الفصل الثاني والأربعون بعد المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
ارتفعت الأصوات خلف الباب، أصوات حادة تتشابك فيها الصرخات مع الشتائم والافتراءات.....
أمّا هي… فقد انسحبت إلى داخل الغرفة كغزالةٍ جريحة تبحث عن آخر زاوية آمنة في هذه الغابة. أغلقت الباب خلفها بسرعة مرتعشة، ثم استندت إليه بظهرها .
انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض، ضمّت ركبتيها إلى صدرها بذراعيها المرتعشتين....كانت شفتاها ترتجفان ارتجافاً خفيفاً، وأسنانها تضرب بعضها بعضاً في صوتٍ خافت كارتطام شظايا الزجاج المنكسر .
وفي تلك اللحظة القاسية… أيقنت يقيناً لا شك فيه أن هذا اليوم قد يكون نهايتها.
لم تجد ما تتشبث به .....أغمضت عينيها بشدة، وبدأت تكرر بصوتٍ مرتجف وأنفاس متقطعة /
أشهد أن لا إله.... إلا الله… وأشهد أن... محمداً رسول الله…
كانت الكلمات تخرج من بين دموعٍ تنهمر بلا توقف، كأن سدّاً في داخلها قد انهار فجأة، فاندفعت الدموع كشلالٍ لا يعرف التوقف.
لكن الأصوات في الخارج لم تهدأ… بل ازدادت شراسة.
وفجأة ارتفع صوت رجلٍ واحد، خشنٍ متوحش، كأنه يخرج من صدرٍ يغلي بالكراهية.
صرخ قائلاً بصوتٍ يهتز بالغضب /ما يكون اسمي جاسر لو ما ذبحتك بيدي يا كلبة… يا لواطية!
ارتجف جسدھا كله عند سماع الكلمات، كأن كل حرفٍ منه كان خنجراً يندفع نحو صدرها.
ثم توالت الضربات على الباب.
طرقة…
ثم أخرى…
ثم ثالثة أقوى من سابقتها.
كانت الضربات تتلاحق بعنف حتى بدا الباب وكأنه يئن تحتها.
وفي الخارج كانوا يكررون اسمها، لكن ليس كاسمٍ ينادونه بها… بل كاتهامٍ يلقى في وجهها.
كانوا يرمونها بأبشع الصفات...
يتهمونها في شرفها....
في عرضها.....
لم يتركوا لها شيئاً لم يدنسوه بكلماتهم.
كانت تسمع كل ذلك…...
كيف لهم أن يشكوا بتربيتها؟
كيف لهم أن يشكوا بنقائها إلى هذا الحد؟
لكن النار في الخارج لم تكن تكتفي بما قيل،كان هناك من يزيدها اشتعالاً......فارس.....كان صوته كالبنزين حين يُسكب فوق النار.
صرخ بعنف، وصوته يحمل غضباً مسعوراً /اخرجي! انتي والكلب اللي هربتي معاه! وينك يا رخمة؟! اطلع ...
تغلغلت كلماته في صدرها كطعنةٍ أخرى....
رفعت يديها بسرعة وغطّت أذنيها، وكأنها تحاول أن تمنع تلك الكلمات من الوصول .
بدأت تهز رأسها بقوة، والدموع ما تزال تنهمر على خديها.
همست بصوتٍ مكسور بين شهقات الخوف/
يا ربي… يا ربي… راح يقتلوني…
يا ربي… رحمتك يا ربي…
لكن ما خافت منه لم يكن في الخارج فقط....
فجأة شعرت بشيءٍ آخر يهاجمها من الداخل....
شيء تعرفه جيداً
شيءٌ كانت تخشاه منذ الصغر ...ولا تزال تخشاه...
نوبة الربو.....
بدأ صدرها يضيق فجأة، كأن يداً خفية انغلقت حول عنقها وأخذت تضغط بقسوة.
حاولت أن تأخذ نفساً… لكن الهواء رفض أن يدخل.
أنزلت يديها إلى الأرض، وقواها بدأت تخور بسرعة.
صدرها يعلو ويهبط بعنف، لكن الهواء لا يكفي.
بدأت تزحف في الغرفة على يديها وركبتيها، وكل حركةٍ منها كانت تشبه معركة صغيرة مع جسدٍ خانها في أسوأ لحظة.
تقدمت نحو الحائط واستندت إليه محاولة أن تنهض.
نهضت بصعوبة…
خطواتها متعثرة، غير متزنة، كأن الأرض تحتها تتحرك
بدأت تفتش في الغرفة بجنون،تقلب الأشياء و تبعثر الأغراض..... تبحث عن شيءٍ واحد "بخاخ الربو"
قلبت الغرفة رأساً على عقب…لكنها لم تجده.
وفي الخارج… كانت الأصوات تزداد..والتهديدات بالقتل لا تزال مستمرة وبنفس الوعيد ....
رفعت رأسها فجأة، وقد لمع في ذهنها شيءٌ كالصاعقة....
تذكرت....لقد تركته في الصالة.
تجمدت ملامحها للحظة
حاولت أن تخطو خطوة أخرى…
لكن قدميها خانتاها و انهارت على الأرض.
سقطت بلا قوة، وصدرها ما يزال يصارع الهواء.
كانت تتمتم بصوتٍ ضعيف، بالكاد يُسمع /لا يا رتيل… لا تسوي هالشي… بنفسك…
بدأت تزحف نحو الباب ببطء .كل حركةٍ كانت تسحب معها ما تبقى من قوتها.مدّت يدها المرتجفة نحو المقبض و فتحته بصعوبة.
انفتح الباب قليلاً…وبقيت تزحف خارجة من الغرفة
وفي عقلها كانت الصور تتدافع...تخيلت وجوههم الغاضبة...تخيلت سكاكينهم الحادة الباردة كيف ستمر على رقبتھا ....واي طريقة ھذه التي سيقتلونھا بھا
خطر في بالها أن حالتها هذه قد تجعل الأمر أسهل عليهم.....لو وجدوها هكذا…ضعيفة…تلهث…سيكون ذبحها أسهل....ولن يشفقوا عليها.فكل ما قالوه كان كافياً ليخبرها أنهم تجردوا من إنسانيتهم قبل أن يأتوا أصلاً للبحث عنها.
رفعت رأسها بصعوبة وهي تزحف على الأرض ...رأت
بخاخ الربو خاصتھا .
كان موضوعا على حافة الطاولة في الصالة.لكن المسافة بينها وبينه كانت تبدو أطول مما يجب....تحتاج جهداً.
والجهد… هو الشيء الوحيد الذي لم يعد لديها.
رفعت رأسها مرة أخرى محاولة أن تتنفس…
لكن صدرها رفض.
عضّت شفتيها بقوة حتى ظھرت قطرات من دماء عليھا ....ثم بدأت تجر نفسها على الأرض.
ببطء…
بألم…
اقتربت من الطاولة ،مدّت يدها المرتجفة نحو الحافة…لكنها لم تستطع أن تمسكها جيداً.اصطدمت يدها بالبخاخ فسقط على الأرض.
أغمضت عينيها لحظة وكأنها تستجمع ما تبقى من قوتھا ....ثم مدّت يدها وسحبته بصعوبة نحوها.
رفعت البخاخ إلى فمها…
واستعملته.
مرة…
ثم مرة أخرى....
مرت لحظات ثقيلة.....وببطء… بدأ صدرها يهدأ.
عاد الهواء يدخل إلى رئتيها بصعوبة…
لكن بينما كان جسدها يحاول أن يستعيد أنفاسه…
كان العالم حولها ينهار.
فجأة دوى صوت والدها من الخارج، غاضباً حاداً كالسوط /اكسر الباب! وش تستنى؟!
ساد صمتٌ قصير…
ثم تقدّم جاسر نحو الباب وقد تغيرت ملامحه إلى قسوة باردة، وكأنه اتخذ قراره الأخير.رمى بثقل جسده على الباب.
اصطدم به بقوة....
المرة الأولى....اهتز الباب بعنف.
المرة الثانية.....صدر صوت قفل الباب وھو يھتز .
أصبح الباب قاب قوسين أو أدنى… من الانكسار....