الفصل: بيتٌ جديد... وافكار لاتنام
لم تكن السماء في ذلك المساء صافية تمامًا.
كانت غيوم رمادية خفيفة تسبح ببطء فوق المدينة، وكأنها تفكر هي الأخرى قبل أن تمطر.
في نهاية شارع هادئ تحيط به أشجار قديمة، توقفت سيارة سوداء أمام منزل صغير من طابقين.
البيت لم يكن فخمًا… لكنه كان دافئًا بطريقة غريبة، كأنه بيت عاش فيه الكثير من القصص.
نزل الرجل أولًا من السيارة، ثم فتح الباب الخلفي.
كانت آية تجلس بصمت.
شعرها مبعثر قليلًا، عيناها تراقبان كل شيء بحذر، كأنها حيوان بري لا يثق بالعالم.
لكن خلف ذلك الحذر… كان هناك شيء آخر.
شيء يشبه التعب.
وقف الرجل أمامها وقال بنبرة هادئة:
"انزلي يا آية… وصلنا."
لم تجب.
اكتفت بالنظر إلى البيت، ثم إلى الباب الخشبي، ثم إلى النوافذ.
في تلك اللحظة… فُتح الباب.
ظهرت فتاة في العشرينات تقريبًا.
شعرها البني الطويل مربوط بإهمال خلف رأسها، وترتدي سترة منزلية واسعة.
كانت ياسمين.
توقفت للحظة وهي تنظر إلى آية.
شيء ما في تلك الفتاة شدّ انتباهها فورًا.
لم تكن مجرد طفلة ضائعة.
كان في عينيها شيء… يشبه الحكايات التي لم تُحكَ بعد.
ابتسمت ياسمين ابتسامة هادئة وقالت:
"أنتِ آية؟"
رفعت آية حاجبها قليلًا.
ثم قالت ببرود:
"ربما."
ضحك الرجل بخفة وقال:
"لا تنتبهي لها… هي دائمًا هكذا."
اقتربت ياسمين ببطء، وكأنها لا تريد أن تخيفها.
ثم مدت يدها بلطف.
"أنا ياسمين."
نظرت آية إلى اليد الممدودة.
بقيت لحظة صامتة.
ثم صافحتها أخيرًا.
يدها كانت باردة.
لكن ياسمين شعرت بشيء غريب…
شعرت كأن هذه الفتاة ستغيّر حياتها بطريقة ما.
قالت ياسمين بابتسامة:
"تعالي… البيت بيتك."
دخلوا جميعًا.
كان الداخل بسيطًا لكن مرتبًا.
رائحة القهوة تملأ المكان، مع عطر خفيف يشبه الياسمين الحقيقي.
آية كانت تدور بعينيها في كل زاوية.
الكنبة.
الطاولة الخشبية.
الصور المعلقة على الجدران.
قالت فجأة:
"عندك ذوق جيد."
ضحكت ياسمين.
"شكرًا… أخذت رأي الإنترنت."
قالت آية ببرود:
"خطأ كبير."
نظر الرجل إليهما ثم هز رأسه ضاحكًا.
"أترككما تتعرفان على بعض."
وقبل أن يغادر… نظر إلى آية قليلًا.
كانت نظرة تحمل قلقًا… وأملًا في الوقت نفسه.
ثم خرج.
بقيت آية واقفة في الصالة.
قالت ياسمين بلطف:
"هل أنتِ جائعة؟"
هزت آية كتفيها.
"دائمًا."
ابتسمت ياسمين.
"جيد… لأنني طبخت أكثر مما يجب."
بعد الطعام… أخذتها ياسمين إلى الطابق العلوي.
فتحت باب غرفة صغيرة.
الغرفة لم تكن كبيرة… لكنها جميلة.
سرير أبيض.
مكتبة صغيرة.
نافذة تطل على الحديقة.
قالت ياسمين:
"هذه غرفتك."
دخلت آية ببطء.
لمست الستارة… ثم نظرت إلى السرير.
قالت بصوت منخفض:
"لي؟"
أجابت ياسمين ببساطة:
"طبعًا."
ثم فتحت خزانة.
أخرجت منها عدة قطع ملابس.
"اشتريت هذه اليوم… لا أعرف مقاسك بالضبط."
أمسكت آية أحد القمصان.
قماش ناعم… جديد.
لم تقل شيئًا.
لكن عينيها لمعتا قليلًا.
قالت ياسمين:
"إذا لم تعجبك… نغيرها."
قالت آية بسرعة:
"تعجبني."
ثم أضافت ببطء:
"لم يشترِ لي أحد ملابس منذ…"
سكتت.
لم تكمل.
لكن ياسمين فهمت.
اقتربت منها قليلًا وقالت بلطف:
"من اليوم… لن ينقصك شيء."
نظرت آية إليها طويلاً.
ثم قالت فجأة:
"أنتِ لطيفة أكثر من اللازم."
ضحكت ياسمين.
"سيئة؟"
قالت آية:
"الناس الطيبون… يتأذون كثيرًا."
سكتت ياسمين لحظة.
ثم قالت:
"ربما… لكنهم يجعلون العالم أقل قبحًا."
نظرت آية إلى الأرض.
ثم قالت بهدوء:
"سنرى."
لكن في داخلها…
شيء صغير بدأ يلين.
شيء يشبه… بداية حب.
---
في مكان آخر… خلف الأسوار
كان مطبخ السجن يغلي بالحرارة.
قدور ضخمة.
بخار.
صراخ الحارسات.
لكن وسط كل هذا… كانت علا تتحرك بهدوء.
يدها تقطع الخضار بسرعة محترفة.
عينها تراقب النار تحت القدور.
قالت إحدى السجينات وهي تلعق أصابعها:
"والله يا علا… لو فتحتي مطعم خارج السجن نصبح كلنا زبوناتك."
ضحكت علا.
"المشكلة أن الزبونات هنا لا يدفعن نقود."
ردت أخرى وهي تخرج سيجارة:
"لكن ندفع بعملة أفضل."
أمسكت السيجارة ولوّحت بها.
ابتسمت علا.
وهكذا بدأت الفكرة.
طبق إضافي…
مقابل سيجارة.
قطعة لحم…
مقابل اثنتين.
بعد أسابيع قليلة…
بدأت النساء يتجمعن حولها.
ليس لأنها قوية…
بل لأنها مفيدة.
وفي السجن…
الشخص المفيد يصبح مهمًا.
قالت إحدى السجينات للحارسة يومًا:
"إذا أردتم أن يبقى المطبخ يعمل… اتركوا علا تديره."
وبالفعل…
شيئًا فشيئًا…
أصبحت سيدة المطبخ.
قريبة من الحارسات…
ومحبوبة من السجينات.
لكن في الليل…
حين تعود إلى زنزانتها…
كانت تجلس وحدها.
تنظر إلى السقف.
وتفكر.
قالت لنفسها مرة بصوت خافت:
"غبية."
كانت تكرر الكلمة.
"غبية… غبية… غبية."
لو لم ترتكب ذلك الخطأ…
لو لم تثق بذلك الشخص…
لو لم تدخل تلك الصفقة…
لما كانت هنا.
لكن التفكير بالماضي… لا يفتح الأبواب.
الهروب فقط… قد يفعل.
بدأت تراقب كل شيء.
أوقات الحراس.
مخارج المطبخ.
الأبواب الخلفية.
قالت لنفسها ذات ليلة:
"يومًا ما… سأخرج."
وكان في عينيها شيء خطير.
الأمل
في مكان آخر… بعيد عن القانون
في مكتب واسع تغرقه إضاءة خافتة، جلس رجل خلف مكتب ضخم من الخشب الداكن.
ستائر سميكة تحجب النوافذ، ورائحة دخان ثقيلة تملأ الغرفة.
كان الرجل يضحك.
ضحكة طويلة… باردة… كأنها لا تنتمي لإنسان طبيعي.
وقف أحد رجاله أمامه وقال:
"الأمر انتهى."
رفع الرجل حاجبه ببطء.
"تقصد… الشركة؟"
أومأ الرجل.
"نعم. تم التحقيق معها صباح اليوم… والشرطة الاقتصادية أغلقت معظم فروعها."
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه.
أشعل سيجارة ببطء، وكأن اللحظة تستحق الاحتفال.
قال بهدوء قاتل:
"حذّرتها."
نفث الدخان في الهواء ثم أضاف:
"قلت لها إن السوق ليس مكانًا للأغبياء… وأن التعاون معي سيجعلها أغنى مما تتخيل."
سكت لحظة، ثم ضحك من جديد.
"لكنها كانت عنيدة."
قال الرجل الذي يقف أمامه:
"كانت تقول إن شركتها بُنيت بجهدها… ولن تدخل في أعمال قذرة."
ضحك رئيس العصابة بصوت أعلى.
ثم قال ساخرًا:
"الناس الذين يتحدثون عن الشرف في عالم المال… يضحكونني."
انحنى قليلًا إلى الأمام فوق مكتبه.
"هل رأيت الأخبار اليوم؟"
هز الرجل رأسه.
"كل القنوات تتحدث عنها… صاحبة واحدة من أكبر الشركات في المدينة… متهمة بالتهرب الضريبي وغسيل الأموال."
ابتسم ابتسامة باردة.
"لم أحتج حتى للمسّ بها."
أخذ نفسًا من سيجارته.
"يكفي أحيانًا أن ترفض التعاون معي… حتى يسقط كل شيء فوق رأسك."
ثم اتكأ على كرسيه.
وهو يضحك… ضحكة هادئة هذه المرة.
ضحكة رجلٍ اعتاد أن يرى الناس يسقطون…
فقط لأنهم قالوا له لا.
"لكن بعض الناس يفضلون السقوط… على الركوع."