الفصل السابع
بعد ما خلصت شموخ ورغد من آخر محاضرة في الجامعة، خرجوا مع باقي الطالبات.
كانت شموخ تمشي ببطء وهي ضاغطة يدها على خدها.
قالت بتألم:
"آآه… والله ضرسـي بيقتلني."
نظرت لها رغد وقالت:
"لسه يوجعك؟"
قالت شموخ وهي تتنهد:
"من الصباح."
وقفت رغد شوي وقالت:
"طيب خلاص…"
نظرت لها شموخ:
"وش؟"
قالت رغد:
"نروح عيادة أخوي مهند."
هزت شموخ رأسها بسرعة:
"لا."
استغربت رغد:
"ليش؟"
قالت شموخ:
"بروح بعد الغدا."
ثم قالت وهي تمسك خدها:
"آه…"
عقدت رغد حاجبها وقالت:
"شموخ… انتي بتستحملي الألم كذا؟"
قالت شموخ:
"عادي."
قالت رغد:
"واضح إنه مو عادي."
سكتت شموخ.
اقتربت رغد منها وقالت:
"العيادة قريبة."
قالت شموخ:
"بس…"
قالت رغد:
"ولا فيها أحد غريب… أخوي بس."
تنهدت شموخ قليلًا.
قالت رغد:
"يلا خلصينا."
سكتت شموخ لحظة… ثم قالت:
"طيب."
ابتسمت رغد وقالت:
"أخيرًا."
قالت شموخ:
"بس بستأذن."
أخرجت جوالها واتصلت بأمها سميرة.
قالت:
"ماما… ضرسـي مرة يوجعني."
قالت سميرة:
"طيب؟"
قالت شموخ:
"بنروح لعيادة مهند."
قالت سميرة:
"روحي."
قالت شموخ:
"طيب."
أغلقت الاتصال.
ركبوا السيارة مع السائق الذي كان ينتظرهم خارج الجامعة.
بعد حوالي عشرين دقيقة…
وصلوا إلى عيادة مهند.
دخلت رغد وشموخ إلى الاستقبال.
قالت رغد للسكرتيرة:
"السلام عليكم."
ردت السكرتيرة:
"وعليكم السلام."
قالت رغد:
"أنا رغد أخت الدكتور مهند."
ابتسمت السكرتيرة فورًا وقالت:
"أهلًا."
قالت رغد:
"ممكن تقولين له إني هنا؟ وشموخ ضرسها مورم."
اتصلت السكرتيرة على مهند.
بعد لحظات قالت:
"الدكتور يقول تفضلوا."
مشت رغد وشموخ في الممر حتى وصلوا باب غرفة مهند.
طرقت رغد الباب.
قال مهند من الداخل:
"ادخلوا."
فتحت الباب.
رفع مهند رأسه من الملف اللي بيده.
ابتسم لما شاف رغد.
قال:
"هلا."
لكن بعدها دخلت شموخ خلفها…
وكانت لابسة عباية ونقاب.
توقف مهند لحظة.
ضيق عيونه قليلًا وهو ينظر لها.
شيء في عيونها…
جعله يتأكد.
قال ببطء:
"شموخ؟"
قالت رغد:
"إيه."
ثم قالت:
"ضرسها مورم."
وقف مهند من مكانه وقال:
"تعالي اجلسي."
جلست شموخ على كرسي العلاج.
كان واضح عليها التوتر.
قال مهند بهدوء:
"طيب…"
ثم توقف لحظة وقال:
"ارفعـي النقاب شوي."
تجمدت شموخ لحظة.
شعرت بإحراج شديد.
نظرت لرغد لحظة… ثم عادت تنظر للأمام.
رفعت يدها ببطء…
ورفعت النقاب.
في تلك اللحظة…
رفع مهند عيونه لينظر لها.
وللحظة…
تجمد.
لمدة ثانية أو ثانيتين…
بقي ينظر.
وجهها كان قريب.
والعيون الرمادية التي يعرفها منذ سنوات…
واضحة أكثر.
تنحنح مهند بسرعة وكأنه رجع لنفسه.
قال وهو يحاول يتصرف طبيعي:
"طيب… افتحي فمك شوي."
لكن في داخله…
قلبه كان يدق أسرع من المعتاد.
أما شموخ…
فكانت تشعر بشيء غريب أيضًا.
هي تعرف مهند منذ سنوات لأنه أخو رغد.
لكن هذه أول مرة يجلس أمامها هكذا…
وينظر لوجهها مباشرة.
وقلبها…
بدأ يدق بسرعة.
قال مهند وهو يفحص الضرس:
"واضح فيه التهاب."
قالت شموخ بصوت خافت:
"يوجع كثير."
قال مهند:
"من الصباح؟"
هزت رأسها.
قالت رغد من الخلف:
"أنا قلت لها تجي بدري."
قال مهند وهو يركز في الفحص:
"كان لازم."
ثم قال:
"بنعطيك مخدر بسيط."
توترت شموخ قليلًا.
قالت:
"إبرة؟"
ابتسم مهند قليلًا وقال:
"إيه."
قالت رغد وهي تضحك:
"هي تخاف من الإبر."
قالت شموخ بسرعة:
"مو صحيح."
قال مهند وهو يجهز الأدوات:
"طيب نشوف."
اقترب قليلًا ليعطيها المخدر.
وللحظة…
تقابلت عيونهم مرة ثانية.
اضطر مهند أن يشيح نظره بسرعة ويركز على الأدوات.
أما شموخ…
فكانت تشعر أن الموقف كله محرج جدًا.
- الماضي#####
قبل ست سنوات، كان محمد يجلس في غرفته وحيدًا، مستغرقًا في التفكير.
كان قلبه مشوشًا، والعقل ما يهدأ.
فكر: "أكيد الوقت حان… لازم أكلم أبوي عن الزواج."
جلس على سريره، يحرك أصابعه على الغطاء بلا وعي، ويكرر:
"لكن… أبدأ كيف؟ وأقول له إيش بالضبط؟"
فجأة، سمع صوت دق الباب بقوة خفيفة:
"تفضل."
رفع رأسه، والتفت ليجد أبوه واقف عند الباب.
ابتسم محمد ابتسامة مرتعبة، مستغرقًا في التفكير: "الحين أو ما أبداً… لازم أتكلم."
استغل الفرصة وقال بصوت مرتجف قليلًا:
"أبوي… أبغى أقول لك شيء مهم."
ابتسم أبوه وقال ببرود هادئ:
"وأنا بعد أبغى أقول لك شيء، بس أنت الأول."
أخذ نفسًا عميقًا محمد وقال:
"تفضل أنت الأول يا أبوي."
ابتعد أبوه قليلًا ووضع يده على الطاولة وقال بهدوء:
"أنا أبغى لك جواهر… بنت خالي حمد."
تفاجأ محمد جدًا، وشعر وكأن الأرض اختفت من تحت قدميه.
قال بصوت مرتعش:
"بس… أنا ما أبيها."
رفع أبوه حاجبه وقال بنبرة صارمة:
"بس أنا اللي أبيها."
حاول محمد أن يحافظ على هدوءه، وقال:
"بس أنا أبغى أتزوج وحدة ثانية."
ارتفع صوت أبوه فجأة، الغضب واضح على ملامحه:
"يا تتزوج جواهر يا لا… أنت ابني ولا أنا أبوك؟!"
جلس محمد للحظة، يحاول استيعاب الموقف، وقال بتردد:
"ليش… ليش لازم أتزوجها؟"
ابتسم أبوه ابتسامة قصيرة ثم أخذ نفسًا عميقًا، وقال بهدوء مختلف عن صوته الغاضب:
"يا وليدي… شوف، أنا أبغى لك الزين… والله إن جواهر… النعم فيها."
ثم نظر لمحمد بعينين مليئتين بالجدية:
"وأنت تعرف كيف كانت علاقتي بخالي حمد… الله يرحمه."
صمت محمد للحظة، ينظر لأرض الغرفة، يحاول تهدئة قلبه المتسارع.
تابع أبوه ببطء:
"هو كان أكبر مني بسبع سنين… وكانت علاقتي فيه مرة كويسة… الله يرحمه…"
ثم أكمل بنبرة رسمية:
"والآن بنته جواهر ما قد تزوجت، وخواتها، الله يستر عليهم، تزوجوا… وهي ما معها محرم إلا أخوها منصور، وهو متزوج ومعاه أولاد."
رفع أبوه يديه قليلًا وقال:
"يا ولدي… أنا أعرف إنك متربي على السنع والسلوك الزين، إنك تتزوجها… وهذا الشيء من شيمنا."
جلس محمد على طرف السرير، يحرك أصابعه بسرعة ويشعر بالدوار من كمية الأفكار التي تتصارع داخله.
"يعني لازم أختار بين قلبي وبين احترام تربية أبوي… وواجب العائلة… وأنا حتى ما أحبها…"
نظر لأبوه، وقال بصوت خافت:
"بس… أبوي… أنا أصلاً أبغى وحدة ثانية."
ابتسم الأب ابتسامة حزينة، وقال:
"أعرف… لكن الحياة أحيانًا تجبرنا نختار الطريق الصح… حتى لو صعب على قلبك."
جلس محمد للحظة صامتًا، ينظر للطاولة، ثم إلى الأب الذي نظر له بثقة:
"يا وليدي… هذا آخر كلامي. القرار لازم يكون واضح… لكن أنا أضمن لك إنك بتسوي شيء محترم ومرتب إذا اخترت جواهر."
ارتعش قلب محمد، وكان يعلم أن هذه اللحظة ستحدد مسار السنوات القادمة من حياته.
جلس للحظة، يحاول تنظيم أفكاره، بينما الأب خرج من الغرفة ببطء، تاركًا محمد مع نفسه… ومع الصراع الكبير الذي سيستمر سنوات.
محمد أخذ نفسًا عميقًا، وقال لنفسه:
"لازم أفكر… وأقرر… بس كيف؟"
_ الحاضر###....
كان محمد شاارد وهو يتذكر الماضي.
فجأة...
قالت لين بحماس:
"بابا! بابا! أنا وليان صرنا جاهزين… يلا بتودينا عند مامه!"
ابتسم محمد وقال:
"يلا يا حبايبي… خلوني أتصل بخالكم منصور وأقوله إننا جايين عندهم."
أخذ محمد الهاتف وطلب رقم منصور.
بعد لحظات، أجاب منصور:
منصور:
"السلام عليكم."
محمد:
"وعليكم السلام… أنا جاي الآن ومعي لين وليان… قالوا يبغوا يشوفوا أمهم."
سكت منصور للحظة، ثم قال:
"بس إحنا الحين رايحين في عمرة أنا وجواهر."
تجمد محمد في مكانه، وقال بعصبية واضحة:
"كيف يعني تروح عمرة وتخلي البنات لوحدهم؟! كيف؟"
تنهد منصور وقال بحدة، محذرًا:
"قصر صوتك… وانتبه على كلامك عن أختي… ترى هي ما هي محرم لك."
قال محمد بسرعة:
"بس…"
قاطع منصور:
"لا بس… ولا كلمة عن جواهر! دايمًا هي تتحمل البنات، وأنت دايمًا مشغول… ، ف الحين جاء الدور عليك فتحمل بناتك."
توقف محمد للحظة، يحاول السيطرة على انفعاله، لكنه شعر بالإحباط.
انتهت المكالمة، وترك محمد الهاتف على الطاولة، يجلس للحظة وهو يتنفس ببطء.
نظر إلى لين وليان وابتسم ابتسامة ضعيفة، يحاول أن يخفف من شعور القلق الذي سببه حديث منصور، ويخطط كيف سيقضي اليوم مع بناته بدون ما يزعج الأمور أكثر.
كانت لين و ليان يملأن المكان بالطاقة والحيوية، بينما محمد يجلس متأملاً، يعرف أن المسؤولية هذه المرة على عاتقه بالكامل.