بَيْنَ أَنْيَابِ جَنُوٌنك - الفصل 36 - بقلم Amani algeria | روايتك

اسم الرواية: بَيْنَ أَنْيَابِ جَنُوٌنك
المؤلف / الكاتب: Amani algeria
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 36

الفصل 36

** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶** آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯ‏‏هہ . . . . . . . . . ↓ كان المطر يهطل بقسوة، كأن السماء قد فتحت أبوابها دفعةً واحدة فوق الغابة. كان البرق يشق الغيوم السوداء في ومضات خاطفة، يعقبها هدير الرعد الذي يهز الأرض هزّاً، بينما صفعت الرياح الأشجار العتيقة بعنف حتى أخذت الأغصان تتمايل في الظلمة كأشباحٍ هائمة في ليلٍ بلا نهاية. فوق صخرة كبيرة في قلب تلك الغابة الموحشة، كانت سابين ودالين لا تزالان جالستين كما كانتا منذ دقائق. غير أن الضحك الذي كان يملأ المكان قبل قليل أخذ يخفت شيئاً فشيئاً، حتى لم يبق منه إلا بقايا أنفاس متقطعة تختلط بصوت المطر. رفعت سابين رأسها نحو السماء الداكنة، فأصابتها قطرات المطر الغزيرة على وجهها مباشرة. كانت باردة إلى حدٍّ مؤلم، تضرب بشرتها كالإبر. تنهدت ببطء وقالت: — أظن أننا ابتعدنا كثيراً. لفّت دالين ذراعيها حول جسدها محاولةً الاحتماء من البرد الذي بدأ يتسلل إلى عظامها، ثم أجابت بنبرة هادئة: — كثيراً جداً في الواقع. وقفت سابين أخيراً، ونفضت بعض الماء عن شعرها، ثم أخذت تنظر حولها بتفحص. غير أن الأشجار التي كانت تحيط بهما بدت متشابهة تماماً، كأن الغابة تعمدت أن تخفي ملامحها. كان الضباب يتسلل بين الجذوع شيئاً فشيئاً، يزحف بصمتٍ بارد حتى صار المكان أقل وضوحاً، وأكثر غرابة. عبست سابين قليلاً وقالت وهي تدور بعينيها حول المكان: — من أين جئنا تحديداً؟ التفتت دالين يميناً ويساراً، ثم هزت كتفيها باستسلام وقالت بهدوء: — لا أعلم. ساد بينهما صمت قصير، لم يقطعه إلا صوت المطر المتزايد فوق أوراق الأشجار. ثم قالت سابين فجأة، وكأنها توصلت إلى حقيقة لم تعد قابلة للإنكار: — لقد… تهنا. حدقت بها دالين للحظة، ثم تنهدت وقالت بجدية هادئة: — نعم… يبدو أننا تهنا بالفعل. وفي اللحظة التالية، دوى الرعد بقوة حتى اهتزت الغابة بأكملها. قفزت دالين قليلاً من مكانها ثم ضحكت بخفة وقالت: — رائع… ضائعتان في غابة أثناء عاصفة. يبدو أن هذه ليلة مثالية حقاً. تمتمت سابين ببرود وهي تعقد ذراعيها: — توقفي عن التذمر، سنجد الطريق. لكن الحقيقة التي لم تعترف بها بصوتٍ عالٍ كانت مختلفة تماماً، فهي نفسها لم تكن واثقة من ذلك. ازداد المطر غزارة حتى صار كستارٍ كثيفٍ من الماء، وبدأ الطين يتجمع تحت قدميهما، بينما أصبح الهواء بارداً وثقيلاً. وضعت دالين يدها فوق كتفها المصاب وهمست: — سابين… التفتت إليها سابين بسرعة، ولاحظت شحوب وجهها. — ماذا هناك؟ أجابت دالين بصوت منخفض: — كتفي يؤلمني. تمتمت سابين بكلمة خافتة تحمل ضيقها، ثم اقتربت منها وأمسكت بذراعها برفق. — تعالي، لنمشي قليلاً، ربما نجد طريقاً أو مأوى. بدأتا تسيران بين الأشجار المظلمة، تتجنبان الجذوع والطين قدر ما استطاعتا. غير أن الضباب أخذ يثقل أكثر وأكثر، حتى بدا كستارٍ رمادي كثيف يلتف حول الغابة. بعد دقائق قليلة توقفتا فجأة. فالطريق أمامهما كان مسدوداً تماماً بكثافة الأشجار المتشابكة. نظرت دالين إلى سابين وقالت وهي تتألم: — كتفي يؤلمني كثيراً لدرجة أنني لم أعد أحتمل… وانظري، الضباب يزداد، والظلام كذلك، والطريق مغلق. تنهدت سابين وقالت بعد تفكير: — لنعد إلى الصخرة، على الأقل نعرف مكانها. سننتظر قليلاً حتى تخف العاصفة. تأففت دالين وهي ترتجف قليلاً: — لكن البرد يقتلني، وكتفي يزداد سوءاً. استدارت سابين نحوها بانزعاج واضح وقالت: — أرجوكِ يا دالين تحملي قليلاً، أنا أيضاً أشعر بالبرد، وشعري لا يزال مبللاً من الحمام، وإن بقيت هكذا فسأمرض بالتأكيد. نظرت إليها دالين لحظة، ثم انفجرت ضاحكة فجأة. رفعت سابين حاجبها باستغراب: — ما الذي يضحكك الآن؟ أجابت دالين وهي تحاول كتم ضحكتها: — لا شيء… فقط تخيلت وجه داميان عندما يكتشف أنني اختفيت. لم تستطع سابين منع ابتسامة صغيرة من الظهور على شفتيها، ثم قالت بسخرية: — لن يكون وجهه جميلاً أبداً. عادتا أخيراً إلى الصخرة وجلستا فوقها مجدداً، والمطر ينهال حولهما بلا رحمة. وبعد لحظات من الصمت قالت دالين وهي تنظر إلى العتمة: — لابد أن داميان غاضب الآن. رفعت سابين كتفيها بلا مبالاة وقالت: — بالطبع هو غاضب، وكذلك الغبي الآخر . وهذا بالضبط ما كنت أريده. التفتت دالين إليها مبتسمة وقالت بنبرة مرحة: — أعترف أنني أحب هذه اللعبة… أريد فقط أن أعرف إلى أي حد يمكن لذلك المجنون أن يقلق علي. ضحكت سابين بخفة، ثم انضمت إليها دالين، فضحكتا معاً رغم المطر والرعد والبرد. كانت ضحكة عادية… خفيفة… كأن الغابة المخيفة حولهما مجرد مغامرة صغيرة. لكن في مكانٍ آخر من تلك الغابة… كان الأمر مختلفاً تماماً. . . . . . . كانا يشقان الظلام بين الأشجار. المطر ينهال عليهما بقوة، والطين يلتصق بأحذيتهما الثقيلة، بينما كانت أغصان الأشجار ترتطم بكتفيهما وهما يتقدمان بسرعة عبر الغابة. كان داميان يركض كإعصارٍ مظلم. كان يرتدي سروالاً أسود وقميصاً أبيض التصق بجسده بفعل المطر، بينما يتطاير معطفه الأسود الطويل خلفه مع الرياح العاصفة. كان شعره مبتلاً تماماً، تتساقط منه قطرات الماء فوق جبينه الحاد. لكن عينيه… كانتا أخطر من العاصفة نفسها. كان الغضب مشتعلاً فيهما بوضوح، ومعه شيء آخر أكثر قسوة… الخوف. كان يمسك مسدسه بإحكام، أصابعه مشدودة حوله بقوة حتى بدت مفاصله بيضاء. وهو يندفع بين الأشجار، كانت فكرة واحدة فقط تضرب رأسه بلا توقف. دالين. تلك الحمقاء خرجت من القصر بعد أيام قليلة فقط من عمليتها الجراحية. لم تكن قد تعافت تماماً بعد. وكان يعرف جيداً أن جسدها لا يحتمل البرد أو الإرهاق. شد أسنانه بعنف وهو يتمتم: — أقسم فقط… إن وجدتكِ سالمة فسأجعلك تندمين على هذه الفكرة الغبية. لم يكن صوته مرتفعاً، لكنه كان مشبعاً بغضبٍ خطير. توقف لحظة، ثم صرخ فجأة في العتمة: — دالين! لكن صوته ضاع بين الأشجار والرعد. خلفه كان ريكاردو يسير بخطوات ثابتة. لم يكن يركض كداميان، بل كان يتحرك ببطءٍ وبرود كان معطفه الأسود الطويل ملتصقاً بجسده من المطر، والقفازات الجلدية السوداء لا تزال في يديه. كان يحمل مسدسه في يده اليمنى، والسلاح يلمع أحياناً تحت ومضات البرق. لكن عينيه… كانتا باردتين بشكلٍ مخيف. لم يظهر فيهما قلق أو ارتباك، لكن داخله كان نقيضٓ الخارج. توقف فجأة، ورفع رأسه قليلاً كأنه ينصت إلى شيء بعيد. اقترب منه داميان بسرعة وقال بحدة: — هل سمعت شيئاً؟ أجاب ريكاردو بصوت منخفض، هادئ إلى حدٍ مقلق: — لا. ثم أضاف بعد لحظة قصيرة: — لكنها قريبة. قطب داميان حاجبيه وقال بانفعال: — كيف تعرف ذلك؟ رفع ريكاردو نظره نحو عمق الغابة المظلمة، ثم ظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة… باردة. وقال: — لأن تلك المتهورة لا تستطيع الابتعاد كثيراً… وخاصة في هذه الغابة. — وأنت تعلم أن دالين مصابة ولم تتعافى بعد لن تكون غببة لتلك الدرجة للإبتعاد والمخاطرة بصديقتها. سكت. لكن عينيه اللامعتين تحت البرق كانتا تقولان شيئاً آخر تماماً. انطلق داميان مجدداً بين الأشجار، والغضب يشتعل في صدره أكثر فأكثر، بينما تبعه ريكاردو بخطواته الهادئة الثقيلة.