💉مقدمة
💉الحي
بقلم✍️: خلود رائد صالح
مقدمة
كان السكون في ذلك القبو الرطب لا يشبه سكون المقابر
بل كان صمتًا حيًّا…
مشحونًا برائحة الموت النظيف والمُعقم.
لم تكن الجثث الملقاة على الطاولات الرخامية مجرد بقايا بشرية…
بل كانت "قطعًا فنية" قيد الإنجاز…
سُلِبَت منها جلودها لتكشف عن جمالية الأعصاب الحمراء المخططة…
التي كانت تلمع تحت ضوء المصابيح الغازية الشاحبة.
كانت الأجواء هناك مزيجًا خانقًا من أبخرة الفينيك الحادة…
ورائحة الدم الحديدية الزنخة…
التي تخثرت فوق الأرضية لتشكل طبقة لزجة سوداء تتشبث بالأحذية…
كأنها ترفض رحيل أي زائر دخل هذا المسلخ المقدّس.
في زوايا الغرفة…
كانت تتدلى جلود بشرية رقيقة من خطاطيف معدنية…
تهتز مع كل لفحة هواء باردة…
كأنها أشباح لضحايا لم يجدوا طريقهم إلى القبور.
بينما كانت الأحواض النحاسية تفيض بمزيج قذر من الأحشاء الرمادية والأوردة…
التي نُزعت ببراعة جراحية لا تخطئها العين.
وسط هذا المشهد الجميل…
كان هناك جسد مفتوح بالكامل.
سُلِخ وجهه بضربة واحدة من المشرط…
ليترك خلفه جمجمة بيضاء مكسوة بعضلات تعبيرية متشنجة…
بينما كان القلب لا يزال يرتجف بضعف داخل قفص صدري محطم بمنشار العظام الجيري.
الفن الراقي في هذا المكان لم يكن يكمن في الموت بحد ذاته…
بل في ذلك "الحي" الذي يقف فوق الضحايا…
يرتدي مئزره الجلدي الملطخ بالسوائل الأرجوانية…
ويتلمس الأنسجة المكشوفة بأصابعه الطويلة ببرود يثير العجاب.
هامسًا بكلمات غزل مريضة في آذان جثث لم تعد تسمع…
أو ضحايا لا يزال الوعي يحرق خلايا أدمغتهم…
وهم يشاهدون تفكك عوالمهم الخاصة.
قطعة قطعة.
فوق تلك الأرضية الغارقة بالدم والمعقمات…
بدأت رواية "الحي" تأخذ شكلها الأكثر جمالاً.
حيث تحول الطبيب النبيل في شوارع لندن إلى جزار مهووس بالكمال التشريحي في خلوته المظلمة.
كانت الضحية التالية…
اللورد بيفيرلي.
يواجه مصيراً لم تخطر فظاعته على عقل بشر…
بدأ الطبيب بشق الجلد خلف الأذن…
منزلقاً بنصله تحت الذقن ليفصل الوجه عن العظام بصرير رطب وراقي يشبه تمزيق قماش الحرير المبلل.
لم يشأ الجراح قتله بسرعة…
بل غرس مبعدات الضلوع النحاسية في صدره…
وبدأ بلف المقبض اللولبي ببطء.
مستمتعاً بصوت فرقعة العظام وتكسر الغضاريف التي كانت تعلن عن تفتح "وردة" الصدر.
سكب ليتراً من الفورمالين الخام مباشرة فوق الرئتين والقلب النابض…
مما جعل الجسد ينتفض في صدمة عصبية عنيفة.
بينما كان الجراح يبتسم وهو يرى الأبخرة الكيميائية تتصاعد من اللحم المحترق.
استمرت العملية بسحب العصب الوركي من عمق الفخذ ولفه حول أوتاد فضية…
محولاً آلام اللورد إلى سيمفونية من التشنجات اللاإرادية التي كانت ترقص فوق الرخام البارد.
لم يكتفِ بذلك…
بل أخرج الأمعاء الغليظة ورتبها كعقد من اللؤلؤ حول عنق الضحية…
تاركاً إياه في حالة من الوعي المحض ليشاهد كيف تحول جسده الأرستقراطي إلى كومة من الألياف الممزقة.
والدم السائل الذي بدأ يملأ المجاري النحاسية للطاولة…
كانت تلك هي طقوس "الحي".
حيث لا ينتهي الفصل إلا بانتهاء آخر نبضة قلب…
لتبدأ رحلة البحث عن جسد جديد يروي عطش ذلك المبضع المقدس…
الذي لا يشبع من ملمس الشرايين المفتوحة ورائحة المسالخ البشرية المنظمة.