وسأبقى عذراء - خلف جدران من حديد - بقلم اريج - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسأبقى عذراء
المؤلف / الكاتب: اريج
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: خلف جدران من حديد

خلف جدران من حديد

كانت علا قد بدأت تفهم شيئًا واحدًا عن السجن الجديد: هنا… لا أحد يهتم إن كنتِ إنسانة أو مجرد رقم. الجدران رمادية خشنة، والضوء الأبيض في السقف يضرب العيون بلا رحمة. حتى الهواء بدا مختلفًا… باردًا كأن المكان لا يعرف الدفء. جلست علا على السرير الحديدي في زاوية الزنزانة، ظهرها مسنود إلى الجدار، وعيناها شاردتان في الأرض. مرّ على نقلها بضعة أيام فقط… لكنها شعرت وكأنها عاشت شهرًا كاملًا هنا. في السجن القديم، على الأقل كانت تعرف القواعد. كانت قد صنعت لنفسها مكانًا صغيرًا بين السجينات. ليس لأنها الأقوى… بل لأنها وجدت طريقة لتعيش. الطبخ. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تتذكر. في بعض الأيام كانوا يسمحون لها بالدخول إلى المطبخ الصغير، فتطبخ شيئًا بسيطًا. أرز… عدس… أو حساء. الغريب أن الطعام كان يغيّر كل شيء. مرة تشاجرت سجينتان بسبب طبق صنعته. ومرة أخرى صارت امرأة خطيرة تحرسها فقط لأنها تحب أكلها. حتى السجّانة نفسها كانت أحيانًا تأخذ حصتها. تنهدت علا وهمست لنفسها: "على الأقل… كان لي قيمة." رفعت عينيها ونظرت إلى النساء في الزنزانة الجديدة. هذه المرة الوضع مختلف. النساء هنا… لا يشبهن أحدًا. إحداهن تملك نظرة باردة كأنها لا تشعر بشيء. وأخرى مليئة بالوشوم وتضحك ضحكة قصيرة تخيف المكان. والثالثة لا تتكلم أبدًا… فقط تراقب. ابتلعت علا غصتها. "هن اخطر.... سجن جديد ألم اكبر وخوف اعمق" ثم خفضت رأسها من جديد. كانت الوحدة تأكل قلبها ببطء. لم تبكِ كثيرًا في حياتها… لكن منذ نقلها بدأت الدموع تزورها دون استئذان. وفي تلك اللحظة… دوّى صوت المفاتيح في الممر. ثم فُتح الباب الحديدي بعنف. دخل أحد السجّانين حاملاً صندوق الطعام المعدني. قال بصوت عالٍ بالإنجليزية: "Food time! Line up!" تحركت السجينات ببطء نحوه. مدّ الصندوق وبدأ يوزع الطعام وهو يتكلم بالإنجليزية بلهجة سريعة: "Take one… move… next." كانت النساء يأخذن حصصهن بصمت. أما علا… فلم تتحرك. بقيت جالسة في مكانها، رأسها منخفض، وعيناها على الأرض. وصل السجّان إلى آخر الصف. ثم توقف. نظر نحو الزاوية حيث تجلس علا وحدها. تقدم خطوة. ثم خطوة أخرى. وعندما اقترب منها… انخفض صوته قليلًا. وقال فجأة بالعربية: "يا خالة…" تجمدت علا. لم تتحرك. ثم قال مرة أخرى بهدوء: "كيف الحال" رفعت رأسها ببطء… وعندما التقت عيناها بعينيه… اتسعت عيناها فجأة. كأنها رأت شبحًا من حياتها القديمة. همست بصدمة: "أنت…؟" ابتسم الشاب بخفة وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا. وقال بصوت خافت: "كفى دموع... ستفضحيننا." ارتجفت شفتاها. وبدأت الدموع تتجمع في عينيها. قالت بصوت مكسور: "منتصر…؟" هز رأسه مبتسمًا. "نعم … أنا." لم تستطع منع دموعها. قالت وهي تحدق فيه وكأنها لا تصدق: "يا ابني… كيف؟ كيف وصلت الى هنا؟" ضحك بخفة وهو ينظر حوله ليتأكد أن السجينات الأخريات منشغلات بالطعام. ثم اقترب قليلًا وقال بهدوء: "العم حسام ارسلني." توقفت أنفاسها. "حسام…؟" هز رأسه. شعرت علا أن شيئًا دافئًا يتحرك داخل صدرها لأول مرة منذ أيام. سألته بسرعة: "طيب… ماذا سيحدث لي ؟" ابتسم ابتسامة صغيرة. ثم قال بنبرة جادة: "اسمعي… لن اطيل ." نظر نحو الباب ثم عاد إليها. "ابقي على حالك… ولا تظهري شيء." ثم أضاف بهدوء: "أنا هنا… وإذا حدث شيء… سأخبرك." شعرت علا أن قلبها بدأ ينبض بسرعة. قالت بصوت خافت: "هل ساغادر هاذا المكان؟" لم يجب مباشرة. لكن ابتسامته كانت كافية لتزرع شيئًا في قلبها. قال: "صبرا جميل ." ثم وقف بسرعة. وقبل أن يخرج، انحنى قليلًا وهمس: "ولا تظهري ضعفك لهم ياخالة " ثم استدار ومشى نحو الباب. وعاد يتكلم بالإنجليزية بصوت عالٍ كأنه لم يحدث شيء: "Finish! Back to your places." خرج من الزنزانة وأغلق الباب الحديدي خلفه. عاد الصمت. لكن هذه المرة… لم يكن الصمت قاتلًا كما كان قبل قليل. جلست علا في مكانها، تمسح دموعها ببطء. ورغم كل الجدران… ورغم القيود… كان هناك شيء صغير ينمو داخلها. شيء اسمه… الأمل.