الفصل 35
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
استيقظت ببطءٍ شديد…
كأن الليل كله مرَّ فوق جسدها، تاركاً ثقله في عظامها وأنفاسها.
كان التعب مرسوماً على ملامحها الناعمة، وجفونها ثقيلة متورمة قليلاً من كثرة البكاء. رأسها ينبض بألمٍ خافت بعد ليلة طويلة من الانهيار… ليلةٍ استنزفت فيها ما تبقى من صبرها وكبريائها.
لم تنم إلا قرب الفجر.
حين خذلها جسدها أخيراً، وسقط في النوم رغم إرادتها.
فتحت عينيها ببطء… وحدّقت في سقف الغرفة.
لكن شيئاً ما كان مختلفاً.
صوت.
ضوضاء خافتة في الخارج.
قطبت حاجبيها.
القصر لم يكن هادئاً كما اعتادت.
جلست ببطء فوق السرير، ثم وقفت بتثاقل. تمددت قليلاً لتفك تصلب عضلاتها قبل أن تتجه نحو الباب.
فتحته قليلاً… وأخرجت رأسها نحو الممر الطويل.
الخدم كانوا يتحركون في الممر.
خادمات يحملن سلال الملابس، وأخريات ينظفن الأرضية الرخامية اللامعة. بعضهن يتحدثن بخفة، وأخرى ضحكت ضحكة صغيرة لم تحاول حتى كتمها.
كان المشهد غريباً.
هادئاً… ومريحاً بطريقة لم تعهدها.
لكن ما إن وقعت أعينهم عليها…
ساد الصمت.
اختفت الضحكات فجأة، وانخفضت الأصوات كما لو أن ستاراً ثقيلاً سقط فوق المكان.
أطرق الجميع رؤوسهم وأكملوا عملهم بهدوء.
ظلت سابين تحدق بهم لحظة.
ثم فهمت.
لا صدى لخطواته الثقيلة في الممرات.
لا أوامر باردة تُرمى في الهواء كالرصاص.
ولا ذلك الحضور الطاغي الذي يجعل الجدران نفسها متوترة.
ريكاردو ليس هنا.
أغلقت الباب ببطء.
وعادت إلى الغرفة.
جلست فوق السرير، وعيناها تجولان في المكان.
الغرفة كانت نظيفة… بصورة مثالية.
لا أثر للفوضى التي صنعتها الليلة الماضية.
الزجاج المكسور اختفى. المزهريات عادت إلى أماكنها. الكراسي مرتبة كما لو أن أحداً لم يقذفها في نوبة غضب.
كأن تلك العاصفة التي اجتاحت الغرفة…
لم تكن سوى وهم.
رفعت يدها ببطء ومسحت على شعرها المبعثر.
ثم…
توقفت.
اتسعت عيناها قليلاً.
الخاتم.
أنزلت بصرها إلى يدها.
خاتم الزواج ما زال في إصبعها.
تجمدت للحظة.
كانت متأكدة أنها نزعته البارحة.
بل… كانت متأكدة أنها رمته بعيداً.
حدقت فيه طويلاً.
الألماس الداكن يلمع ببرودةٍ قاسية فوق إصبعها.
بدا ثقيلاً… أكثر مما ينبغي.
كأن المعدن نفسه يذكّرها بالقيود التي فُرضت عليها.
زفرت ببطء.
ثم نزعته ووضعته فوق الطاولة بجانب السرير.
استدارت بعدها نحو الحمام.
أغلقت الباب خلفها وفتحت الماء.
لكنه لم يكن ماءً دافئاً.
بل بارداً.
بارداً إلى درجة قاسية.
وقفت تحته مباشرة.
انسكب الماء فوق كتفيها وشعرها، يسيل على ظهرها وذراعيها كأنه سيلٌ جليدي.
لكنها لم ترتجف.
كانت لا تزال تشعر بآثار لمساته.
وقبلاته.
كأن جلده ما زال مطبوعاً فوق بشرتها.
رفعت يدها ببطء إلى رقبتها.
علامات داكنة كانت واضحة أسفل فكها وعلى جانب عنقها.
آثار تركها ريكاردو.
عضّت شفتها بغضب.
ثم بدأت تفرك تلك الأماكن بعنف… كأنها تحاول محو أثره من جلدها.
لكن الذكرى لم تختفِ.
وبقيت.
كما يبقى العطر الثقيل في الهواء.
بعد وقت… خرجت من الحمام.
اتجهت إلى غرفة الملابس.
كانت بحاجة إلى شيء واحد فقط الآن…
أن تصفي ذهنها.
أن تستعيد نفسها.
اختارت فستاناً أسود طويلاً يشبه فساتين العصر الفيكتوري.
ضيق عند الخصر، وينساب حتى الأرض كظلٍ أسود.
القماش العميق يلمع بخفوت تحت الضوء، بينما يزين الدانتيل الداكن فتحة الصدر بأناقة قاتلة.
ابتسمت.
الفستان جميل.
سرّحت شعرها بعناية، ثم وضعت مكياجاً خفيفاً أبرز ملامحها الحادة.
بعدها أخذت وقتاً طويلاً بماحي العيوب حتى أخفت العلامات على رقبتها قدر الإمكان.
وقفت أخيراً أمام المرآة.
تأملت انعكاسها طويلاً.
كانت دائماً تعشق نفسها.
تثق بجمالها….
ابتسمت.
ثم تحولت ابتسامتها ببطء إلى ابتسامة خبيثة.
مدّت يدها وأخذت الخاتم من الطاولة.
ثم خرجت من الغرفة.
لم تمشِ بعيداً حتى لحق بها الحارس.
قال بتوتر واضح:
— يا أميرة… السيد ريكاردو أمرني ألا أتركك تتجولين في القصر وحدك. مسموح لكِ بالتنقل فقط بوجوده.
نظرت له بسخرية باردة.
— سأذهب إلى الحمام.
قال بسرعة:
— لكن يا سيدتي—
لم يكمل.
لأن سابين دفعته بقوة.
اصطدم مباشرة بإحدى الخادمات وسقط فوقها.
وفي اللحظة التالية…
كانت تركض.
ضحكت بصوتٍ مرتفع وهي تنطلق عبر الممرات كإعصارٍ أسود.
الحراس يصرخون خلفها.
والخادمات يبتسمن خفية على شقاوتها الطفولية.
ركضت حتى خرجت إلى الحديقة.
توقفت لحظة… تلهث.
ثم نظرت حولها.
حراس قصر ريكاردو كانوا متمركزين خلف المبنى.
أما الجهة المؤدية إلى قصر داميان…
فكانت خالية.
ابتسمت.
نجحت.
ركضت فوراً نحو القصر الآخر.
دخلت بسرعة.
الحراس والخدم نظروا إليها بدهشة، لكنها لم تهتم.
اندفعت نحو السلالم تركض.
ركض الحراس خلفها.
فتحت أول باب أمامها ودخلت بسرعة.
أغلقت الباب.
في الداخل…
قفزت دالين بفزع.
استدارت بصدمة.
وما إن رأتها حتى صرخت:
— سابين؟!
تجمدت سابين لحظة…
ثم صرخت فجأة:
— داااالين!!
ركضت نحوها وعانقتها بقوة.
عناق طويل… مشدود… كأنهما تحاولان تعويض الأيام التي سرقها منهما هذا العالم القاسي.
ثم ابتعدت سابين فجأة وقالت:
— هيا… سنهرب.
رمشت دالين بذهول.
— إلى أين؟!
ابتسمت سابين بخبث.
— إلى الغابة.
بعد دقائق…
كانتا تركضان بين الأشجار كطفلتين هاربتين من قفصٍ ذهبي.
الفستانان الأسود والبني يتحركان خلفهما، بينما يتسلل الضوء بين الأغصان كخيوط ذهبية.
لكن كلما تعمقتا…
ازدادت الأشجار كثافة.
وخفت الضوء.
حتى توقفتا أخيراً عند صخرة كبيرة وسط بقعةٍ هادئة من الغابة.
جلستا فوقها تلهثان.
قالت دالين بألم وتعب وهي تنظر لها بخبث:
— أخبريني… كيف هي الحياة مع ريكاردو المخيف؟
تنهدت سابين ببرود.
— مخيف؟ هذا وصف لطيف جداً له.
ضحكت دالين.
— هل قبّلك أخيراً أم ما زلتما غير منسجمين؟
رمقتها سابين بنظرة قاتلة.
— لا تفتحي هذا الموضوع.
رفعت دالين حاجبها.
— إذن قبّلك.
— لم أقل ذلك.
— وجهك يقول كل شيء.
— اخرسي.
انفجرت دالين ضاحكة.
— لا أصدق… سابين قبلك ريكاردو.
رمتها سابين بنظرة حادة.
— على الأقل أنا لم أنم معه عارية في غرفته… ولا نعلم ماذا حدث بينكما أيتها المنحرفة.
انحرجت دالين بشدة وقالت بسخرية:
— أأذكرك بأيام انحرافك؟
نظرت لها سابين بسخرية ثم سكتت للحظات وقالت بإحراج:
— نعم… لقد قبّلني.
تجمدت دالين وخفضت رأسها بإحراج وقالت:
— وأنا أيضاً…
وأيضاً عرض عليّ الزواج.
رفعت سابين رأسها بصدمة:
— وأنا أيضاً.
توقفتا.
ثم نظرتا لبعضهما.
— ماذا؟!
— ماذا؟!
في نفس الوقت.
ثم…
انفجرتا ضاحكتين.
— هل وافقتِ؟ — قالت سابين بسخرية.
— ايووو… مستحيل.
— وأنتِ؟
قالت دالين بضحك ساخر:
— وأنا أيضاً لا… لكني أفكر ربما أوافق
، أنه رجل مجنون مهوس .
ضربتها سابين عند كتفها، فتأوهت بألم . فاحتضنتها بصدمة وقالت:
— حمقاء! لما قلتِ هذا… غبية… غبية…
ساد الصمت فجأة… ثم انفجرتا ضاحكتين.
لكن السماء فوقهما بدأت تتغير.
الغيوم السوداء تجمعت ببطء.
ثم…
سقطت أول قطرة مطر.
.
.
.
في القصر
كان المطر قد بدأ يهطل عندما عاد ريكاردو.
دخل القصر مع داميان بعد يومٍ شاق في أعمال المافيا.
جلسا على الأريكة الجلدية في القاعة الواسعة.
كان يرتدي ملابس سوداء قاتمة تشبه الليل نفسه.
قميص أسود مفتوح قليلاً عند العنق، فوقه معطف طويل ثقيل يتدلى على كتفيه ببرودٍ مهيب.
بنطال داكن ضيق.
أحذية جلدية سوداء لامعة.
لكن أكثر ما كان يلفت النظر…
قفازاه.
قفازات جلدية سوداء…
ملطخة بآثار دم لم تجف بعد.
كان يمسك سيجارة بين أصابعه المغطاة بالجلد الأسود.
دخانها يتصاعد ببطء حول وجهه البارد.
اقترب أحد الحراس…
وهو يرتعش.
— س… سيدي…
رفع ريكاردو عينيه ببطء.
نظرة واحدة فقط…
كانت كفيلة بإسكات قلب الرجل.
— اختصر.
قال الحارس بصوت مرتجف:
— الأ… الأميرة… ليست في القصر.
ساد صمت ثقيل.
وقف داميان فوراً.
— ماذا تقصد ليست في القصر؟
ابتلع الحارس ريقه.
— هربت… ومعها الآنسة دالين.
تغير وجه داميان فوراً.
صرخ بغضب:
— كيف؟! إنها مصابة… ما زالت مريضة!
أما ريكاردو…
فبقي ساكناً.
أطفأ سيجارته ببطء.
ثم قال بهدوء مخيف:
— منذ متى؟
— منذ… نصف ساعة تقريباً.
نظر داميان إلى الخارج حيث العاصفة بدأت تعصف.
ثم قال بحدة:
— الغابة.
رفع ريكاردو رأسه ببطء.
هو يعرف.
والآخر كذلك.
الغابة هي المكان الوحيد الذي قد تفكران فيه.
في الخارج…
كانت السماء قد تحولت إلى كتلة سوداء.
الرياح تعصف بين الأشجار.
والمطر الغزير يضرب الأرض بلا رحمة.
ركبا السيارة وانطلقا نحو الغابة.
وعندما وصلا…
ترجلا فوراً.
المطر ينهمر فوق معاطفهما السوداء، والظلام يبتلع الطريق.
دخل ريكاردو الغابة أولاً.
وقفازاه الملطخان بالدم يلمعان تحت ومضات البرق.
قال بصوتٍ منخفض غاضب …
— تلك الشقية لا تهدأ.