الفصل الخامس والاربعين
المكتب كان مقفول على الأربعة: مراد، مروان، سامر، والمحقق بدر. صوت "اللاب توب" كان مسموع بس مش عالي، والكل عينه متسمرة على الشاشة اللي ظهر فيها وجه بلال.. الوجه اللي كان غايب بقاله فترة، بس المرة دي راجع بـ "وصية" حية.
في الثلاث مظاريف اللي وصلت لمروان وسامر ومراد، كان فيه "فلاش ديسك" في كل واحد فيهم، وبمجرد ما اشتغلت، ظهر بلال وهو بيشرح خطته بذكاء
"لو الفيديوهات دي وصلت إيدكم، يبقى أنا خلاص في عداد الموتى.. الراجل الكبير مش بيسيب حد وراه حي."
بلال كان قسم كلامه لـ 3 أجزاء، وبرر ده في الفيديوهات إنه عمل كدة عشان لو "الراجل الكبير" أو حد من رجالته مسك فلاشة منهم، ميوصلش للحقيقة كاملة، ويبقى لازم الخيوط التلاتة يتجمعوا عند "الصحاب القدام".
بلال بدأ يتكلم وصوته فيه نبرة اعتراف أخيرة
"إسحاق العتوري كان فاكر إني مجرد أداة سهلة، وإنه يقدر يمحيني ويمحي ورايا كل القرف اللي عمله.. بس أنا كنت بجمع عليه كل التفاصيل السودا، الأسماء الحقيقية، المواقع، حتى الشخصيات الكبيرة اللي مسنود عليها."
وبدأ بلال يشرح "المنظومة القذرة" اللي كان عايش فيها
"أولاً: الراجل الكبير هو إسحاق العتوري." حكى إنه بدأ "مرابي" صغير وسلف الناس فلوس بفوائد، ولما شغله كبر عمل "ديكور" المصانع اللي بدر قلبها وملقاش فيها حاجة، وبلال وضح السبب
"المصانع دي واجهة.. الشغل الحقيقي في صالات القمار والحانات."
الخطة كانت شيطانية؛ رجالته بيروحوا الأماكن اللي فيها ناس غرقانة ديون ويائسة، يعرضوا عليهم إن "الراجل الكبير" هيسدد ديونهم كلها ويديهم فرصة شغل بره يرجعوا منها أغنياء. الضحية بيوقع "عقد دين" رسمي، ويرتبوا له السفر على أساس إنه رايح لمواقع بناء أو سفن.. وأول ما يوصلوا، يختفوا تماماً.
بلال كشف الحقيقة البشعة
"الناس دي بتتباع (عمالة قسرية) أو في شبكات تهريب بشر دولية.. ومحدش بيلاحظ لأنهم أصلاً هربانين من مشاكل أو ديون."
الفيديو عرض صور لجوازات سفر مزورة، قوارب تهريب في المينا ، تحويلات مالية بأسماء وهمية، وكشوفات فيها أسماء الضحايا وجنبهم ملاحظات زي "تم الشحن" أو "خرج من البلد".
والأخطر كان تسجيل صوتي لـ إسحاق وهو بيقول ببرود "اللي بيسافروا دول ما يرجعوش.. إحنا بنقبض تمنهم قبل ما القارب يتحرك."
مراد كان بيسمع وهو بيجز على سنانه، والكل حاسس بحجم الكارثة. بس بلال في آخر الفيديو رسم ابتسامة مستفزة وقال
"إسحاق العتوري وحش.. بس فيه مكان واحد بس تقدروا تمسكوه فيه وهو مطمن.. "
واضاف
"مستشفى الأمراض العقلية."
الأربعة بصوا لبعض بذهول، وبلال كمل
"إسحاق بيروح هناك بنفسه عشان أمه محجوزة هناك.. دي اللحظة الوحيدة اللي ممكن يفك فيها حذره...عشان شكله بيروح هناك عشان يصفى " بلال هز كتافه بلامبالاة وقال إنه ميعرفش عنوان المستشفى بالظبط لأن إسحاق مكنش بيثق في حد يوصله لهناك، وكأن دي "المهمة الأخيرة" اللي رماها في ملعبهم.
وفي اللحظة الأخيرة من الفيديو، بلال سكت خالص.. ملامحه اتغيرت لملامح بلال "القديم"، الشاب الجامعي اللي كانوا يعرفوه زمان، وبص للكاميرا وضحك ضحكة صافية من غير أي استفزاز وقال
"أكيد بتتسائلوا بعت ليكم ليه ؟ أنا بحد ذاتي مش عارف ليه بعت لكم إنتوا بالذات.. يمكن عشان عارف إني لو فضلت عايش هتحاكم كشريك، فقولت أكفر عن ذنبي وأثق في الناس اللي كانوا زمان أصحابي."
وبعدين شاور بإيده وضحك
"اسمع يا مروان.. إوعى تبكي عليا لو حصلي حاجة، فاهم!"
سامر ومراد بصوا بسرعة لمروان.. لقوه قاعد متسمر، عينيه كانت محتقنة بالدم وعروقه بارزة، عينه كانت بتلمع بالدموع اللي حابسها بالعافية وهو بيشوف صديق طفولته بيودعه الوداع الأخير وهو أصلاً تحت التراب. مروان ضغط على إيده بقوة لدرجة إن مفاصله ابيضت، والوجع كان باين في كل ملامحه.
الفيديوهات انتهت، والمكتب ساد فيه صمت تقيل.. صمت مش بس حزن، لكنه صمت "الدم" اللي لازم يرجع لصاحبه
________
رزان ومنة كانوا قاعدين في مكتب رزان، عينهم على الباب المتقفل ومستنيين اللحظة اللي "الجن" المحقق بدر يخرج فيها، عشان يهجموا على مراد وسامر ومروان ويعرفوا إيه اللي بيخططوا له من وراهم.
رزان في الأول كانت عايزة "تداهم" المكتب وتكسر عليهم الباب، لأنها عارفة ومجربة إن جوزها لو فيه ريحة خطر، أول واحد بيرمي نفسه في النار هيكون هو ، بس منة عقلتها وطمنتها وقالتلها
"اهدي يا رزان لو سمحتي، سيبيهم يتكلموا للأخر عشان نعرف نمسكهم من إيدهم اللي بتوجعهم."
وفجأة.. الباب اتفتح. سامر كان خارج بيودع المحقق بدر بكل لباقة ، واتفاجئ برزان ومنة واقفين له "زي القضا المستعجل". سامر بلم بذهول وسألها تلقائياً
"رزان؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟"
رزان كتفت دراعاتها لصدرها وبصتله بتحدي وأشرت براسها لمكتبها اللي ورا بشوية
"والله يا بشمهندس سامر، شكلك نسيت إن ده مكتبي.. يعني مكاني الطبيعي إني أكون هنا، ولا إيه؟"
سامر طلع تنهيدة طويلة وكأنه بيقول "يا فتاح يا عليم"، ورزان قربت منه بتوتر وسألته بوضوح
"هو حصل حاجة يا سامر؟" ولفت وشها للمحقق بدر وعادت السؤال بتوتر وخوف أكبر "سيادة المحقق.. فيه جديد؟"
سامر حاول يلم الموضوع ويطمنها بابتسامة مهزوزة "مفيش حاجة يا رزان، دي مجرد إجراءات روتينية المحقق بدر كان بيبلغنا بيها."
هنا "ذكاء منة" اشتغل، وبصت لسامر بنظرة كاشفة وقالت وهي بترفع إيدها وتبص في ساعتها
"إجراءات روتينية تقعدوا فيها ساعة ونص يا استاذ سامر؟ ومحقق بوزنه ييجي بنفسه لحد هنا؟ الكلام ده مش داخل دماغي.. فيه مصيبة إنتوا مخبيينها."
رزان شافت إن سامر "بيلف ويدور" ومش هيجيب فايدة، فراحت سايباه ودخلت المكتب لمراد وهي مش شايفة قدامها. أول ما دخلت شافت مراد واقف وحاطط إيده على كتف مروان بيسنده، ومروان أول ما سمع اسم رزان رفع راسه.. رزان اتصدمت لما لمحت عينيه المحتقنة بالدم؛ فمروان اللي مبيفارقش الضحك وشه، مروان اللي مبيزعلش.. كونه كان يبكي يبقى الموضوع كارثي.
رزان بصت لمراد وقالت باصرار
"فيه إيه يا مراد؟ مخبيين إيه؟"
مراد رد باختصار وهو بيحاول يقفل السيرة
"مفيش حاجة يا رزان، اطلعي بره دلوقتي وهنتكلم في البيت."
رزان انفجرت فيه
"مش هطلع! "
مراد من تحت اسنانه
" رزان ...بعدين "
رزان بغضب موجوع
"إنت ليه دايماً عايز تشيلني من الصورة؟ و أنا ليا علاقة بكل ده أكتر من أي حد.. مهدي خالي هو اللي فتح أبواب الجحيم دي عليك ، وأنا اللي كنت بموت في المخزن، يعني من حقي أعرف كل كبيرة وصغيرة بتخص القضية دي!"
منة دخلت ووقفت جنب رزان ودعمت كلامها
"مراد، رزان عندها حق.. وإحنا مش عرايس خشب، إحنا عشنا الأسوأ بسبب القصة دي ومحدش فينا هيسكت."
مراد رد بحدة باردة
"قلت محدش يتدخل! الموضوع ده خطر وإنتي يا رزان بالذات مش عايزك تعرفي حرف واحد!"
" انا كمان سبق و قلت انه مش عايزاك تعرف واحد وتدخل! ولا هو حلال عليك وحرام عليا ؟"
" رزان ماتخلطيش الأمور ببعضها !"
التوتر زاد بينهم و رزان بدأت تشد معاه في الكلام وصوتهم عِلي، وسامر بيحاول يهدي مابينهم ومنة ماسكة رزان وبتحاول تهديها وهي بتقول لمراد
"يا مراد، إحنا مش أطفال.. الفضول والقلق هيقتلونا أكتر من الحقيقة، من حقنا نعرف إحنا بنواجه إيه."
وفي وسط الدوشة دي كلها، وصوت شجار مراد ورزان اللي مكنش راضي يخلص، المحقق بدر اللي كان واقف بيراقب ببرود، نطق فجأة وبمنتهى اللامبالاة وكأنه بيقرأ نشرة أخبار، وكشف الحقيقة المرة في جملة واحدة
"بلال بعدما مات.. بعت لنا الأدلة اللي تودي العتوري في داهية."
السكوت حل فجأة.. رزان ومنة بلموا، ومراد بص لبدر بغيظ لأنه كسر كلامه، ومروان نزل راسه تاني والدموع غلبت عينه اما سامر فتنهد تنهيدة قلة الحيلة
_____
كان الصمت جوه العربية تقيل، "صمت مهيب" يخلي الواحد يحس بدقات قلبه من كتر الهدوء. رزان كانت قاعدة جنبه وفاهمة كويس إن السكوت ده معناه إن مراد شايل جواه وزعلان بجد من اللي حصل من ساعتين في المكتب، ومن "العند" اللي شافته منه قدام المحقق بدر. مراد لما بيزعل مش بيزعق، هو بيتحول لكتلة تلج، ودي أكتر حاجة كانت بتستفز رزان.
رزان كانت بتحاول تبان عادية، وفي سرها بتقول
"يعني هو اللي زعلان؟ المفروض أنا اللي أزعل! أنا اللي خايفة عليه، وأنا اللي شفته بيموت قدام عيني في المستشفى ومش مستعدة أعيش الرعب ده تاني!" كانت بتبص له بطرف عينها وهو سايق، عينه مركزة على الطريق وكأنها مش موجودة جنبه أصلاً، وده كان أكتر أسلوب بتكرهه فيه؛ إنه يسيبها "تغلي" لوحدها في صمت.
همست بضيق، بنبرة باردة ورخمة وهي بتحاول تجره للكلام
"إنت هتفضل كدة كتير؟"
مفيش رد. مراد ولا كأنه سمع حاجة، مكمل سواقة بجمود.
رزان أضافت بغيظ وهي بتعدل قعدتها وبتلف له بكامل جسمها
"أنا مش فاهمة بجد إنت زعلان مني ليه؟ أنا عملت إيه يخليك تتقلب القلبه دي؟"
برضه مفيش رد. السكوت فضل سيد الموقف، لحد ما رزان انفجرت فيه عشان ينطق
"يا مراد رد عليا! ما تسبنيش كدة بكلم نفسي!"
مراد رد ببرود قاتل واختصار مستفز
"أنا بسوق.."
رزان قوست شفايفها باستنكار وادت له نظرة استهزاء "بتسوق؟ "
وكملت
" يعني قصدك تقول لي اسكُتي وشوفي طريقك؟"
مراد هز راسه بلامبالاة وقال
"افهميها زي ما تحبي.."
هنا رزان قررت تضرب على "الوتر الحساس" اللي يخرجه عن شعوره، وبدأت تلومه على تدخله في القضية وإصراره إنه يواجه العتوري بنفسه. فجأة، مراد انفجر فيها، والهدوء اللي كان عليه اتحول لبركان لوم وغضب، بس كان لوم "مستخبى" وراه خوف مرعب عليها
"أنا بحاول أبعدك يا رزان! بحاول أخبيكي من القرف ده! إنتي ليه مصرة تحشري نفسك في النار؟ ليه عايزة تفتحي على نفسك أبواب إحنا مصدقنا إنها بدأت تتقفل؟"
رزان ردت عليه بتحدي وعناد
"طبعاً هتدخل! ولو إنت عايزني ما ادخلش، يبقى ما تدخلش إنت كمان! سيب المحقق بدر يقوم بشغله وابعد إنت!"
مراد زعق وهو بيجز على سنانه
"أنا دخلت وخلاص يا رزان! الموضوع بقى شخصي، ومش هسيب حق اللي حصلنا بعد ما الخيط بقى في إيدي!"
رزان ردت ببرود وعينها في عينه
"يبقى تتحمل تدخلي.. زي ما إنت ليك حق، أنا كمان ليا حق."
مراد بصلها بغيظ مكتوم، وغصب عنه داس بنزين وزود السرعة لدرجة كبيرة، وكأنه عايز يهرب من خناقتهم دي ويوصل للفيلا في أسرع وقت عشان يقفل على نفسه. رزان في الأول كانت شايفة السرعة دي عادية، هي متعودة على سواقته، بس فجأة حست بحاجة غريبة.. الدنيا بدأت تلف بيها، وحست بـ "دوخة" فظيعة وكأن معدتها بتتقلب وعايزة تستفرغ فوراً.
حطت إيدها على دراع مراد بسرعة ونادته بصوت خافت ومكتوم
"مراد.. وقف.. وقف العربية.."
مراد بصلها بحاجب مرفوع وهو لسه على سرعته
"إيه؟ مش هنخلص من الحركات دي؟ " واضاف " مش هنزلك يارزان فماتعانديش"
رزان كررت الطلب بصوت أضعف ووشها بدأ يصفر
"بقولك وقف.. بسرعة حاسة حالي مش تمام.."
وقبل ما يلحق يسألها فيه إيه، كان ركن على جنب، وهي فتحت الباب وطلعت تجري استفرغت في أقرب حتة. مراد اتصدم، ونزل وراها بسرعة وهو في قمة لهفته وخوفه، نسي الخناقة ونسي الزعل في ثانية. جري على العربية جاب قارورة مية وشوية محارم وراح لها، سندها من ضهرها وهو بيسألها بتوتر
"رزان! مالك؟ حصل إيه؟ إيه اللي تعبك فجأة كدة؟" (وهو مستغرب لأنها متعودة على سرعته ومكنتش بتتعب كدة).
رزان كانت بتنهج ومش قادرة تتكلم، همست بتعب
"مش عارفة.. فجأة حسيت إني دُخت والسرعة تعبتني أوي."
مراد بدأ يصب المية على إيديه ويغسل لها وشها بحنان، وبعدين نشف لها بالمحارم وهو بيبص في عينيها بقلق ملوش آخر. رزان قالت له بصوت رايح
"عايزة أشرب.."
مراد مسك القارورة وشربها براحة، وسألها بنبرة كلها حنية "تمام دلوقتي؟ حاسة بوجع في أي حتة؟"
رزان أومأت براسها وهي بتسند عليه، بس كانت لسه حاسة بـ "دوخة خفيفة" وكأن جسمها مش شايلها، ومراد فضل ضاممها لصدره وهو بيلوم نفسه إن سرعته هي اللي وصلتها للحالة دي.
_______
مراد ركبها العربية، ومال عليها حط لها حزام الأمان وهو وشه قريب من وشها وعينه مليانة قلق. رزان كانت هتفتح بؤها عشان تتكلم وتعتذر أو تبرر، بس هو حط صباعه على شفايفها ووقفها بلهجة قاطعة
"مش عايز أسمع ولا كلمة يا رزان.. انسي كل اللي حصل في المكتب، وانسي خناقتنا.. إحنا دلوقتي رايحين المستشفى فوراً."
رزان حاولت تعترض بضعف
"يا مراد والله أنا بقيت أحسن، دي دوخة وراحت، مش مستاهلة مستشفى في وقت زي ده.."
مراد بصلها بنظرة حازمة مفيهاش نقاش ودور العربية "قلت هنروح يعني هنروح.. مش هطمن عليكي وأنا شايف وشك خاطف كدة."
وبالفعل، وصلوا المستشفى ودخلوا الطوارئ، ومراد مسبهاش لحظة، كان ماسك إيدها وكأنه بيسندها عليه الدكتورة كشفت عليها وعملت لها شوية فحوصات سريعة وقاست الضغط، وطلعت النتيجة إن ضغطها "واطي" جداً وغير مستقر.
الدكتورة بصت لمراد وبعدين لرزان وقالت بجدية
"واضح إنك مريتي بفترة ضغط عصبي ونفسي كبيرة جداً يا مدام رزان.. الجسم له طاقة، وإنتي حملتي نفسك فوق طاقتها بكتير. الزعل، التفكير، والخوف اللي يمكن عشتيه الفترة اللي فاتت دي كلها اتخزن في جسمك، وأول ما حصل انفعال أو حركة مفاجئة زي سرعة العربية، جسمك (عمل فصل) ومقدرش يتحمل.. إنتي محتاجة راحة تامة، وتبعدي عن أي حاجة توترك، لأن الجهاز العصبي عندك مجهد جداً."
وبعدها كتبت لها على شوية محاليل مقوية وأدوية تنظم الضغط وفيتامينات، وأكدت على مراد إنها لازم تاكل كويس وتنام ساعات كافية.
وخرجوا من المستشفى ومراد ركبها العربية تاني، ورزان المرة دي كانت قاعدة "عاقلة" وهادية تماماً، مكنش عندها طاقة حتى للعند. مراد ساق بهدوء شديد لحد ما وقف قدام صيدلية فاتحة في عز الليل.
بصلها بحنية وسند راسه على الكرسي لحظة وقالها "خليكي هنا.. مش هغيب عنك، هجيب الأدوية دي وأجيلك فوراً." رزان أومأت براسها وسندت ضهرها لورا، وفضلت مراقبة طيفه وهو داخل الصيدلية بلهفة، وحست قد إيه الراجل ده بيعشقها، وإن خوفه عليها هو اللي بيخليه أحياناً يكون حازم معاها بالشكل ده.
______
بدر كان قاعد لوحده في مكتبه، الجو هادي زيادة عن اللزوم، ومفيش غير صوت دقات الساعة وصوت أنفاسه المكتومة. كان ساند ضهره على الكرسي، والسيجارة في إيده قربت تخلص وهو مش حاسس بيها، وعينيه مركزة في نقطة فراغ على الحيطة.. النقطة اللي بيجمع فيها خيوط القضية كلها.
كان بيفكر انه إسحاق مش هيسيب طرف خيط وراه..و أكيد الست دي موجودة ببيانات مزورة، أو يمكن تحت كنية تانية خالص بعيدة عن عيلة العتوري، عشان يضمن إن مفيش أي حد يقدر يوصل لها لو فكر يراقبه.
الموضوع مكنش مجرد بحث في كشوفات المرضى، لأن بدر عارف إن إسحاق ممكن يكون دافع مبالغ خرافية عشان يوفر لها "حماية" وسرية تامة، أو حتى يكون مسجلها كـ "حالة مجهولة" بيصرف عليها من بعيد لبعيد.
فكرة إنهم يلاقوا مستشفى الأمراض العقلية دي من السجلات "مستحيلة".. العتوري ممحي أثرها تماماً، ومستحيل يكون سايب اسمها الحقيقي في أي ورقة رسمية. هم محتاجين يغيروا الخطة.. مش هيدوروا على (الاسم)، هيدوروا على (الفلوس).
لازم يراقبوا أي تحويلات مالية دورية بتطلع من شركات إسحاق الوهمية لمصحات نفسية ...
او بالاحرى ...
تتبع "فواتير الأدوية" النادرة
الست دي أكيد بتعاني من أمراض نفسية أو عصبية مرتبطة بالسن، وفيه أنواع معينة من الأدوية (خاصة المستوردة أو غالية الثمن) مش بتتصرف غير لجهات محددة أو "بطلبيات" خاصة. وبكده يراقب الصيدليات الكبرى أو شركات استيراد الأدوية، ويشوف مين "الجهة" اللي بتطلب النوع ده من العلاج بانتظام، ومين اللي بيدفع الحساب.
ويصغر دايرة البحث ، لحد ما يوصل لعدد قليل من المرضى
وهنا تبدا الخطوة الثانية إلا وهي ، المراقبة هيحط رجالته في كل مكان عشان اول ما يتحرك اسحاق لانه متحرك متحرك او يظهر تفصيل صغير يمسكوه.