بَيْنَ أَنْيَابِ جَنُوٌنك - الفصل 38 - بقلم Amani algeria | روايتك

اسم الرواية: بَيْنَ أَنْيَابِ جَنُوٌنك
المؤلف / الكاتب: Amani algeria
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 38

الفصل 38

** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶** آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯ‏‏هہ . . . . . . . . . ↓ تجمّد المشهد للحظةٍ قصيرة عندما خرج داميان ودالين من بين الأشجار، فقد انشق الضباب أمامهما وظهرت صورتاهما تحت المطر الغزير، كانت دالين تلهث قليلاً بعد الركض بينما بقيت يد داميان مشدودة حول معصمها بقوة كأنّه يخشى أن تختفي إن أفلتها لحظة. في تلك اللحظة بالتحديد كانت سابين ما تزال داخل ذراعي ريكاردو، رأسها قريب من صدره وأنفاسها غير مستقرة، لكن ما إن وقعت عيناها على دالين حتى انتفضت كمن أفاق من حلمٍ مفاجئ، دفعت ريكاردو بسرعة وابتعدت عنه خطوة كاملة حتى كادت تسقط. خفضت نظرها قليلاً تحاول استعادة رباطة جأشها، بينما بقي ريكاردو واقفاً في مكانه دون أن يتحرك، نظرته ثابتة عليها، ثقيلة… هادئة… لكنها حادة بما يكفي لتجعل الهواء بينهما مشحوناً. توقف داميان أمامهما، عيناه تتحركان بينهما بسرعة ثم انزلقتا نحو جثة الذئب الملقاة قرب الأشجار، عندها انعقد حاجباه أكثر وفهم ما حدث تقريباً. — هل أنتما بخير؟ قالها بصوتٍ منخفض. رفعت سابين رأسها قليلاً وأجابت بسرعة تحاول أن تبدو طبيعية. — نعم… نحن بخير. اقتربت دالين منها فوراً، عيناها تمتلئان قلقاً وهي تتفحصها من رأسها حتى قدميها. — سابين… هل أنتِ بخير حقاً؟ تنهدت سابين بخفة وأومأت. — أنا بخير… كان ذئباً فقط. تدخل داميان بحدة خفيفة وهو يشير إلى الجثة. — ذئب فقط؟! ثم أطلق زفرة ثقيلة قبل أن يمرر يده على شعره المبلل بالمطر. — اللعنة… هذه الغابة تزداد سوءاً كل دقيقة. في تلك الأثناء كان ريكاردو قد اقترب بخطوات هادئة، ملامحه باردة رغم التعب الواضح على وجهه، أمسك بيد سابين وجذبها بقربه دون سؤال، وقال ببرود وهو يمشي ويسحبها معه. — هيا… سنعود. قال داميان بسخرية خفيفة وهو ينظر إلى الطريق المظلم بين الأشجار. — علينا العودة فوراً قبل أن تسوء العاصفة أكثر. تقدم داميان ثم شد دالين نحوه مرة أخرى، وضع ذراعه حول كتفيها بقوة ، التف المعطف الأسود حولها أكثر بينما كانت تمشي بجانبه قريبة من صدره. سار الأربعة بين الأشجار، المطر ما يزال ينهمر فوق رؤوسهم والضباب يلتف حول الطريق كستارٍ رمادي كثيف، كانت خطواتهم تتردد فوق الأرض الطينية بينما التصقت كل فتاة بالرجل الذي يسير بجانبها. داميان يضم دالين إلى جانبه بذراعٍ قوية تحيط بكتفيها، يقترب منها كلما هبت الريح كأنه يحميها من العاصفة نفسها، أما ريكاردو فكان يسير بصمتٍ قاتم إلى جوار سابين، يده ما تزال تمسك يدها بقوةٍ هادئة، نظراته تتقدم عبر الغابة المظلمة بينما أصابعه لم تفلت أصابعها لحظة واحدة. كان الجو هادئاً ساكناً… إلا من صوت المطر والبرق الذي يشق السماء بين حين وآخر. ساد صمت طويل. لكن ذلك الصمت لم يدم. نظرت دالين خلف ظهر داميان إلى سابين، التقت أعينهما للحظة، فرفعت سابين حاجبها تسألها بصمت ماذا. ابتسمت دالين بخفة… ثم نظرت إليها بنظرة مليئة بالخبث والسخرية وأشارت بعينيها نحو ريكاردو. تجمدت سابين لحظة… ثم اتسعت عيناها بغضب. كان قفاز ريكاردو الأيسر ما يزال في يدها. رفعته فجأة… وضربت دالين به بقوة على وجهها. توقف الجميع في اللحظة نفسها. استدار داميان وريكاردو معاً. أما سابين فلم تستطع كتم نفسها… وانفجرت ضاحكة. رفعت دالين وجهها ببطء وهي تتألم قليلاً، اقترب داميان فوراً ورفع ذقنها نحو الضوء الخافت. — أأنتِ بخير؟ أومأت دالين… لكن عينيها كانتا تشتعلان. وفجأة صرخت بصوت هز الغابة. — سااااااااااااابييييييييييييييييين!!! ضحكت سابين أكثر… ثم أفلتت يد ريكاردو ومعطفه الثقيل وركضت بأقصى سرعتها. — اهربي إن استطعتِ! صرخت دالين وهي تركض خلفها، وقد تحولت لغتها إلى لغتهما الأصلية. — يا غبية! لماذا فعلتِ هذا؟! يا منحرفة! أعلم أنكِ فعلتِ الكثير مع ريكاردو في الخفاء! انفجرت سابين ضاحكة وهي ترد عليها وهي تركض. — ليس أكثر مما فعلتِ أنتِ مع داميان! — وااااع تعالي إلى هنا! ركضتا بين الأشجار وهما تضحكان وتصرخان كطفلتين هاربتين من القيود. توقف داميان وريكاردو يراقبان المشهد بصمت. تنهد ريكاردو بهدوء وقال. — لا تزالان صغيرتين جداً… بل طفلتين. أومأ داميان بابتسامة هادئة. — لكنهما تذكراني بنا في طفولتنا. نظر إليه ريكاردو ببرود. — أما زلت تتذكر تلك الأيام؟ أومأ داميان بابتسامة خفيفة. — نعم… أتذكر كل شيء. سكت لحظة ثم قال. — عندما عاقبنا جدي وتركنا في غرفة الأسد الذي كان يربيه وهو جائع. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي ريكاردو عند تلك الذكرى. ثم أعاد نظره نحو الفتاتين. — تلك الفتاتان أخطأتا عندما دخلتا هذا العالم… لن تستطيعا الخروج منه أبداً. قال داميان بهدوء وهو ينظر إلى دالين التي أمسكت بسابين أخيراً وبدأت تشد شعرها بينما الأخرى تقرصها وتحاول الإفلات. — لن أستطيع التخلي عن تلك الشقية أبداً… ستبقى معي للأبد… حتى وإن كانت صغيرة. قال ريكاردو بهدوء. — ولا أنا. نظر إليه داميان مبتسماً. — أراك بدأت تتكلم عن مشاعرك قليلاً. نظر إليه ريكاردو بهدوء. أكمل داميان. — هل تحبها؟ سكت ريكاردو لحظة طويلة… ثم قال ببساطة. — لا. ثم أضاف بصوت هادئ. — أنا أهتم بها… وأحميها. — أشعر أنها لي فقط… وأنني مسؤول عنها. لكنني لم أحبها. ابتسم داميان وهو ينظر إلى سَابِين — أتعلم… أشعر أن تلك الفتاة تشبهك كثيراً. لها جانب بارد أيضاً… وتتعاملان بالطريقة نفسها… لكنها رغم ذلك مشاكسة وخارقة للقوانين ومسلية… ربما أنتما خطان متوازيان لكنكما ستخرقان القوانين وتلتقيان. ضحك ريكاردو بسخرية خفيفة. — أنا مع تلك الصغيرة؟ — لا أظن ذلك. ابتسم داميان وقال وهو يراقب دالين التي ما تزال تتصارع مع سابين. — أما أنا… فقد استسلمت لذلك الشعور. توقف لحظة ثم قال بصوتٍ منخفض صادق. — لا أعلم كيف أحببتها… لكنني أعشقها حد الألم… حد الجنون. سكت ريكاردو قليلاً وهو ينظر إلى سابين التي كانت تضحك وهي تحاول الإفلات من دالين، وخرجت منه إبتسامة صغيرة. . . . هدأت الفوضى شيئاً فشيئاً بين الأشجار، وتلاشى صدى الضحكات والصراخ حتى لم يبقَ في الغابة سوى هدير المطر وهو يضرب الأرض والأغصان بعنفٍ رتيب. كانت الأنفاس ما تزال متقطعة بعد الركض، والضباب يتسلل بين الجذوع السوداء كأنه شبحٌ بارد يراقبهم من بعيد. استطاع داميان أخيراً أن يحيط بذراعه حول خصر دالين ويمنعها من الانقضاض مرة أخرى على سابين، كانت لا تزال تحاول الإفلات وهي تضحك بانتصارٍ واضح، بينما في الجهة الأخرى كان ريكاردو قد أمسك معصم سابين فجذبها نحوه بحركةٍ حازمة أوقفت اندفاعها. توقفت الفتاتان أخيراً، تتبادلان نظراتٍ حادة ممزوجة بضحكاتٍ متقطعة. سقط الصمت للحظة. كان المطر ينساب فوق شعر سابين يبلله حتى التصق بخصلاته على وجنتيها وعنقها، بينما كانت أنفاسها ترتفع وتهبط بسرعة، وشفاهها وقد ازداد احمرارها من البرد والركض. انحنى ريكاردو ببطء والتقط معطفه الثقيل من الأرض حيث سقط قبل لحظات، ثم وقف أمامها دون كلمة، فتح المعطف ولفّه حول كتفيها بحركةٍ هادئة كأنها عادة قديمة. — ستمرضين هكذا. قالها بصوتٍ بارد منخفض، كأنه حقيقة لا تقبل الجدل. رفعت سابين عينيها إليه للحظة قصيرة، كان وجهها قريباً بما يكفي ليرى القطرات الصغيرة التي علقت على طرف شفتيها. بقي ينظر إليها بصمتٍ ثقيل. ثم رفع يده ببطء. تجمدت سابين في مكانها دون أن تدري لماذا. اقتربت أصابعه من وجهها، ومسح بإبهامه قطرة المطر العالقة على شفتيها بخفةٍ شديدة، لمسة عابرة… لكنها كانت كافية لتجعل نبضها يختل للحظة. في الجهة الأخرى كان داميان ما يزال يمسك دالين التي لم تكف عن الابتسام، فرفع يده ومسح بأصابعه قطرات المطر عن خدها ببطء، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وهو يتأمل عينيها اللامعتين. — افرحي يا صغيرة. قالها بصوتٍ خافت. ثم اقترب منها قليلاً، ومال برأسه نحوها حتى صار صوته أكثر عمقاً. — لكن تذكري… لن تفلتي من العقاب. رفعت دالين رأسها نحوه بعينين واسعتين. اقترب داميان خطوة أخرى، حتى صار بينهما نفسٌ واحد، ثم انحنى قليلاً والتقط شفتيها في قبلة هادئة… قصيرة… لكنها دافئة كالنار وسط تلك العاصفة الباردة. تجمدت سابين فوراً. خفضت رأسها بسرعة خلف ظهر ريكاردو محاولة إخفاء وجهها، لكنها رغم ذلك لم تستطع منع نفسها من النظر إليهما بطرف عينها. ابتعدت دالين فجأة بعد القبلة، احمر وجهها بشدة وهي تنظر إلى الأرض بإحراج واضح. أما ريكاردو فقد استدار قليلاً، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة خافتة وهو يراقب المشهد، ثم أعاد نظره إلى سابين. — هل تشعرين بالغيرة؟ قالها بنبرة باردة تحمل شيئاً من السخرية. — أتريدين مثلها؟ رفعت رأسها فوراً نحوه، عيناها تشتعلان غضباً. — مستحيل. اقترب خطوة واحدة منها. ثم مال قليلاً نحو أذنها وهمس بصوتٍ منخفض خشن كظلال الليل. — أنا لن أكون لطيفاً كداميان في هذا المشهد… ولن أكون محترماً أيضاً. اتسعت عيناها بصدمة واضحة، واحمر وجهها فجأة حتى كاد ينافس لون شفتيها، فتراجعت خطوة إلى الخلف وكأن كلماته كانت ناراً اقتربت أكثر مما يجب. — أنت…! لكنها لم تكمل، بل استدارت بسرعة وبدأت تمشي مبتعدة بين الأشجار. تركها ريكاردو تبتعد بضع خطوات، ثم تبعها بخطواتٍ بطيئة هادئة. في تلك اللحظة ابتعد داميان قليلاً عن دالين التي كانت لا تزال تحدق به بدهشة، فابتسم ابتسامة دافئة وقال بخفة. — آسف… لم أستطع المقاومة. ضربته بخفة على صدره وهي تهمس بإحراج. — داميان هل جننت ! ضحك بصوتٍ منخفض، ثم أمسك يدها وسحبها معه نحو الطريق حيث كانت السيارة تنتظر في نهاية الغابة. بعد دقائق قليلة ظهرت السيارة السوداء الكبيرة بين الأشجار، واقفة تحت المطر كوحشٍ معدني صامت. فتح داميان الباب الخلفي ونظر إلى دالين. — ادخلي. صعدت إلى الداخل وهي ما تزال مصدومة فأغلق الباب خلفها. وصل ريكاردو بعد لحظات مع سابين، فتح الباب الآخر دون أن ينظر إليها حتى، لكنها قبل أن تدخل التفتت نحوه بنظرة حادة. — أنت وقح. قالتها ببرود. رفع حاجبه قليلاً. — ربما. ثم أشار بيده نحو الداخل. — ادخلي. جلست في المقعد الخلفي دون كلمة أخرى، فأغلق الباب بهدوء، ثم دار حول السيارة وجلس في المقعد الأمامي بجوار داميان. انطلقت السيارة ببطء خارج الغابة، وكانت قطرات المطر ترتطم بالزجاج الأمامي بعنفٍ متواصل بينما الطريق المظلم يمتد أمامهم كخيطٍ أسود في قلب الليل. في المقعد الخلفي جلست دالين قرب النافذة، بينما جلست سابين في الجهة الأخرى، وبينهما صمت ثقيل لا يخلو من نظراتٍ خفية. أما في الأمام فكان داميان يقود بهدوء، وعيناه ثابتتان على الطريق. وبجانبه جلس ريكاردو صامتاً، ملامحه عادت إلى تلك القسوة الهادئة التي يعرفها الجميع. لكن رغم هدوئه الظاهري… كانت عيناه ترتفعان بين حينٍ وآخر نحو المرآة الصغيرة فوق الزجاج. حيث انعكست صورتها.