رحلة بلا عودة - غزو الفراء والأنياب - بقلم محمود نادر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رحلة بلا عودة
المؤلف / الكاتب: محمود نادر
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: غزو الفراء والأنياب

غزو الفراء والأنياب

عاد أحمد إلى الصيد بقوة جديدة بعد الشفاء. كان يتحرك بين الكثبان الحمراء كأنه واحد منهم، يعرف متى يصمت ومتى يهجم. لكن كل ليلة، بعد أن ينتهي اليوم، كان يجلس وحيداً على صخرة مرتفعة، يرفع عينيه نحو السماء البرتقالية القاتمة. هناك، في الزاوية البعيدة، كان كوكب الأرض يظهر كنقطة زرقاء خافتة، صغيرة، بعيدة. في إحدى الليالي، امتلأت عيناه بالدموع التي لم تسقط. همس لنفسه، صوته يرتجف في الهواء البارد: «اشتقت لكِ يا موطني... هل يوجد طريق للعودة؟ أم أنني سأدفن هنا، بين الرمال الحمراء، ؟» فجأة، قطع صمت الليل هدير هائل. اهتزت الأرض تحت قدميه. من الأفق، هبطت سفينة عملاقة، سوداء كالليل، أضواؤها الحمراء تخترق الغبار كسيوف. فتحت أبوابها، ونزل منها كائنات غريبة: أجسام تشبه البشر، لكن مغطاة بفراء كثيف أسود، أنياب بارزة تتلألأ تحت ضوء النجوم، عيون صفراء متوهجة كالذئاب. ابتسم أحمد ابتسامة مريرة: «يبدو أن هناك ضيوفاً جدداً على الكوكب.» قرر الاقتراب بحذر، لكنه توقف عندما رأى الكائنات تتجه مباشرة نحو أحد المجموعات القريبة. كان أربعة عشر – أحد كبار الجماعة – يقف في المقدمة. «من أنتم؟ ومن أين أتيتم؟» صاح أربعة عشر بحزم. لم يأتِ الرد كلاماً. بدلاً من ذلك، رفع أحد الغزاة سلاحاً غريباً، أسود لامعاً، أطلق شحنة زرقاء ساطعة. سقط أربعة عشر أرضاً فوراً، دمه الأزرق الداكن يتسرب على التراب الحمراء. ركض أحمد عائداً إلى الكهف، قلبه يدق بعنف. روى لسبعة عشر والباقين ما رأى. «هؤلاء لا يريدون السلام. يريدون الحرب. الإبادة.» في تلك الليلة، بدأت الكوابيس الحقيقية. عاد الجرحى يتدفقون إلى الكهف: أجساد مشوهة، قشور محترقة، أطراف مقطوعة. كان الغزاة يستخدمون طائرات بدون قائد صغيرة، تطير بصمت، تحدد مواقعهم بدقة مخيفة وترسلها للسفينة، ثم تطلق شحنات تذيب الجسد من الداخل. اقتربت إحدى الطائرات من مدخل الكهف. لم يتردد سبعة عشر. أخرج جهازه الكهربائي – الذي كان يستخدمه للصيد – وأطلق شحنة تلو الأخرى حتى سقطت الطائرة ككومة خردة محترقة. «يجب أن نرحل الآن!» صاح بحزم. «لا وقت للحزن.» انتقلوا إلى كهف مجاور أكبر، أخبروا سكانه بما حدث. انتشر الخبر كالنار في الهشيم. بدأت المجموعات تتواصل عبر نبضات الضوء والصوت. قرروا الاتحاد: جميع قبائل المريخ، من الوديان العميقة إلى الجبال البركانية القديمة. أرسلوا مجموعات صغيرة إلى الكهوف البعيدة، يطلبون المساعدة. في أسابيع قليلة، تشكل جيش عظيم: أكثر من مليونين من الكائنات، مسلحين بأسلحتهم البدائية نسبياً – شحنات كهربائية، شبكات معدنية، رماح من صخور مصقولة، مراكب طائرة بسيطة. واجهوا الغزاة في سهل واسع تحت سماء مليئة بالغبار. بدأت المعركة. كانت النتيجة محسومة منذ البداية. أسلحة الغزاة كانت متقدمة: شحنات طاقة تذيب الجسد، دروع لا تخترقها الشحنات الكهربائية، طائرات تتحرك بسرعة تفوق الخيال. سقط عشرات الآلاف في الساعات الأولى. قُتل ما يقارب مئة ألف، وأُسر أربعون ألفاً آخرين في أقفاص طاقة شفافة. انسحب الباقون إلى الظلال. تولى سبعة عشر القيادة مؤقتاً، لكنه نظر إلى أحمد وقال: «أنت تعرف الأرض. تعرف الحرب. أنت تقود الآن.» أعطى أحمد أوامره بهدوء مرعب: «خطة واحدة فقط: نجذبهم إلى وكر الكائنات المفترسة الكبير في الوادي الجنوبي. دعوهم ينشغلون بالمفترسين، ونحن نحرر الأسرى.» تمت الخطة بنجاح مذهل. اندفع الغزاة خلف مجموعة صغيرة من المقاتلين إلى الوادي. هناك، انقضت عليهم المفترسات العملاقة – ذات السبعة أذرع والأنياب الطويلة – فنشغلوا الغزاة في قتال شرس. استغل المريخيون الفرصة، اقتحموا معسكر الأسرى، حرروا الأربعين ألفاً. لكن الغزاة لم يخسروا أحداً تقريباً. فقط بعض الجرحى. كانوا أقوى، أسرع، أكثر تطوراً. عاد الجميع إلى الكهف الرئيسي. جلس أحمد وسط الجماعة، ينظر إلى الوجوه المنهكة. «هذه الخطة جيدة... لكنها مؤقتة فقط. المحتل لا يزال هناك. يريد إبادتنا. نحتاج خطة حقيقية. خطة تنتصر.» نظر سبعة عشر إليه بعيون متعبة: «وما هي الخطة، يا قائد الأرض؟» نظر احمد بحزم وقال حسناً «... .. يجب أن نحاربهم بعقولنا لنجد خطة لنشتتهم وان نصنع أسلحة قوية بأيدينا.» الصمت خيم على الكهف. لكن في عيون أحمد، لمع شرارة جديدة. لم يكن يائساً بعد. كان يفكر.