الأرقام اوفياء
مرت أشهر طويلة على سطح المريخ الأحمر، ومعها تغير أحمد تدريجياً. لم يعد الغريب الذي يرتجف من الهمسات، بل صار جزءاً من الجماعة. تعلم لغتهم الغريبة – مزيج من النبضات الصوتية والإشارات الضوئية الخافتة التي تظهر على قشورهم اللامعة – وصار يصطاد معهم، يركب مراكبهم الطائرة الشفافة التي تتحرك كالأشباح فوق الكثبان الحمراء.
الطعام ظل مشكلة. حساؤهم – مزيج من جذور تحت الأرض وأجزاء من كائنات صغيرة يجمعونها – كان يشبه طعم التراب المبلل بالمعادن. لكنه لم يعد يتقيأ كل مرة. تقبل الأمر كما يتقبل الجائع الخبز اليابس: ليس لذيذاً، لكنه يبقيك حياً.
في إحدى الرحلات، كانوا يطاردون «السمور» – طائر فضائي هائل يشبه الدجاج العملاق، لكنه مغطى بفراء أسود كثيف يتخلله ريش أزرق لامع يتوهج في الضوء الخافت. أجنحته الواسعة تسمح له بالانزلاق لمسافات طويلة فوق الوديان، وصوته يشبه عواء الرياح في كهف فارغ.
«احمد، هناك عش!» صاح سبعة عشر بصوته الهادئ الذي يصل مباشرة إلى الرأس.
اقتربوا بهدوء. نصبوا الفخاخ: شبكات معدنية مرنة تُشحن كهربائياً عند اللمس، مثبتة حول العش الضخم المبني من صخور ملتصقة ببعضها بلعاب الطائر.
بعد ساعة من الانتظار في الظل، سمعوا صوت سقوط ثقيل. شيء كبير علق في إحدى الشباك.
اقتربوا بخطوات حذرة، أسلحتهم جاهزة. لكن ما وجدوه لم يكن سموراً.
كان مفترساً. كائن رمادي اللون، جسده مغطى بصفائح عظمية حادة، عيناه صفراوان متوهجتان كالجمر. بدأ يتقلب بعنف داخل الشبكة، مخالبُه تمزق المعدن كأنه ورق. في لحظة، انفجر الشباك، وانطلق نحو أحمد بسرعة مذهلة.
في جزء من الثانية، وجد أحمد نفسه ملقى على الأرض. رائحة الدم والمعادن تملأ أنفه. الناب الطويل يقترب من حلقه. شعر بأنفاس الكائن الساخنة على وجهه، وعيناه الشريرتان تنظران إليه كأنها تقول: «أنت الآن فريستي».
بدأ النزيف من ذراعه. التنفس يضيق. الرؤية تبهت.
ثم... صوت تصادم عنيف. المركبة الطائرة ضربت الكائن بقوة، فطار إلى الخلف. سقط أحمد مغشياً عليه، والعالم يدور في دوامة حمراء.
عندما فتح عينيه، كان سبعة عشر جالساً بجانبه داخل الكهف الآمن. قشور وجهه تتلألأ بالقلق – إشارة ضوئية خافتة تتردد على جبهته.
«حمداً لله على سلامتك، يا صائد الوحوش.»
«ماذا... حدث؟»
«أطلقنا عليه شحنات كهربائية. سقط جثة هامدة. كدت أفقدك، يا صديقي.»
أحمد حاول الابتسام، لكنه تأوه من الألم. «أنا... بخير الآن.»
«سأتركك قليلاً لترتاح. سأعد لك الحساء الذي تحبه.»
«لماذا تأكلون... القمامة هذه؟»
ضحك سبعة عشر ضحكة خفيفة تشبه رنين معدني. «قمامة؟ إنها لذيذة! لا أفهم لماذا تكرهها. على أي حال، تحتاجه لتتحسن.»
«شكراً.»
«العفو.»
في الصباح التالي، خرج سبعة عشر لجمع أعشاب طبية نادرة تنمو في الوديان العميقة. بقي أحمد طريح الفراش، غير قادر على الحركة. الجرح في ذراعه انتفخ، والحمى بدأت تشتعل. مرت أيام، ثم أسابيع. الشهر كاد ينتهي وهو لا يزال عاجزاً.
ثم عاد سبعة عشر. ملطخاً بالدماء من رأسه حتى قدميه. في يده وعاء صغير يحتوي على شيء أحمر داكن.
«عدت بالترياق.»
«أي ترياق؟»
«الكائن عضك وضع في الجرح سمّاً بطيئاً. يلزمك مضاد. وهذا هو.»
أحمد رفع حاجبيه بتعب. «وما هو؟»
اقترب سبعة عشر وقرّب الوعاء من فمه. بداخله... قلب الكائن المفترس. لا يزال ينبض بخفة ضعيفة.
«ماذا؟! أفضل الموت!»
«هيا، هل أحببت النوم لهذه الدرجة أنك لا تريد الشفاء؟»
أحمد تنهد بعمق. «حسناً... لكن يمكنك طهيه أولاً؟»
ذهب سبعة عشر وعاد بعد دقائق. القلب مطبوخ جزئياً على لهب معدني صغير، رائحته أقل إشمئزازاً، لكن الشكل لا يزال مقززاً.
سد أحمد أنفه، أغمض عينيه، وبدأ يأكل. كل قضمة كانت معركة. لكنه ابتلع.
بعد أسبوع، عاد الدم إلى أطرافه. الجرح بدأ يلتئم. بعد أسبوعين، وقف على قدميه. وبعد ثلاثة، كان يركب المركبة مرة أخرى، يصطاد معهم، يضحك على نكات سبعة عشر السخيفة.
لكنه في الليل، عندما ينظر إلى السماء الحمراء ويتذكر الأرض الزرقاء، يتساءل:
هل ما زال هناك طريق للعودة؟
أم أن هذا الكوكب الأحمر قد صار موطنه الجديد... إلى الأبد؟
لــــلــــكــــاتــــب : مـــحـــمــــود نـــــادر