاتفه: بس يا تيتا، العلم بيقول إن في علامات فيزيائية، زي إن الشمس تطلع من بعد الفجر بيضا ملهاش شعاع. أنا مستني الفجر عشان أصور اللحظة دي (Live) وأقول للعالم كله إننا عشنا ليلة القدر!
ضحكت الجدة ضحكة خفيفة وقالت: تصورها لايف؟ يا واد يا عمر، اللي بيحضر ليلة القدر بجد مبيكونش معاه وقت يمسك موبايل. بيكون مشغول بـ يارب واعفُ عني. العلامات اللي ربنا حطها دي عشان يطمن قلوبنا بعد ما تخلص الليلة، مش عشان نقعد نراقبها وننسى العبادة. إنتوا عاملين زي اللي واقف قدام باب القصر وعمال يبص على نقشة الباب وناسي يخبط ويطلب العطايا من صاحب القصر!
تدخلت "زينب" وهي تحمل "مصلّيات" العائلة: كلام أمي صح. أنا قعدت أراقب العلامات السنة اللي فاتت ونسيت أدعي بكل اللي في قلبي. السنة دي أنا هعتبر كل ليلة هي ليلة القدر لحد آخر ثانية في رمضان. المهم يا أمي، إزاي أعرف إن دعائي اتقبل في الليلة دي؟
اعتدلت الجدة وقالت بنبرة تمس الروح: القبول يا زينب بيبان في الراحة. لو حسيتي إنك قمتي من على سجادتك وإنتي حاسة إن جبل انزاح من على صدرك، وإنك سامحتي كل اللي ظلموكِ، وإنك مش عايزة من الدنيا غير رضا ربنا.. يبقى دعائك وصل. ليلة القدر هي ليلة تغيير الأقدار، واللي قدره بيتغير للأحسن هو اللي بيبطل يشيل من الناس ويبدأ يحب الخير للكل.
نظر عادل الذي كان يتابع الحوار من هاتفه من أمام المسجد وقال بصوت مسموع عبر سبيكر الهاتف: يا جماعة، الإمام هنا قال جملة جميلة أوي: لا تبحثوا عن ليلة القدر، بل ابحثوا عن الله في ليلة القدر. ادعوا لي يا ولاد، أنا حاسس بسكينة غريبة في المسجد النهاردة، كأن الهوا نفسه بيسبح.
قالت الجدة : أهو عادل جاب الخلاصة وهو في الاعتكاف. يا ولاد، ليلة القدر خفية عشان نفضل ندور.. والتدوير ده في حد ذاته عبادة. سلمي يا بنتي، سيبي التلسكوب ده، التلسكوب الحقيقي هو سجودك، بيوريكِ السما وإنتي على الأرض.
الرسالة المستفادة:
"ليلةُ القدرِ تُحَس بالبصيرةِ لا بالبصر." لا تستهلكوا وقتكم في مراقبة النجوم أو انتظار سكون الرياح وتنسوا مناجاة ملك الملوك. العلامات الحقيقية هي التي تظهر في سلوككم بعد الليلة؛ في صدق توبتكم، وصفاء قلوبكم، وإقبالكم على الخير. اللهُ أخفى موعدها لنبقى في حالة استنفار روحي، فكونوا مع الله في كل ليلة، تدركوا قدركم ومقداركم عنده.
الخاتمة:
دخلت سلمى وعمر وزينب للصلاة، وساد البيت هدوء لا تقطعه إلا همسات الدعاء. أغلقت سلمى هاتفها، ووضعت التلسكوب جانباً، وقررت أن تكون علامتها الليلة هي طول السجود.
قالت الجدة هنية وهي تغمض عينيها في هدوء الشرفة: يارب، إن لم تكن هذه الليلة هي ليلة القدر، فاجعل قلوبنا فيها في أتمّ الاستعداد لها، ولا تحرمنا نورها بذنوبنا.
رد عمر بصوت خافت من الداخل: يا تيتا، أنا دعيت لك إن ربنا يبارك في عمرك وتفضلي الرادار بتاعنا دايماً.
ضحكت الجدة وقالت: ودعيت لنفسك بإيه يا واد يا لئيم؟
قال عمر : دعيت إن 'التمساح' اللي على قميص العيد مياكلش عيديّتي!
قالت الجدة: قوم يا واد، صلي وأنت ساكت.. ربنا يهديك!