الثامن
💃🕺*#رواية_عرس_الزين🕺💃*
*#Part_No 《 08 》*
📚🖌️ *#العملاق_الطيب_صالح*
*༺༺♡♡♡♡♡♡♡♡♡༻༻*
*ســــــــــــــــيف الدين*
مهما يكن ، فمما لا شك فيه أن حياة سيف الدين ، منذ تلك اللحظة ، تغيرت تغيراً لم يكن يحلم به أحد .
كان سيف الدين الابن الوحيد للبدوي الصائغ ؛ سُمي الصائغ لأن تلك كانت حرفته في بداية حياته ،
ولما أثرى ولم يعد صائغاً لصق به الاسم فلم يفارقه .
كان البدوي رجلاً موسراً ،
ولعله أثرى رجل في البلد ،
جمع بعض ثروته بعرق جبينه ، من الصياغة والتجارة والسفر ،
وبعضها آل إليه عن طريق زوجته .
كان - كما يقول أهل البلد - رجلاً " أخضر الذراع "
لا يمس شيئاً إلا تحول بين يديه إلى مال ..
في أقل من عشرين عاماً ، كوّن من العدم ثروة ؛
بعضها أرض وضياع ، وبعضها تجارة منتشرة على طول النيل من كرمه إلى كريمه ،
وبعضها مراكب موسقة بالتمر والبضائع تجوب النهر طولاً وعرضاً ،
وبعضها ذهب كثير تلبسه زوجته وبناته في شكل حلي يملأ رقابهن وأيديهن .
ونشأ سيف الدين ولداً واحداً بين خمس بنات ،
تدلله أمه ويدلله أبوه ،
وتدلله أخواته الخمس ،
فكان لا بد أن يفسد ،
أو كما يقول أهل البلد :
كان لا بد أن ينشأ هشاً رخواً كالشجيرة التي تنمو في ظل شجرة أكبر منها ،
لا تتعرض للريح ، ولا ترى ضوء الشمس ..
مات البدوي وفي حلقه غصة مريرة من ابنه ؛
أنفق عليه مالاً كثيراً لكي يتعلم فلم يفلح ،
وأنشأ له متجراً في البلد فأفلس في شهر ،
ثم ألحقه بورشة ليتعلم الصناعة فهرب .
وبعد لأي ، ووساطة وتشفع ، نجح في تعيينه موظفاً صغيراً في الحكومة لعله يتعلم كيف يعتمد على نفسه ،
لكن لم تمضِ أشهر حتى جاءته الأنباء تترى من أفواه الأعداء والأصدقاء ، من الشامتين والمشفقين على السواء ،
أن ابنه يبيت ليله كله في خمارة ولا يرى المكتب إلا مرة أو مرتين في الأسبوع. ،
وأن رؤساءه أنذروه مراراً وهددوا بفصله من العمل .
فسافر الرجل إلى المدينة وعاد يسوق ابنه كالسجين ،
وحلف ليسجننه طول حياته في الحقل كالعبد الرقيق ، هكذا قال ..
ومضى عام على سيف الدين وهو يجمع العلف للبقر ويرعى الماشية على أطراف الحقل سحابة نهاره ، يزرع ويحصد ويقطع ويتأوه ،
ومع ذلك فلم يعدم تسلية بالليل ؛
كان يعرف أماكن صنع الخمر ، ويصادق الجواري اللائي يصنعنها - ( الخدم ) كما يقول أهل البلد ،
كنّ رقيقاً أُعطي حريته ، بعضهن هاجرن من البلد وتزوجن بعيداً عن موطن رقهن ،
وبعضهن تزوجن الرقيق المُعتقين في البلد وعشن حياة كريمة ،
بينهن وبين سادتهن السابقين ود وتواصل ،
وبعضهن لم تستهوهن حياة الاستقرار فبقين على حافة الحياة في البلد محطاً لطلاب الهوى واللذة .
والحق أن مجتمع الجواري هذا كان شيئاً غريباً ،
فيه روح المغامرة والتمرد والخروج على المألوف ..
هناك في طرف الصحراء بعيداً عن الحي ، تقبع بيوتهن المصنوعة من القش ؛
بالليل حين ينام الناس ، ترتعش من فرجاتها أضواء المصابيح وتسمع منها ضحكات مخمورة نشوى ،
ضاق بها أهل البلد فأحرقوها ،
لكنها عادت إلى الحياة مثل نبات الحلفا لا يموت ،
وطردوا سكانها وعذبوهم بشتى السبل ، لكنهم لم يلبثوا أن تجمعوا من جديد كالذباب الذي يحط على بقرة ميتة .
وكم من شاب مراهق خفق قلبه في جنح الظلام حين حمل إليه الليل ضحكات الجواري وصياح المخمورين في تلك ( الواحة ) على حافة الصحراء بشيء مخيف ،
لذيذ رهيب ،
يغري بالاستكشاف .
ولم يكن عسيراً على سيف الدين أن يجد طريقه إليها ؛
هنالك كان يقضي لياليه وكانت له من بينهن خليلة .
كل هذا تحمله أبوه في صبر ؛ كانت الأخبار تأتيه ، فكان يتغاضى أحياناً ، وأحياناً يثور ..
لكن صبره نفد حين جاء سيف الدين ذات ليلة ، وهو على سجادته بعد صلاة العشاء ،
كانت تفوح من فمه رائحة الخمر ، وقال له بصوت أجش من فعل الشراب والسهر ،
إنه يحب السارة ( إحدى الجواري ) ويريد أن يتزوجها .
اسودت الدنيا في وجه الرجل وفقد صوابه ؛
ابنه الوحيد سكران ، فاسق ، يقول له وهو على مصلاته إنه " يحب "
هذه الكلمة التي تثير في عقول الآباء في البلد كل معاني البطالة والخمول وعدم الرجولة -
وأنه يريد أن يتزوج جارية ماجنة فارغة العين ...
قام الأب وهو بين الحياة والموت ،
وحلف الأب أن الولد الفاسق - هكذا قال -
لا يبيت ليلة واحدة تحت سقف بيته ،
وأنه ليس ابنه وأنه براء منه .
قضى سيف الدين ليلته في بيت خاله ،
وفي الصباح اختفى .
وعاش البدوي الصائغ بقية حياته مثل رجل به عاهة ؛
كان الألم يحز في قلبه ،
ووجهه معروق كوجوه المرضى بالسل ،
كان يقول إن ابنه مات ، وكان أحياناً إذا خانه لسانه وذكر ابنه ، يذكره كأنه مات بالفعل .
وكانت تترى على البلد أخبار مريعة عن سيف الدين ؛
كيف أنه سجن في الخرطوم بتهمة السرقة ،
وكيف أنه اتهم مرة بقتل رجل في بورسودان وكاد يشنق لولا أنهم وجدوا القاتل الفعلي في النهاية ،
وكيف أنه يعيش " صائعاً " سفيهاً فاسقاً مع العاهرات في كل مدينة يحل فيها .
يقولون مرة إنه يعمل حمالاً يحمل بالات القطن على ظهره في الميناء ،
ومرة يقولون إنه يعمل سواقاً لسيارة شاحنة بين الفاشر والأبيض ،
وأحياناً يقولون إنه يزرع القطن في طوكر ..
وحاول أعمامه وأخواله إقناع أبيه بأن يكتب وصية يترك فيها ثروته كلها لزوجته وبناته .
كل الرجال العقلاء في البلدة أمّنوا أيضاً على صواب هذا الرأي ،
لكن الأب كان يتهرب دائماً ويتعلل بأنه سيفعل ذلك حين يدنو أجله ،
وأنه ما زال قوياً لا حاجة به إلى كتابة وصية .
لكن الرجال العقلاء كانوا في مجالسهم يهزون رؤوسهم حسرة ويقولون إن البدوي ما زال يأمل أن ابنه سيعود إلى صوابه ؛
شيء ما لم يفهمه أهل البلد ، منع الرجل من اتخاذ الخطوة الحاسمة :
حرمان ابنه من الميراث .
*ہہہـ٨ـــ♥︎ہہہـ٨ــــ♥︎ہــہہہـ٨ــــ❥ **
*صلوا علي خير الانام*
*يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــع*
*#سرالختم_0121045450*
*#للتنسيق_والنشر*