حكاوي هنيه (سلسلة قصص رمضانيه) - اليوم الحادي والعشرون - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: حكاوي هنيه (سلسلة قصص رمضانيه)
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: اليوم الحادي والعشرون

اليوم الحادي والعشرون

"أولُ ليالي الوتر.. وشباكُ السماء" كان الجو في البيت هادئاً بشكل مهيب مع انطلاق أذان المغرب لأول ليلة وترية. "عادل" اتصل من اعتكافه ليوصي الجميع قائلا: يا ولاد، الليلة دي وترية، يعني احتمال تكون ليلة القدر. ابذلوا مجهودكم، وادعوا لي معاكم. في الصالة، كانت "زينب" قد أعدت إفطاراً خفيفاً جداً لزوم الخفة في الصلاة، وجلست مع "سلمى" و"عمر" والجدة "هنية". كانت سلمى تمسك بمفكرتها وتكتب "قائمة طويلة" من الدعوات، فنظرت إليها الجدة وسألتها بابتسامة: بتكتبي إيه يا ست سلمى؟ دي لستة طلبات السوبر ماركت ولا إيه؟" ردت سلمى بحماس: لا يا تيتا، دي لستة أحلامي! أنا كاتبة كل حاجة نفسي فيها؛ من أول النجاح في الكلية ان شاء لله لما ادخلها، لحد 'اللابتوب' الجديد، وسفري لبره، وإن شعري يطول! مش إنتي قلتي إنها ليلة مستجابة؟ ضحك عمر وهو يتناول تمرة وقال: يا بنتي إنتي فاكرة ليلة القدر (جني هيطلعلك من الفانوس)؟ إنتي ناسية تطلبي 'فيلا في الساحل' بالمرة! يا تيتا، قولي لها إن الدعاء لازم يكون له (إتيكيت) برضو، مش قائمة مشتريات! اعتدلت الجدة "هنية" في جلستها، ونظرت إليهما بحنان الأم الواعية وقالت: شوفوا يا ولاد.. ليلة القدر دي هي (ليلة العمر). ربنا بيفتح فيها شباك من السما ويقول: (هل من داعٍ فأستجيب له؟). يا سلمى، اكتبي اللي نفسك فيه، ربنا خزائنه مليانة، بس ابدأي بـ (يا رب ارضَ عني). لأن ربنا لو رضي عنك، هيسخر لك اللابتوب والنجاح والدنيا كلها تحت رجلك. تابعت الجدة وهي تلتفت لزينب التي كانت تسبح بصمت: يا زينب، متخليش تعب المطبخ النهاردة يسرق منك ركعة الوتر. ليلة القدر يا ولاد مش محتاجة مجهود عضلي، محتاجة قلب صافي. زمان كنا بنقضي الليلة دي في بكاء ودعاء بقلب خاشع، مكنش فيه حد بيفكر في 'السحور' هياكل فيه إيه، كنا بنفكر الروح هتشبع بإيه. قال عمر بلهجة جادة لأول مرة: بس يا تيتا، إحنا بنعرف منين إنها ليلة القدر؟ بيقولوا الشمس بتبقى بيضا، والكلاب مبطلعش صوت، والجو بيبقى هادي.. أنا هقعد أراقب البلكونة طول الليل! ردت الجدة بحكمة: تراقب إيه يا واد؟ إنت هتشتغل (راصد جوي)؟ ليلة القدر يا حبيبي علامتها بتبان في قلبك مش في الجو وبس. لو حسيت برعشة في جسمك، وهدوء في روحك، ودمعة نزلت من عينك وإنت بتكلم ربنا.. اعرف إن الليلة دي ليلتك. ربنا خباها عنا عشان نجتهد في العشر أيام كلهم، مش عشان ننام تسع ليالي ونصحى ليلة واحدة نضحك على ربنا! قالت زينب بتأثر: كلامك صح يا أمي. أنا السنة دي مش هفكر في الكحك ولا في هدوم العيد في الليالي الوترية دي. هعتبر كل ليلة هي ليلة القدر لحد ما الشهر يخلص. ضحكت الجدة وقالت : أيوة كدة يا مدبرة! وسيبي 'اللستة' بتاعتك دي ياسلمي، ربنا كريم وبيحب اللحوح في الدعاء. بس يا سلمى، متنسيش تدعي لعمك 'صالح' الغلبان، ولجارتنا 'أم السعد' إن ربنا يهدي سرههم.. الدعاء للغير بيبقى مستجاب و أسرع، لأن ربنا بيقولك: ولكِ بالمثل. نظر عمر لسلمى وقال بمزاح : طيب يا سلمى، ممكن تكتبي في اللستة بتاعتك إن ربنا يهديني وما أتخانقش معاكي في العيد؟ دي محتاجة ليلة قدر مخصوص لوحدها دي ! ردت الجدة بضحكة مجلجلة: دي محتاجة معجزة يا عمر! بس ادعي، يمكن ربنا يغير حالك من حال لحال. الرسالة المستفادة: "ليلةُ القدرِ تُنالُ بالقلوبِ لا بالأبدان." لا تبحثوا عن علاماتها في السماء وتنسوا أن تطلبوها في سجودكم. اجعلوا دعاءكم شاملاً، يبدأ بطلب المغفرة والرضا، وينتهي بآمال الدنيا. تذكروا أن الله أخفى هذه الليلة لنظل في حالة "شوق" وعبادة مستمرة. لا تجعلوا الليلة تمر وأنتم مشغولون بمراقبة الجو أو ترتيبات العيد والترفيه، فليلة واحدة قد تُعيد صياغة قدركم بالكامل. الخاتمة: انطلق الجميع لصلاة التراويح، وساد البيت صمتٌ جميل. دخلت سلمى غرفتها وأغلقت هاتفها، وبدأت تدعو بصدق بعيداً عن "اللستة" الطويلة، بينما جلس عمر يقرأ القرآن بصوت هادئ. قالت الجدة هنية وهي ترفع يدها للسماء في بلكونتها: يارب، لا تحرمنا نورها، ولا تحرمنا بركتها، واجعلنا من المتقين في هذه الليلة المباركة. نادت زينب من الداخل: يا أمي، تعالي ارتاحي شوية عشان نقوم للتهجد. ردت الجدة: راحة إيه يا زينب؟ اللي يستنى القدر ميعرفش ينام.. النوم للكسالى، والليل ده للعشاق اللي بيناجوا ربهم. قومي يا بت، ده الفجر قرب والنفحات بتتوزع دلوقتي!