الفصل 40
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
دخلت الغرفة أخيراً، وأغلقت الباب خلفها بصمتٍ ثقيل، كأنها تسدّ العالم خلف ذلك اللوح الخشبي. كان جسدها يئن تحت وطأة الإرهاق؛ فستانها المبتل يلتصق بها بلا رحمة، وخيوط شعرها الرطبة تتدلّى على وجهها وعنقها، تتناثر فوق كتفيها كأشواكٍ من الليل نفسه. أمّا قدماها فكانتا مجروحتين من الركض فوق الأغصان اليابسة والجذوع المنكسرة.
لم تعد ترغب بشيءٍ سوى الانهيار… والاستسلام لنومٍ كثيف يبتلع هذا اليوم المضطرب. كان الضعف يتسلّل إليها ببطءٍ خفي، حرارة جسدها تنخفض، وبرودة الليل تنفذ إلى أعماقها كإبرٍ باردة لا ترحم.
اقتربت من الخزانة بخطواتٍ بطيئة، فتحتها، وانتزعت منها ملابس جافة ارتدتها بسرعة، كأنها تلتقط شظايا دفءٍ من عالمٍ آخر. ثم اتجهت نحو السرير، وألقت جسدها عليه دون مقاومة. ارتخت أطرافها تماماً، وأغمضت عينيها لتستسلم للظلال، للسكينة الداكنة، للنوم العميق الذي ابتلع كل ذكرى لهذا اليوم العاصف..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
في الجهة الأخرى…
كانت ما تزال في جناح داميان. لم تغادر الغرفة منذ أن دخلتها، بل جلست على الأريكة بمللٍ واضح، تفرك ذراعيها من أثر البرد، وعيناها تتجولان في المكان بتبرم.
تنهدت أخيراً، ثم التفتت نحو الخادمة التي كانت تنتظر أوامرها بصمت.
— اذهبي إلى غرفتي… وأحضري لي بيجامة نوم.
توقفت لحظة ثم أضافت بلهجةٍ آمرة:
— وأريدها طويلة… أطول واحدة عندي.
انحنت الخادمة قليلاً وغادرت مسرعة.
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى عادت تحمل الملابس التي طلبتها. كانت البيجامة بلونٍ زهريٍّ هادئ، تتناثر فوقها حبات كرزٍ صغيرة تضفي عليها مسحة لطيفة تناقض تماماً برودة هذا الجناح. القميص طويل الأكمام، يمتد حتى منتصف فخذيها، وعلى صدره جيبٌ صغير عند الجهة اليسرى. أمّا الأسفل فكان شورتاً قصيراً فوق الركبتين، ومعه جوربان طويلان يصلان أسفل الركبة بلونٍ أبيض تتخلله خطوط وردية.
أخذتها دالين دون تعليق، ثم دخلت الحمام.
بعد دقائق خرجت، وقد ارتدت البيجامة، وتركت شعرها الطويل مبللاً ينسدل على كتفيها وظهرها في خيوطٍ داكنة.
تثاءبت بكسل، ثم نهضت تتجول في الغرفة. لم تكن تنوي النوم إلى جوار داميان مهما حدث، لذلك أخذت تبحث عن أريكة تقضي عليها الليل.
وقعت عيناها على أريكة أنيقة في الطرف الآخر من الجناح.
اقتربت منها، لكنها عبست حين أدركت أنها بلا لحاف.
استدارت نحو الخزانة الكبيرة.
فتحتها وبدأت تعبث بما فيها، تقف على أطراف أصابعها محاولةً الوصول إلى أحد الأغطية في الأعلى.
وفي تلك اللحظة…
فُتح باب الجناح.
دخل بعد أن أنهى أوامره مع الحراس. أغلق الباب خلفه واستدار… ليتوقف تماماً.
كانت هناك.
تقف داخل خزانته، نصف جسدها مخفي بين الأقمشة، وعلى أطراف أصابعها تحاول سحب لحافٍ كبير، بينما شعرها المبلل ينسدل على ظهرها، وتلك البيجامة الوردية البسيطة تمنحها مظهراً ناعماً على نحوٍ مثير.
ارتسمت ابتسامة بطيئة على شفتيه.
اقترب بهدوء.
كانت لا تزال تحاول الوصول إلى اللحاف عندما شعرت بظلٍ خلفها.
وقبل أن تستدير…
امتدت يده فوق رأسها بسهولة، وسحب اللحاف دفعةً واحدة.
سقط القماش على وجهها للحظة.
رفعت رأسها بسرعة وهي تزيحه عن عينيها.
— هذا أنت؟
أومأ برأسه ببطء، والابتسامة ما تزال عالقة على شفتيه.
ثم قال بنبرةٍ هادئة:
— ما الذي تفعلينه في خزانتي؟
عقدت ذراعيها وردّت ببرود:
— كنت أبحث عن لحافٍ لأتغطى به.
رفع حاجبه ساخراً، وأشار بكسل إلى السرير الكبير خلفه.
— ولماذا؟ بطانية السرير تكفي… بل وتتسع لنا معاً.
رفعت حاجبها نحوه بازدراء واضح.
— هل صدّقت نفسك للحظة؟ أنني سأنام إلى جوارك؟ لا تحلم كثيراً.
اتسعت ابتسامته الساخرة.
— ومنذ متى أصبحتِ تملي عليّ الأوامر؟
رفعت ذقنها بعناد.
— منذ اللحظة التي قررتُ فيها ألا أنام معك… فقط لأنني خرجت إلى الغابة دون إذنك.
اقترب خطوة واحدة، ثم أمسك بذراعها فجأة وسحبها نحوه.
— وأنا هنا… قررتُ أن يكون هذا عقابك.
قالها بصوتٍ منخفض بارد.
— كوني ممتنة أنني لم أعاقبك بشيءٍ أسوأ. ليس رحمةً بك… ولا خوفاً عليك… بل شفقة لأنك مريضة، يا صغيرة. وما كنت سأفعله بك لن يزيد حالتك إلا سوءاً.
اقترب أكثر وهمس ببرود:
— لذا كوني مطيعة… ونامي بجانبي. وعلى كل حال… لست في مزاج يسمح لي بممارسة اي شئ معكِ.
احمرّ وجهها غضباً.
— أنت وقح… ومنحرف. ومن قال إنني سأوافق؟ لست سلعة عندك ولا عشيقة. ستكون هذه المرة الأولى والأخيرة التي أكون فيها معك في سرير واحد.
سحبت اللحاف بعناد واتجهت نحو السرير.
وضعت وسادة طويلة في منتصفه كحاجزٍ واضح يفصل بين الجانبين.
ثم استلقت، وتغطّت باللحاف، وأغمضت عينيها كأنها تعلن نهاية الحديث.
ابتسم داميان بسخرية خافتة.
أطفأ الأنوار، ثم نزع قميصه وألقاه جانباً، واستلقى على الطرف الآخر من السرير.