نقل الى المجهول
مرّت الأيام في السجن ببطء قاتل.
بعد تلك الزيارة التي قلبت قلب علا رأسًا على عقب، لم تعد المرأة نفسها. كانت في السابق تحاول أن تتماسك، تحاول أن تبدو قوية، حتى لو كان ذلك مجرد قناع.
لكن الآن…
كان الحزن يسكنها بصمت.
كانت تجلس في زاوية الزنزانة لساعات طويلة دون حركة، تحدّق في الأرض وكأنها تبحث فيها عن إجابة.
صوت واحد فقط كان يتردد في رأسها باستمرار.
"لقد خُطفت."
كلما تذكرت تلك الكلمة… شعرت أن قلبها يتمزق.
كانت سهى مجرد طفلة.
طفلة لم ترَ الحياة بعد.
تنهدت علا وهي تغلق عينيها.
فجأة… سُمع صوت مفاتيح يرن في الممر.
توقف أمام زنزانتها.
انفتح الباب الحديدي بقوة.
قال الحارس بلهجة جافة:
"قفي."
رفعت علا رأسها ببطء.
تجمدت لحظة.
"لماذا؟"
لم يجب.
كرر الأمر بصرامة وبلغة ركيكة
"قفي."
نهضت ببطء، قلبها ينبض بسرعة.
ربط الحارس يديها بقيود حديدية، ثم أشار لها أن تمشي.
بدأت تسير في الممر الطويل، خطواتها تتردد فوق الأرض الإسمنتية الباردة.
لم تكن تعرف إلى أين يأخذونها.
لكن فكرة واحدة ظهرت في رأسها فجأة.
حسام.
ربما…
ربما نجح.
ربما وجد طريقة لإخراجها.
ارتجف قلبها بأمل صغير لم يجرؤ على الظهور منذ زمن.
خرجت من باب السجن إلى ساحة خلفية.
كانت هناك سيارة سوداء تنتظر.
دفعها الحارس إلى داخلها دون كلمة.
تحركت السيارة.
مرت الدقائق ببطء.
علا كانت تنظر من النافذة الصغيرة، تحاول أن تفهم إلى أين تذهب.
لكن الطريق بدا طويلًا وغريبًا.
وبعد وقت…
توقفت السيارة.
فتح الباب.
أخرجها الحراس.
رفعت رأسها ببطء.
وعندما رأت المكان أمامها…
تجمدت.
لم يكن طريق الحرية.
بل كان سجنًا آخر.
أكبر… وأشد قسوة.
الجدران أعلى.
والحراسة أكثر.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
تمتمت بصوت خافت:
ماهذا؟
حسام؟
ثم فهمت.
هذا لم يكن إنقاذًا.
كان نقلًا.
لكن لماذا؟
لم تعرف أن الإجابة كانت بعيدة عنها… في مكان آخر تمامًا.
---
في قصر فخم خارج المدينة…
جلس رجل على مقعد جلدي كبير، أشبه بالعرش.
الغرفة واسعة، جدرانها مزينة بلوحات باهظة الثمن، والأرضية من الرخام اللامع.
كل شيء في المكان يدل على الثراء.
لكن الجو… كان مظلمًا بطريقة غريبة.
كان الرجل يجلس صامتًا، ينظر إلى كأس الماء في يده.
سعد
رئيس العصابة التي تتحكم في نصف هذه المدينة.
كان معروفًا بالقسوة.
بالذكاء.
وبأنه لا يرحم.
لكن في تلك اللحظة…
لم يكن يفكر في المال.
ولا في السلطة.
كان يفكر في شيء أقدم.
شيء اسمه الطفولة.
تنهد ببطء.
ارتسمت أمام عينيه صورة رجل قاسٍ.
والده.
كان صوته ما يزال يرن في ذاكرته.
الأوامر.
الصراخ.
الضرب.
كان يكرهه.
يكره قسوته.
يكره بروده.
كان يتساءل دائمًا:
لماذا يعاملني هكذا؟
لماذا لا يحبني؟
كبر سعد وهو يحمل ذلك السؤال في قلبه.
حتى جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.
اليوم الذي أُدين فيه والده.
اليوم الذي حكم عليه فيه بالاعدام
ورغم قسوته ورغم ظلمه الا ان سعد اشتعلت في داخله نيران الغضب نيران من القهر واقسم اقسم انه سينتقم
وبعد بضع من الوقت فهم فهم معنى قسوته ادرك مكانته وانه ينتمي الى اسرة لا شفقة في دمها ولا رحمة في قلبها كان عليه ان يصبح جحيما كان لازم ان يكون كابوس حتى وان اراد غير ذلك
لكن الحقيقة جاءت متأخرة.
عندما مات والده… فهم سعد كل شيء.
لكنه كان قد أصبح بالفعل رجلاً آخر.
رجلاً تعلم القسوة.
تعلم أن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم.
شدّ سعد يده حول الكأس.
فجأة…
رماه بقوة على الأرض.
تحطم الزجاج وانتشر الماء على الرخام.
وقف سعد ببطء.
كانت عيناه مليئتين بالغضب.
قال بصوت منخفض لكنه مليء بالوعيد:
"والله…"
ثم شد قبضته.
"ستدفعون الثمن غاليًا."
رفع رأسه نحو السقف.
وصاح بغضب:
"أنتم السبب!"
"أنتم من صنع هذا الوحش!"
ساد الصمت في القاعة.
ثم اكمل لاتلوموني انه خطأكم
...........
لكن في مكان آخر…
داخل سجن بارد جديد…
كانت علا تجلس وحدها في زنزانة لم تعرفها من قبل.
لا تعرف لماذا نُقلت.
ولا تعرف ما الذي ينتظرها.
لكن قلبها كان قد اصبح صلبا
.......
"أصدقائي القراء، أدعولي ربنا يجبر بخاطري، لعل دعوة أربعين غريب تجيب ."