بَيْنَ أَنْيَابِ جَنُوٌنك - الفصل 37 - بقلم Amani algeria | روايتك

اسم الرواية: بَيْنَ أَنْيَابِ جَنُوٌنك
المؤلف / الكاتب: Amani algeria
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 37

الفصل 37

** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶** آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯ‏‏هہ . . . . . . . . . ↓ كان المطر يضرب الغابة بعنفٍ كأن السماء أعلنت حربها على الأرض، تتكسر القطرات فوق الأوراق الكثيفة وتتحول إلى همساتٍ مظلمة تتردد بين الجذوع الطويلة. كانت الريح تعصف بلا رحمة، تحرك الأغصان فتتشابك كأذرع أشباحٍ هائمة في العتمة، بينما الضباب ينساب بين الأشجار ببطءٍ ثقيل حتى صار الليل أكثر كثافةً واختناقاً. فوق الصخرة الكبيرة وقفتا، يحيط بهما الظلام من كل جهة، وقد التقطت آذانهما حركة بعيدة بين الأشجار، فرفعت دالين رأسها قليلاً وضيقـت عينيها محاولة اختراق الستار الرمادي الذي صنعه المطر، بينما كانت سابين تقف إلى جوارها متيبسة الملامح تراقب الغابة بحذرٍ غريزي، وفجأة اندفع ظلٌ أسود بين الجذوع كإعصارٍ مظلم يشق الطريق بقوة، وفي اللحظة نفسها شق البرق السماء فومض الضوء الأبيض للحظة كاشفاً ملامح ذلك الرجل. — داميان… همست دالين باسمه وقد اتسعت عيناها، وكان قد رآها بالفعل، فتوقف لحظةً واحدة لا تكاد تُرى ثم اندفع نحوها ركضاً، كانت خطواته تضرب الأرض بقسوة وهو يشق طريقه بين الأغصان كوحشٍ هائج، وفي عينيه اشتعل غضبٌ أسود لا يقل عنفاً عن العاصفة نفسها. تجمدت دالين مكانها هي وسابين قرب الصخرة، وفي اللحظة التالية كان قد وصل، مد يده فجأة وجذب دالين إليه بعنفٍ أربكها، فارتطمت بصدره القاسي قبل أن تطبق ذراعاه حولها في عناقٍ شديد حتى شعرت أن الهواء انقطع من صدرها، دفن وجهه في شعرها المبلل بالمطر وكأنه يتأكد أنها حقيقية، أنها ليست مجرد وهمٍ كان يطارده في الغابة. شهقت دالين بخفة، لكن داميان لم يتركها، بل شدها أكثر حتى كادت أضلاعهما تلتصق، كان جسده متوتراً كوترٍ مشدود، ثم أمسك كتفيها فجأة وأبعدها عنه قليلاً، عينا داميان كانتا تلمعان بغضبٍ قاتم، وأخذ يقلبها بنظره بعنفٍ متوتر كأنه يعدّ أنفاسها، ينظر إلى وجهها وكتفيها وذراعيها، يتحقق من كل تفصيلة فيها وكأن حياته كلها معلقة بسلامتها. — هل أنتِ مجنونة؟! قالها بصوتٍ أجش ارتجف فيه الغضب والقلق معاً. — داميان… — هل فقدتِ عقلك؟! تخرجين إلى الغابة في هذه العاصفة وأنتي مريضة ؟! حاولت دالين أن تبتسم رغم قسوته، ابتسامة صغيرة خفيفة وكأنها تريد تهدئة وحشٍ جريح، وقالت بهدوءٍ متعمد. — أنا بخير… انظر، لم يحدث لي شيء. لكن الكلمات لم تخفف النار المشتعلة في صدره، فجأة شدها مرة أخرى إلى صدره بقوةٍ أشد حتى شعرت بقبضته تؤلمها، اقترب فمه من أذنها وصوته انخفض إلى نبرةٍ خطيرة. — أقسم لكي … إن عدنا إلى القصر فسأعاقبك عقاباً لن تنسيه طوال حياتك. تنهدت بخفة بين ذراعيه وقالت بصوتٍ خافت. — لكنني بخير. — هذا لا يغير شيئاً. أبعدها قليلاً ثم خلع معطفه الأسود دون تردد ووضعه حول كتفيها بإحكام، كان المعطف كبيراً عليها فالتف حول جسدها كدرعٍ داكن يحميها من المطر، ثم أمسك يدها بقوة والتفت إلى ريكاردو الذي كان يقف خلفه بصمتٍ مهيب. في تلك اللحظة كانت عينا ريكاردو قد التقتا بعيني سابين، نظرة طويلة باردة تحمل قسوةً خفيفة، فخفضت سابين بصرها فوراً بعيدا عنه. — هيا. قالها داميان بحدة، لكن ريكاردو لم يتحرك بل أجاب بصوتٍ منخفض بارد. — اذهبا أنتما… سنلحق بكما. نظر إليه داميان لحظة قصيرة ثم أومأ. — حسناً. استدار وسحب دالين معه، وبينما كانا يبتعدان التفتت دالين قليلاً إلى الخلف وغمزت لسابين بخفةٍ مشاكسة، رأت سابين الحركة فوراً فرمقتها بنظرة غاضبة حادة، بينما اختفى داميان ودالين بين الأشجار، وبقيت الغابة والمطر… وريكار​دو. وقف ريكاردو لحظة صامتاً يراقبها، ثم خلع معطفه ببطءٍ محسوب ووضعه خلف ظهرها، تقدم خطوة واحدة، وقبل أن تفهم سابين ما يفعل شد المعطف فجأة بقوة فانجذبت نحوه رغماً عنها وارتطمت بصدره، رفعت رأسها تنظر إليه بغضبٍ واضح ثم ابتعدت فوراً، لكنه دون أن ينطق بكلمة رفع المعطف ووضعه حول كتفيها، كان واسعاً حتى بدا كأنه يبتلع جسدها الصغير. بعد ذلك مد يده نحوها، لكنه قبل أن يمسكها نزع قفازه الأيسر ببطء، ظهرت يده الدافئة القوية، وأمسك يدها بها بصمت. لم يقل شيئاً، وبدآ يمشيان بين الأشجار بينما المطر يتساقط حولهما والليل يزداد ثِقلاً. بعد بضع لحظات توقف فجأة. ترك يدها وابتعد خطوة. كانت حواسه قد التقطت شيئاً في الظلام… صوتاً خافتاً لا يكاد يُسمع. رفعت سابين رأسها تنظر أمامها… ثم تجمدت. بين الأشجار وقف ذئب ضخم، جسده الرمادي يلمع تحت المطر وعيناه تتوهجان بلونٍ أصفر مفترس، كان ينحني قليلاً كأنه يستعد للانقضاض. تجمد الدم في عروقها ولم تستطع حتى الصراخ. في اللحظة التالية سحبها ريكاردو بعنف إلى صدره، اصطدم ظهرها بصدره الصلب ولف ذراعه حول عنقها يحميها بينما ارتفعت يده الأخرى ممسكة بالمسدس. دوّى صوت الطلقات في الغابة. طلقة… ثم ثانية… ثم ثالثة. اهتز جسد الذئب قبل أن يسقط أرضاً بلا حراك، وابتلع المطر صدى الرصاص. في منتصف الطريق توقف داميان فجأة، نظر إلى دالين وقد ارتسم القلق على وجهها وهمست بصوتٍ مرتجف. — سابين… شد داميان يدها فوراً. — سنعود. واندفعا راكضين عائدين نحو الصوت. أما هناك فكانت سابين ما تزال واقفة أمام ريكاردو، عيناها متسعتان ووجهها شاحب، كانت على بعد لحظةٍ واحدة من الموت. أدارها ريكاردو نحوه ببطء، تبادلا نظرة طويلة مشحونة بالغضب والبرد، وفجأة اشتد المطر أكثر، وفي حركة لم تتوقعها أبداً… نزل ريكاردو على ركبته أمامها. اتسعت عيناها بذهول. أمسك يدها برفق وقال بصوتٍ منخفض. — أنا آسف. لم تتحرك، كانت الصدمة تشلها، ريكاردو… يعتذر؟ — أنا آسف… أعلم أنني أخطأت. قالها مرة أخرى ثم وقف ببطء واقترب منها، كانت عيناه قاسيتين لكن شيئاً مضطرباً يلمع فيهما. — تعلمين أنكِ لي. سكت لحظة ثم أكمل بصوتٍ مظلم. — لي وحدي… أنا فقط. اقترب أكثر حتى صار صوته يلامس أنفاسها. — وإن حاول أحد لمس ما هو لي فلن أرحمه. اشتد صوته قليلاً وإبتسم. — اسمعي جيداً… ذلك الوغد لوكاس، إن رأيتك معه مرة أخرى أقسم أنني سأقطعه قطعاً، سأجعلك ترين ما سأفعله به. سأقطع أطرافه وأضعها في علبة وأجعلك تنظفيها من الدماء. سكتت وهي تنظر إليه بلا كلام، رفع يدها ببطء ووضع كفها على وجهه وأغمض عينيه لحظة يتنفس رائحتها ويروي عطشه منها ثم قال ببرود. — لن أسمح لك بالهرب مني مرة أخرى… سأغفر لك هذه المرة فقط. قالها بصوتٍ باردٍ منخفض، ثم فتح عينيه ببطء. كانت نظراته مظلمة… أنزلت سابين رأسها قليلاً، كانت مشاعرها تتصارع في داخلها؛ غضبٌ حاد لأنها ترفض أن تكون ملكاً لأحد، وارتباكٌ عميق لأن قلبها يخفق بقوةٍ لا تفهم سببها كلما اقترب منها هذا الرجل. كانت على وشك أن تتراجع خطوة… لكن ريكاردو لم يمنحها تلك الفرصة. في حركةٍ مفاجئة شدها إليه. انجذب جسدها نحوه بعنفٍ خفيف حتى اصطدمت بصدره الصلب، وإمتدت ذراعاه حولها في لحظة واحدة، كأنهما قيدان من حديد يطوقانها. كان حضنه قاسياً… محتدماً… تصلب جسدها للحظة داخل ذراعيه، شعرت بقلبه يضرب بقوة على أذنيها ، ضرباتٍ عميقة متوترة كهديرٍ مكتوم، كانت أنفاسه دافئة على شعرها المبلل، بينما المطر يتساقط فوقهما بلا رحمة. لم يقل شيئاً في البداية، فقط شدها أكثر، حتى كأن العالم كله انكمش ليصبح ذلك الحضن المظلم الذي يحتجزها بين ذراعيه. رفعت رأسها قليلاً، كأنها ستبتعد، لكن أصابعه انغلقت أكثر حول ظهرها مانعة إياها من الحركة. كان صامتاً… صمتاً ثقيلاً يحمل في داخله ألف كلمة لم تُقال. ترددت سابين لحظة… ثم ببطءٍ شديد رفعت يديها. توقفتا في الهواء كأنها تفكر بالابتعاد… لكنها لم تفعل. بدلاً من ذلك أمسكت بقميصه من الخلف. قبضت عليه بقوةٍ خفية. وكان ذلك كافياً. شدها ريكاردو إليه أكثر، حتى اختفى وجهها في صدره ، كأنه يخبئها من العالم كله، كأنه يريد أن يطمئن أن هذه اللحظة حقيقية وليست حلماً سيتبدد مع أول ومضة برق. انسابت دموعها أخيراً، صامتة… حارة… ممتلئة بغضبٍ لا تعرف إن كان موجهاً إليه أم إلى نفسها. لكنها لم تبتعد. بقيت بين ذراعيه. بينما المطر يواصل السقوط فوق الغابة… والليل يزداد عمقاً حولهما. وفي تلك اللحظة تحديداً، خرج داميان ودالين من بين الأشجار… وتوقفا فجأة أمام المشهد.