الفصل 39
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
انزلقت السيارة السوداء أخيراً عبر البوابة الحديدية الضخمة للقصر، فانفرجت المصاريع ببطءٍ ثقيل كأنها ترحّب بالعاصفة التي جاءت معهم من قلب الغابة. كانت السماء ما تزال تسكب مطرها بعنف، والضباب يتسلل فوق الحدائق المترامية حول المبنى الحجري المهيب، فيمنحه هيئة قلعةٍ خارجة من ظلال أسطورةٍ قديمة.
توقفت السيارة أمام الدرج الرخامي العريض.
وفي اللحظة نفسها اندفع الحراس والخدم من تحت الأروقة المقنطرة، وجوههم متوترة بعد ساعاتٍ طويلة من القلق والبحث، بينما كانت الأضواء الذهبية المتدفقة من نوافذ القصر تنعكس فوق قطرات المطر فتغمر المكان بهيبةٍ باردةٍ أقرب إلى الصمت الجنائزي.
ترجل داميان أولاً.
انحنى قليلاً وهو يخرج من السيارة، ثم فتح الباب الخلفي فوراً ومد يده إلى الداخل.
— انزلي.
وضعت دالين كفها في كفه ونزلت ببطء، كان شعرها ما يزال مبتلاً يلتصق بخديها، والمعطف الأسود يطوق جسدها النحيل، لكن عينيها ظلتا لامعتين رغم التعب.
في الجهة الأخرى فتح ريكاردو الباب بصمتٍ مريب ونزل.
ثم ترجلت سابين خلفه ببطء، والمطر ينزلق فوق خصلاتها البنية في خطوطٍ فضية.
لكن ما إن وقفت على الدرج حتى ارتفعت عيناه نحو الحراس الواقفين هناك.
تجمد الهواء.
لم يكن الغضب في عيني ريكاردو شيئاً يمكن التغاضي عنه… كان بارداً، ثقيلاً، كالسيف حين يُسحب من غمده.
تقدم خطوة واحدة فقط.
صوته خرج منخفضاً… لكنه كان كفيلاً بأن يخفض رؤوس الرجال جميعاً.
— أين كنتم… عندما هربتا؟
انحنى كبير الحراس فوراً.
— سيدي… نحن—
قاطعه ريكاردو ببرودٍ قاتل.
— كانتا في الغابة… وحدهما.
ساد صمتٌ كثيف.
— ولو لم نصل في الوقت المناسب… فلا أعلم أي سوءٍ كان يمكن أن يحدث.
لم يكمل الجملة.
لكنه لم يكن مضطراً لذلك.
تقدم أحد الحراس بتوتر.
— سيدي… كنا نبحث في الجهة الأخرى من—
لكن ريكاردو تحرك فجأة.
ضربة واحدة من قبضته الغليظة ارتطمت ببطن الحارس فانهار الأخير على ركبتيه وهو يختنق من الألم.
تراجع بقية الحراس خطوةً إلى الخلف فوراً.
نظر إليهم ريكاردو كما لو كانوا شيئاً لا قيمة له.
— غير أكفاء.
قالها ببرودٍ مظلم.
— إن كنتم لا تنفذون ما تؤمرون به… فحياتكم لا تعني لي شيئاً.
ثم أضاف بنبرةٍ أشد برودة.
— وجودكم مجرد ازدحام… وأنا أكره الازدحام.
فجأة تقدمت سابين.
وقفت أمام الحارس المنهار ومدت يديها تحميه.
— أنا المخطئة… أنا من هربت من الغرفة لأنني كنت غاضبة… هو لم يفعل شيئاً.
رفع الحارس رأسه بصدمة.
أما ريكاردو فنظر إليها ببرودٍ طويل.
ثم قال بهدوءٍ مخيف.
— في المرة القادمة… ستتحملين أنتِ المسؤولية.
اقترب من الحارس قليلاً.
انحنى نحوه وهمس بصوتٍ بارد كالجليد.
— كن سعيداً لأنها أنقذتك… وانصرف بسرعة قبل أن أقرر قتلك.
ابتعد الحارس مترنحاً.
في تلك اللحظة تقدم داميان قليلاً ووضع يده على كتف ريكاردو.
— اتركهم.
نظر إليه ريكاردو لحظة.
ثم أدار وجهه ببطء وسار مبتعداً.
— غداً… سأتحدث معكم.
قالها للحراس بنبرة جعلت ظهورهم تقشعر.
ثم صعد الدرج.
وقال ببرود دون أن يلتفت.
— هيا… إلى القصر.
استدارت سابين لتتبعه.
لكن قبل أن تخطو خطوة… احتضنت دالين فجأة.
بادلتها دالين العناق.
قالت سابين بهدوء:
— وداعاً.
ابتسمت دالين بخفوت.
— وداعاً.
ثم تبعت سابين ريكاردو بصمت.
وحين وصلا إلى الممر الطويل المؤدي إلى جناحه… توقف فجأة.
مد يده وسحب المعطف من حولها ببطء.
ثم قال دون أن ينظر إليها:
— اذهبي إلى غرفتك.
رفعت عينيها نحوه لحظة بنظرةٍ ساخرة… لكنها لم تقل شيئاً.
استدارت وغادرت الممر بهدوء.
أما هو فبقي واقفاً في الظل… يراقب خيالها حتى ابتلعته العتمة.
.
.
.
في الجهة الأخرى كان داميان يقود دالين عبر الرواق الطويل المؤدي إلى جناحه الخاص في القصر.
كانت الأرضية الرخامية تعكس وقع خطواتهما، فيما كانت الثريات الكريستالية المعلقة في السقف تنثر ضوءاً خافتاً فوق الجدران الداكنة.
لكن الصمت بينهما لم يكن هادئاً.
كان ثقيلاً… مشحوناً.
كانت دالين تمشي إلى جواره وهي تدرك جيداً ما ينتظرها.
توقف داميان أخيراً أمام باب جناحه.
فتح الباب.
ثم نظر إليها.
— ادخلي.
قطبت حاجبيها قليلاً.
— لكنها غرفتك… سأذهب إلى غرفتي.
قال ببرودٍ قاطع:
— ادخلي.
— لن أدخل
قال بصوت حاد:
— قلت ادخلي.
دخلت ببطء.
أغلق الباب خلفهما بصوتٍ مكتوم.
بقيت واقفة قرب المدخل بينما كان ينزع المعطف عن كتفيها ببطء.
ثم رفع عينيه إليها أخيراً.
اختفت ابتسامته تماماً.
— هل تعلمين كم ساعة بحثنا عنك؟
لم تجب.
اقترب خطوة.
— خرجتِ إلى الغابة في قلب العاصفة… دون حارس… دون أن تخبري أحداً… وأنتِ مصابة.
خفضت دالين نظرها قليلاً.
— كنت فقط—
لكنه قاطعها ببرود.
— لا تكملي.
اقترب أكثر.
حتى أصبح أمامها مباشرة.
رفع يده وأمسك بذقنها بإحكامٍ رقيق لكنه لا يقبل الرفض، وأجبرها على النظر إليه.
كانت عيناه مظلمتين… لكن خلف ذلك الظلام كان خوفٌ خفي لم يحاول إخفاءه.
— هل لديكِ أدنى فكرة… ماذا كان سيحدث لو أصابك مكروه؟
لم تجب.
ساد صمتٌ طويل.
ثم ترك ذقنها ببطء.
وقال بصوتٍ منخفضٍ خطير:
— لن تفلتي من العقاب.
اتسعت عيناها.
لكن قبل أن تتمكن من الرد…
مد داميان يده فجأة وجذبها نحوه بقوة.
اصطدمت بصدره.
التف ذراعاه حولها بإحكام.
ثم قال بصوتٍ خافت… لكنه حازم كالحكم.
— ستنامين الليلة في حضني… رغماً عنك.
رفعت رأسها نحوه بصدمة.
— ماذا؟! لا… لن—
لكن نبرته حين تحدث أوقفت الكلمات في حلقها.
— دالين.
قال اسمها ببطء.
وكان في صوته ذلك الهدوء المخيف الذي يسبق العاصفة.
تصلبت بين ذراعيه هذه المرة الأولى التي يناديها بإسمها.
ثم دفن وجهه في شعرها المبتل وهمس قرب أذنها بصوتٍ خفيضٍ مثقلٍ بشيءٍ لم يكن غضباً فقط.
— لا تفعلي هذا بي مرة أخرى.
كانت ذراعاه مشدودتين حولها بقوة…
ابتعد قليلاً ونظر إليها.
فقالت بامتعاضٍ خافت:
—.....أنت مجنون .
ضاقت عيناه قليلاً.
— ربما.
تصلبت ملامحها.
— ولماذا أوافق ؟
اقترب منها أكثر… حتى كادت أنفاسهما تتلامس.
وقال بصوتٍ منخفضٍ مظلم:
— لأنكِ تعرفين جيداً… أنني أكره تكرار كلامي.
شعرت بقشعريرةٍ خفيفة تعبر ظهرها.
لم يكن خوفاً خالصاً… لكنه كان شيئاً قريباً منه.
زفرت ببطء.
ثم قالت بتذمرٍ خافت:
— أنت… مستبد.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة… باردة.
— ربما.
ثم جذبها نحوه مرة أخرى… هذه المرة ببطءٍ أكثر.
وقال بصوتٍ عميق:
— لكنكِ ستنامين هنا الليلة… مهما قاومتِ.
قالت بسخرية وهي تبتعد للمدفئة لأنها تشعر بلبرد.
— سأنام هنا لكني لن أنام في حضنك.
قال بإبتسامة ساخرة:
— سنرى ذلك
ولم تجد دالين، رغم عنادها، إلا أن تبقى صامتة …