الفصل الثالث: من الرصيف إلى الديوان
الفصل الثالث: "تحت ظلال العلم.. من الرصيف إلى الديوان"
في عام 2005، انفتحت أمامي بوابة لم أكن أحلم بالمرور عبرها؛ بوابة سفارة دولة فلسطين. لم تكن مجرد وظيفة، بل كانت وطناً صغيراً يحتويني، ومكاناً أضع فيه كل تلك الطاقة المحبوسة داخلي. دخلتُ هناك وفي جعبتي مهارة فريدة اكتسبتها منذ الصغر: "السرعة والدقة في التعامل مع اللغة والأوراق".
1. سحر الآلة الكاتبة:
كانت أصابعي تتحرك على لوحة المفاتيح وكأنها تعزف لحناً قديماً. تلك المهارة التي صقلتها وأنا طفل عندما كنت أقوم بإدخال كتب التجويد والقرآن الكريم إلكترونياً، انفجرت الآن في أروقة السفارة. كنتُ أطبع المراسلات، والتقارير، والمذكرات بسرعة أذهلت الجميع. لم يروا فيّ مجرد "موظف سكرتارية"، بل رأوا محركاً لا يهدأ، يسابق الزمن لإنجاز المعاملات.
2. ثقة القادة:
لفتُّ انتباه سعادة السفير آنذاك. رأى في عينيّ ذكاءً فطرياً يتجاوز شهادات الورق. أصبحتُ مخزناً للأسرار الإدارية، ومنظماً للأرشيف الذي يحمل تاريخ القضية في مملكة البحرين. كنتُ أتعامل مع كل ورقة بقدسية، وكأنني أدافع بها عن حقي الضائع.
3. المحامي الأديب (مدرسة العريض):
لم يكتفِ طموحي بعمل السفارة صباحاً. في المساء، كنتُ ألتحق بمكتب المحامي والأديب الراحل علي سالم العريض. هناك، التقيتُ بالقانون في أسمى صوره؛ قانون يمتزج بالأدب والحكمة. كنتُ سكرتيره القانوني، وأذناً صاغية لكل مرافعة يكتبها. تعلمتُ منه كيف تُصاغ "لوائح التمييز" التي تنقذ الرقاب، وكيف يُستخدم الحرف كسلاحٍ في وجه الظلم. كانت هذه الفترة هي "الجامعة الحقيقية" التي تخرجتُ منها قبل أن أحصل على الشهادات الرسمية.
4. صراع الهوية:
كنتُ أعيش حياة مزدوجة؛ في الصباح رجل دبلوماسي بقميص مكوي وربطة عنق، وفي ذاكرتي طفل غسل السيارات وسكن القبور. كان هذا التباين هو سر قوتي؛ فأنا أعرف لغة الشارع وأعرف لغة القانون، وأعرف كيف أخاطب الوزير كما أخاطب المندوب.
خاتمة الفصل الثالث:
انتهى عام 2005 وأنا لستُ "علي" المشرّد، بل "علي" الموظف المثبت في ملاك منظمة التحرير الفلسطينية، الرجل الذي بدأ يبني لنفسه اسماً في المجتمع الدبلوماسي والقانوني في البحرين. لكن، كما علمتني الحياة، الهدوء دائماً ما يسبق العاصفة.