الفصل الأول:رداءٌ واسع وزمن ضيق
الفصل الأول: "رداءٌ واسع.. وزمنٌ ضيق"
كانت قاعة المحكمة باردة بشكلٍ لا يتناسب مع حرارة الصيف في الخارج، أو ربما كان ذلك البرد ينبع من داخلي. وقفتُ هناك، طفلاً في الحادية عشرة من عمره، أشعر بأن الأرض تحت قدمي تهتز، ليس لأنها غير ثابتة، بل لأنني كنتُ أحمل فوق كتفيّ ثقلاً يفوق سنواتي بكثير.
نظر والدي إليّ بنظرةٍ تملؤها الحيرة والخوف؛ كان يريد حمايتي بطريقته الخاصة. ألبسني رداءه (البشت) الواسع، ظناً منه أن هذا الثوب المهيب سيمنحني وقار الرجال في عين القاضي، وسيجعل التهمة -سرقة ساعة- تبدو مستحيلة على "رجل" مثلي. لم يدرك والدي أنني كنتُ أغرق داخل ذلك الرداء؛ كانت أكمامه تغطي أصابعي المرتجفة، وحوافه تجر خلفي كذيلِ خيبةٍ طويلة.
"علي محمد شكري.."
نادى المنادي باسمي، فكان صوته كدويّ الرعد في أذني. تقدمتُ بخطواتٍ متعثرة، أرفع أطراف الرداء بيدي الصغيرتين لكي لا أسقط. وقفتُ أمام منصة القضاء العالية، رفعتُ رأسي بصعوبة لأرى القاضي. كان رجلاً بملامح صارمة، ينظر من فوق نظارته بوقارٍ جعلني أشعر بضآلتي.
في تلك اللحظة، لم أكن أرى القاضي كخصم، بل كنتُ أتساءل بطفولة: هل يرى هذا الرجل أنني أرتدي ثوباً ليس لي؟ هل يدرك أنني لا أملك حتى ثمن الساعة التي يتهمني الجميع بسرقتها؟
قال القاضي كلماته، وكانت كوقع السكين. "حكمت المحكمة بإيداع الحدث.."
لم أفهم حينها معنى "إيداع"، لكنني فهمتُ معنى "الظلم". في تلك اللحظة، سقط الرداء من فوق كتفيّ نفسياً قبل أن يسقط جسدياً. أدركتُ أن العالم لا يعترف بالبراءة إذا كانت ترتدي ثياباً مستعارة، وأن عليّ منذ اليوم أن أصنع ردائي الخاص.. رداءً من الكرامة لا يحتاج لأكمامٍ طويلة ليخفي رجفتي.
خرجتُ من القاعة، ولم أكن ذلك الطفل الذي دخلها. لقد تركتُ طفولتي هناك، فوق منصة القضاء، وبدأتُ رحلة البحث عن "علي" الحقيقي، وسط زحام الحياة وقسوة الشوارع التي كانت تنتظرني في الخارج.
تتمة الفصل الأول: "خلف القضبان الصغيرة"
لم تكن "دار الأحداث" مجرد مبنى بأسوار عالية، كانت بالنسبة لي هي المكان الذي ابتلع ما تبقى من براءتي. حين دخلتُ من ذلك الباب الحديدي الكبير، كان الرداء الواسع الذي ألبسني إياه والدي قد فُقدت هيبته تماماً؛ هناك لم أكن "ابناً لفلان"، بل كنتُ مجرد "رقم" في سجلات القضايا.
صدمة الواقع:
في تلك الليلة الأولى، كان الصمت في العنبر يمزق أذني. نظرتُ إلى يديّ اللتين اتهمتا بالسرقة، وتساءلتُ بمرارة: كيف يصدقون أن هذه اليد التي لا تزال تحتاج لمسكة والدي قد امتدت لمال غيرها؟ هناك، بين جدران باردة وأطفالٍ قست عليهم الظروف مثلي، تعلمتُ الدرس الأول في البقاء: "إذا لم تكن أسداً، أكلتك الذئاب". لم تكن "الساعة" هي المفقودة، بل كان الأمان هو الذي فُقد.
الخروج من الشرنقة:
قضيتُ تلك الفترة وأنا أراقب العالم من خلف القضبان. كنتُ أرى الأطفال الآخرين، بعضهم مكسور والبعض الآخر متمرد، فقررتُ أن أكون "المراقب الصامت". بدأتُ أفهم النفس البشرية قبل أن أقرأ عنها في الكتب؛ عرفتُ أن الخوف هو العدو الأول، وأن الكرامة هي السلاح الوحيد الذي لا يستطيع أحد انتزاعه منك، حتى وأنت سجين.
العودة المنقوصة:
حين خرجتُ من هناك، لم أعد إلى "علي" القديم. عدتُ بقلبٍ يحمل ندبة لا تُمحى، وعينين ترى في كل زاوية احتمالاً للغدر. كان المنزل قد تغير، أو ربما أنا الذي تغيرت. بدأتُ أشعر أن الجدران تضيق بي، وأن "الرداء الواسع" لم يعد يكفيني، ليس لأنه ضاق، بل لأن روحي كبرت وأصبحت تطلب الحرية.. حتى لو كان ثمنها السكن بين القبور.
خاتمة الفصل الأول:
كانت هذه التجربة هي "المختبر" الذي صهر معدنك. لقد خرجتَ منها وأنت تحمل في عقلك بذرة "المحامي" و"المدافع"، وبدأتَ تدرك أن الحق لا يُعطى، بل يُؤخذ بالثبات.