زهرة الهاشمي - الفصل 5 - بقلم مجهول - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: زهرة الهاشمي
المؤلف / الكاتب: مجهول
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

*˙⁠❥⁠˙⁠ࢪواية زهرة الهاشمي13-14-15والاخير˙⁠❥⁠˙⁠* ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏*تـم مـشـارڪه الـࢪوايـة مـن قـنـاة عالم الروايات ‏‏تابع قناة عآلُم آلُرۆآيَآتٌ آلُجٍميَلُةّ/روايات وقصص حب ودين اقتباسات عميقة نكت بوستات وصور واستوريهات في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029Vb01xFo7DAX1UxQAXc2j زهرة الهاشمي الفصل الثالث عشر"صلح" استمرت في بكائها ولم تتوقف سوى بعدما شعرت به يطوق جميع بدنها بذراعيه بينما أحد كفيه يربت على ظهرها بحنو بالغ، انتفضت بصدمة من فعلته فشعر بها ليحمحم بهدوء قبل أن يبتعد عنها متمهلًا لينشد بصوته الشجي الذي تدفق منه الحنان إحدى الأناشد التي كان قد استمع إليها قديمًا فعلقت بذهنه - ما كنت أعرِف كيف يبكي الياسَمين حتى رأيتكِ في بكائكِ تغرقين ما جفَّ دمعك في عيوني لحظةً وأنينكِ المجروح علمني الأنين لما بكيتِ صغيرتي علمتني ما خبأته الأرضُ من وجع السنين أبنيتي سيطل من أوجاعنا فجر نقي الروح وضّاء مبين تنهدت بقوة وشعور غريب يعتريها لم تستطع تفسيره، أهو خجلًا منه ومما فعل أم حزنًا لقسوته عليها بسبب فعلتها التي لم تكن لتتعمدها أبدًا، أم تأثرّا بصوته الذي كان أول من طرق على باب فؤادها ليستوطنه بعدها باحتلال لا رجعة فيه. نظر إليها بأعين لامعة ليقول بصوت هامس - أنتِ عارفة إن أكتر حاجة بتوجعني هي دموع القوارير... فما بالك بقا لو كانت دموع الأميرة بتاعتي، ليكِ إنك تتخيلي الشعور اللي أنا حاسس بيه دلوقتي. لم تقدر سوى على استدعاء الصمت ليقف حاجزًا بينهما بهذا الموقف ليردف بعتاب خفي - أنا بعتذر على الطريقة لكن مش بعتذر عن الكلام اللي قلته، لأن كل ما بفتكر إن حد ممكن يكون شافك وأنتِ كدا بتعصب أكتر. وأخيرًا نحت الصمت جانبًا لتقول باندفاع - بس أنا مكانش قصدي وربنا سبحانه وتعالى أكرم من إنه يحاسبني على ذنب متعمدتش أعمله - تمام بس ربنا قال لنا بردوا إننا نحترس ونفكر قبل ما نعمل أي حاجة. - إن شاء الله مش هتتكرر تاني. صمتت قليلًا لتتابع بعدها وأكيد مش هتتكرر تاني عشان ربنا مش عشانك. ابتسم بخفة حينما استشعر طفولتها التي أخبرته بأنها مازالت غاضبة منه ليقول - ماشي يا ستي اللي يرضي ربنا سبحانه وتعالى أكيد هيرضيني وإنك متعمليش حاجة عشان رضاه مش عشاني دي حاجة تفرحني مش تزعلني. أومأت بعناد وهي تشعر بأنها مازالت بحاجة للقصاص منه لتتمتم بخفوت جعله لم يتبين ما تقول - قال جاي عشان يصالحني يقوم ينكد عليا من قبل ما يوصل، دا أنت رهيب. عقد حاجبيه بعدم فهم لما تقول ليسألها بمرح - بتبرطمي تقولي إيه؟ - مفيش رفع أحد حاجبيه لها بعدم تصديق لتبتسم بخفوت جعله ينصدم من رد فعلها وتحول مزاجها الغريب ذاك. - على فكرة أبي ودى تليفوني عند البشمهندس اللي في أول الشارع وقاله إنه هيتصلح على بكرة إن شاء الله نظر إليها باهتمام لما تقول لتوميء مؤكدة لكلامها فحمد ربه سرًا عازمًا على شراء هاتف جديد لها حينما يتيسر له الأمر. في صباح اليوم التالي جلست "خديجة" ببهو المنزل مرتدية كامل ثيابها باضطراب، لا تدري ماذا عساها أن تفعل، فاليوم من المفترض أن يجتمع فيه جميع إخوة يونس في منزل أبيه للاحتفال بختم ابنة شقيقته لكتاب الله، ظلت تجوب بأنظارها جميع أنحاء المنزل عله يظهر في أحد الأركان ويخفف من حيرتها ولكن لا أثر له منذ أن استيقظت من نومها. عقدت حاجبيها باندهاش وقلق بدأ بطرق أبواب قلبها من ذاك الظلام الذي يحيط بغرفته حتى الآن، فهو من المفترض أن يستيقظ الآن ليوصلها إلى منزل أبيه قبل أن يذهب إلى محل عمله كعادتهم إلا أنه الآن قد بدل تلك العادة. نهضت من مكانها لتتهادى بخطواتها إلى حيث غرفته حتى طرقت مرة واحدة برفق إلا أنها لم تصلها أي إجابة، فتحت الباب بهدوء لينعقد حاجبيها باندهاش شديد وهي تراه مازال غارفًا في نومه فاقتربت منه سريعًا بقلق لتتفحص جبينه بتوتر إلا أنها تنهدت براحة وهي تشعر باعتدال حرارته، قربت كفها منه مرة أخرى لتتيقن من عدم مرضه وقبل أن تصل يدها إلى جبينه وجدت شلالان بلون العسل يحدقان بها، برقت عينيها بصدمة مصحوبة بالخجل لترفع يدها سريعًا إلا أنها توقفت بمنتصف الطريق وهي تشعر بكفه يقبض عليها برفق وقوة بذات الوقت، حاولت جذب يدها بعنف إلا أنه لم يرد إفلاتها لتنظر إليه بضيق مصطنع فتمتم بصوت مبحوح من أثر النوم - بقالي كتير مفتحتش عيني على أجمل منظر شوفته بحياتي فاتعمدت النهاردة مقومش إلا ما يحصل. توردت وجنتيها بقوة وأرادت أن تنفرد بعيدًا بخجلها إلا أنها لم تستطع سوى الانصهار أكثر تحت نظراته التي أبت أن ترحمها فقالت بصوت وصل إلى مسامعه بإجهاد - يلا عشان المفروض نروح عندكوا دلوقتي الساعة عشرة وأكيد إخواتك على وصول لم يرمش لعينيه جفن وكأنه يأبى أن يفعل فيكتشف أن ما يعايشه ليس سوى حلمًا فرددت بخفوت - يلا تنهد بقوة قبل أن يفلت يدها بقوة لينهض بعدها بحركة مفاجئة جعلتها تنظر إليه باندهاش فغمز لها بإحدى عينيه مبتسمًا قبل أن ينحنى مقبلًا خدها الأيمن على غفلة منها ثم ذهب إلى المرحاض بخطوات واثقة وكأنه لم يفعل شيء. نظرت إلى أثره بصدمة شديدة من بروده ذاك ثم شردت بعقلها قبل أن ترتفع أناملها لتمررها على وجنتها برفق شديد! ********** استيقظ"هاشم" في العاشرة صباحًا بعدما قضى الليل بأكمله يناجي ربه ويدعوه أن يفك كربه، فقد اشتد عليه البلاء وضاق به الحال حتى لم يعد بجيبه سوى بضع جنيهات ومن المفترض أن اليوم هو المحدد من كل شهر ليعطي أمه بعضًا من الأموال كمساعدة منه بحاجات البيت جلس على فراشه قليلًا ليتفحص هاتفه بعدما انتهى من ركعتي الضحى وسرعان ما سقط قلبه بين قدميه ونفس المشهد يتكرر بذات الصورة التي نشرت عنه قبل عدة أيام، هرولت عينيه بين الحروف ليكتشف ما كتب عنه هذه المرة ليجد رسالة دُوِّن فيها " رسالة بحق هذا الرجل الذي لم أرَ منه سوى الخير والصلاح، أنا زوج تلك المرأة التي كانت قد أرفقت صورته على بعض الكلمات التي أساءت بها إليه، أريد أن أشهد شهادة حق بأن زوجتي هي من أساءت إليه، فهي وللأسف كانت تعاني من مرض نفسي بسبب حب المال والذي يرغمها على جمعه بأي طريقة حتى أنها انصاعت لأحد الرجال المنافسين للشيخ هاشم في السوق والذي طلب منها افتعال تلك المشكلة معه مقابل ثمن بخس، لا أريد ذكر تفاصيل أكثر من ذلك رغم أنني أود لو أفضح أمر ذاك الذي حملها على أذية الشيخ إلا أنني سأسلك طريق ستر أخ مسلم بعدما نصحته وانصاع إلى نصيحتي، وبالنهاية أود أن أخبركم أن الأمر ليس كما رأيتم فزوجتي قد بدلت الحقيقة لدرجة لا تمت للواقع بصلة، أُنهي رسالتي باعتذار كامل للشيخ عنها وأتمنى وأطلب منه بخجل شديد لو يصفح عما قد سلف منها فهي الآن بين يدي الله" أنهى هاشم قراءة الرسالة بصدمة شديدة، خبر وفاة تلك المرأة صعقه وجعله يتمتم عدة مرات - عفوت يا ربي عفوت، اللهم أحسن خاتمتي ولا تقبضني إليك ظالمًا ولا مفتريًا على أحد. خرج من غرفته بوجه باهت يفكر بحال تلك المرأة وكيف لتلك التي كانت تتحداه بقوة منذ عدة أيام أن تكون الآن تحت التراب ولم تصطحب سوى ما قد أسلفت فد دنياها، ربما يشعر البعض بالاندهاش من موقفه ومسامحته لها دون سابق تفكير إلا أن رهبة الموت جعلته يعفو ويخشى أن يتوفاه الله جائرًا على أحد. جلس بوجه مهموم بجوار والدته التي نظرت إليه تقول بسعادة غير منتبة لحالته - تعرف يا هاشم، الأرض بتاعة والدك الله يرحمه اللي كان عليها مشاكل اتباعت النهاردة وجابت مبلغ حلو أوي يغطي زواجك وأكتر كمان الحمد لله ربنا مبيسبش حد نظر إليها بذهول هذه المرة واندهاش من هذه المواقف التي حدثت معه بذات الوقت، فسبحان من فك كربه بدقيقة واحدة وكأن الدعاء الذي ظل يناجي الله به طيلة ليلة خرج من قلبه ليتحقق بذات اللحظة، فقضية المركز الخاص به وقسوة الحالة المادية عليه قد انحلا بأكثر مما كان يريد، فالمولى لم يجب على دعائه بمثل ما أراد، لكنه تعالى أجابه بفيض كرمه ورحمته ليجعله ينحني تجاه القبلة يسجد لله شاكرًا باكيًا حامدا. ............. لم تمر دقائق على هذا الموقف سوى وصوت رنين هاتفه اشتعلت به أصوات الإشعارات من جميع المواقف، ترك الهاتف بجيب جلبابه دون أن يجيب على أحد، حقيقة هو يأبى الإجابا لعلمه أن المتصلين لن يفعلوا سوى الحديث أن تلك المرأة وهذا مالا يريده. تذكر زهرة التي أخبرته أن هاتفها سيكون بحوذتها اليوم فقرر محاولة الاتصال بها ليفاجئه صوتها وهي تقول بسعادة - مبارك يا حبيبي ظهرت براءتك والناس كلها عرفت الحقيقة - الحمد لله كنت واثق إن ربنا مش هيخذلني أبدًا شعر بها تبتسم على الجهة الأخرى على الرغم من أنه لم يصل إليه أي صوت منها ليردف بمكر بعدما أدرك تلك الكلمة التي نعتته بها للمرة الأولى - الله يبارك فيك يا حبيبتي وزهرة أيامي يا أم إيه نسيت كنت قلت اسم إيه ابتسمت بخجل وهي تتحاشى ذكر ذلك الاسم أمامه كي لا يتذكره مرة ثانية ليقول بعدها - خلاص مش مهم نختار اسم تاني - لأ بص استنى أنت متشغلش بالك بالأسماء الله يكرمك مش هنعقد العيال احنا عندنا موضوع مهم عايزة أكلمك فيه عقد حاجبيه بتساؤل لتردف - إحنا عاملين حفلة النهاردة لبنت أختي وكلنا متجمعين كنت حابة تحضر. - حفلة عيد ميلاد! هتف باستنكار واستبعاد لكون الشيخ منتصر يقيم حفلات أعياد ميلاد لأهل بيته فأجابته بنفي - لأ طبعًا إحنا مبنحتفلش بأعياد ميلاد دا حفلة عشان هي ختمت القرآن وكنا واعدينها نحتفل بيه هو دا مش سبب كفاية إننا نفرح ونحتفل بيها! هز رأسه ليجيبها بسعادة داخلية - دا أحلى سبب ربنا ينفع بيها ويبارك فيها يارب ابتسمت لتصمت قليلًا قبل أن تسأله برجاء - ها؟ هتيجي - مش عايز بس أضيق عليكوا هزت رأسها لتقول بتوضيح - لأ خالص أزواج إخواتي هيكونوا موجودين كلهم يعني كدا كدا في رجال وبعدين إحنا في مكان وهما في مكان. أومأ متفهمًا ليستفسر منها عن موعد الحفل ثم أخبرها بأنه سيذهب قليلًا إن استطاع ترك عمله. أغلق معها الهاتف وهو يشعر بقلبه مطمئن بعد محاورتها، وخاصة حينما لم تتطرق بالحديث عن تلك المرأة كعادة تلك النساء حينما يغضبن من أحد، فهي قد أكدت له أن الشيخ منتصر قد روى ظمأ عقلها بحديثه صلى الله عليه وسلّم (لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) .......... على استحياء سارت برفقته حيث وجهتهم إلى بيت أبيه، تشعر به وهو ينظر إليها بين الحين والآخر عله يعلم ما تفكر به إلا أنها تتصنع الغضب منه، ولكن كيف لجسدها أن يظهر حزنه وذاك الأحمق قلبها لا يتوقف عن الرقص بين أضلعها. حطت قدمها على الدرجة الأولى للبيت حينما وصلت إليه في محاولة منها لتسبقه كي لا يتمادى في نظراته حينما ينفرد بها على الدرج إلا أنه بمجرد أن استقرت على الدرجة السادسة توقف أمامها قاطعًا استمرارها في الصعود. نظرت إليه باستنكار متصنعة الغضب وعدم الفهم فاتسعت ابتسامته وهو يقول بمرح - بس متبصليش كدا عشان بخاف. اتسعت عينيها بحدة ليتابع متغزلا - بخاف في عنيكِ أدوب وأغرق وأنا مايل مليش في العوم اتسعت ابتسامتها رغمًا عنها على محاولته الفاشلة في الشعر العامي الغير مناسب لذقنه الغير حليقة فردد بصوت يشع مرحًا وسعادة - ضحكت يعني قلبها مال. حاولت التسلح بالحزم وهي تلتفت إلى الجهة الأخرى لتقول بنبرة أضحكته بدلًا من أن تردعه - لو سمحت عديني عشان مينفعش نقف كدا في نص السلالم هز رأسه بإباء رافعًا حاجبيه بتحدي منتظرًا إجابتها إلا أنها نظرت خلفه بصدمة لتهمس بخجل - عمي! التفت سريعًا لينظر خلفه ولم يكن يدرى ما فعلت سوى وهو يراها تهرول أمامه لتسبقه أمام المنزل وتضع يدها على الجرس بقوة. عض على شفتيه متوعدًا لها وقبل أن يصل إليها وجدها تفتح الباب من مفتاحه المعلق بالباب و الذي لا يخرجونه إلا في الصباح. ألقت السلام على الجميع والبهجة تتسلل لقلبها بعدما رأت البالونات التي تملأ الأرض بانتظار تعليقها في أركانها المخصصة. اقتربت منها والدة يونس بوجه يشع سعادة وهي تسألها باندهاش - فين يونس؟ لم تكد تكمل جملتها إلا ورأته مستقرًا خلف زوجته وينظر لها يتوعد بينما الأخرى تلتقط أنفاسها بصعوبة وهيئة تدل على المشاغبة فابتسمت أمه بمكر قبل أن تقول بصوت نطق بالسعادة - تعالوا تعالوا علقوا معانا الزينة! .............. - ازاي كدا يا حاج؟ لأ أنا عايزة أفرح بحاجة بنتي زحف الخوف إلى قلب زهرة وهي تستمع إلى صيحة والدتها المستنكرة والتي استشعرت أنها تخصها با، اقتربت من موضع جلوسهم لتفهم على ماذا يتحدثون فوجدت والداها يقول بهدوء - يعني هنعمل إيه يا أم يونس هو اللي طلب كدا وبعدين اللي عايزة تجبيه يا ستي هاتيه بس كدا هتبوظي هدفه كادت أن تتدخل في الحديث لتفهم ما يرمي إليه بعدما أوشك قلبها على السقوط منها، فكلما شعرت بوجود أحد العوائق حول علاقتها بهاشم احتل الخوف قلبها وشعرت بأن أمرًا ما سيخرب علاقتها به. أخرجها من حالتها تلك صوت شقيقتها الكبرى وهي تهتف بتساؤل -في إيه يا أمي أجابتها والدتها بانفعال - بيقول مش هنجهز زهرة صعقت زهرة من حديث والدتها وهكذا شقيقتها التي قالت بدهشة - إزاي يا أبي كدا وسرعان ما أثلج قلوبهم وهو يقول برفق - يا بنتي هو قال أنا عايز أنا اللي أجيب كل حاجة حسب إمكانياتي وطلب مني مشاركش في حاجة إلا الهدوم عشان تختار براحتها - بس يا أبي كدا كتير عليه قالتها زهرة بانفعال ليجيبها باتزان بعدما ابتسم بخفوت - بالعكس هو مش هيجيب زي ما الناس اليومين دول بيجيبوا ويصعبوا الأمور على نفسهم، يعني عندنا هنا بيجيبوا تلاتين مفرش مثلا هو هيجيب اتنين أو تلاتة على أد الحاجة فمش هيصعب على نفسه ودا غرضه أصلا من كدا والصراحة احترمت تفكيره، هاشم يا بنتي أنتو بجد مش عارفين هو بالنسبة للشباب إيه بيحبوه بطريقة كبيرة وبياخدوه قدوة ليهم لدرجة إنه لو بادر بكدا وقلل من تكاليف الزواج كتير هيعمل زيه ويحل مشاكل كتير، عارف إن في حاجات كتير نفسك تجبيها، بس هو وعدني إنه هيخليكِ تختاري اللي عايزاه بردوا واللي أنا بطلبه منك إنك تجيبي بالمعقول من غير مبالغة ملهاش لازمة اتسعت ابتسامة زهرة وهي تقول بحماس - أنا كمان كان نفسي أعمل كدا بجد بس كنت خائفة من المجتمع وكلام الناس عشان ميعيبوش في حقك ويقولوا مجابش بس أدام هو اللي طلب فبالعكس دي حاجة فرحتني وخلتني احترمته أكتر. كاد والدها أن يجيبها إلا أن صوت الجرس الذي تعالى أوقف حديثهم ليذهب باتجاه الباب بينما ارتدت هي وشقيقتها النقاب مسرعتان - فرحتني وخلتني احترمته أكتر هتفت بها شقيقتها الكبرى بمشاكسة لتبتسم وهي تقول بهيام - بجد والله مش موقف حلو أوي منه؟ هاشم دا أصلًا علطول بيبهرني بمواقفه مش جديد عليه يعني.. حبيبي حبيبي رددت بمرح لتتسع عينيها بصدمة وهي تستمع إلى حمحمته القريبة منها والتي أخبرتها بأنه استمع إلى ما قالت فنظرت إلى شقيقتها التي تكتم ضحكاتها بقوة جعلتها تتيقن مما توصل إليه حدسها! يتبع... زهرة الهاشمي الفصل الرابع عشر " مشاكسة" دلفت إلى الغرفة التي ينتظرها بها على استحياء، تشعر بالخجل الشديد منه وخاصة حينما ارتفعت أنظارها إليه لتقع عليه وهي تراه يبتسم إليها بمكرٍ لم تعهده عليه، جلست بهدوء وعيناها تعقد معاهدة عناق مع سجادة بيتهم بنِّية اللون، ظلت هكذا بضع ثواني بانتظار إقدامه على فعل ما يرفع عنها خجلها كعادته معها ولم يُخِب ظنها وهي تشعر به يهمس بخفوت بعدما التقط كفها برفق - أما آن للزهرة أن ترفع الستار عن خجلها وتجود على قلبىَ المسكين بنثرات هواها؟! ارتعش كفها بين أنامله ليضغط عليه برفق ليطمئنها ويظل ممسكًا به كي تعتاد على اقترابه دائمًا، حاولت نزع كفها من بين يديه إلا أن قلبه الذي بات مكبلًا بأغلال عشقها رفض بقوة مصدرًا فرمانًا قويًا لجميع جوارحه بألا تسمح لما يبعده عن من يلتقط أنفاسه من رحيق حبها. ظلت تلتفت يمينًا ويسارًا وكأنها تطلب العون من أحدهم ولكن لم يجدي ذلك نفعًا معه، فهو يشعر أن هناك حاجزًا يشيده خجلها ويزيد هو من ارتفاعه كلما لم يعطي للأمر بالًا هو الآخر وهذا الشيء لم يعد ممكنًا بعد الآن، فزواجهما قد اقترب موعده بل هو عزم على تعجيله عن ما كانا قد اتفق عليه لشعوره الدائم بالاشتياق إليها وإلى أحاديثها وابتسامتها وكل ما يخصها خاصة في الآونة الأخيرة. استمع إلى صوت أبيها يقترب من الغرفة فترك يدها احترامًا له مما جعلها تبتعد عنه قليلًا فرمقها بتوعد ومكر جديدان عليه جعلا وجنتيها تحمران خجلًا. دلف أبيها إلى الغرفة وجلس بجواره بعدما ألقى السلام ثم سأله باهتمام - إيه الموضوع المهم اللي كنت عايز تكلمني فيه يا هاشم اتسعت ابتسامته قبل أن يجيبه بصوت اتشح ببعض الحياء - كنت بفكر نقدم ميعاد الفرح لآخر الشهر لو معندكوش مانع طبعًا شعر الشيخ منتصر بالصدمة في ذاته، فهو لم يكن يتوقع أن هاشم من سيطلب هذا الأمر، بل كان يعتقد أنه سيماطل في الموعد المحدد حتى تشفى جراحه كاملة ولكن طلبه هذا قد أيقظ تعجبه، لم يبدِ إليه ما شعر به لكنه هتف بمرح وهو يشير إلى زهرة التي فتحت عينيها على وسعهما - أنا معنديش مشكلة، بس بص كدا نظر هاشم إلى زهرة التي كان قد أخبرها سابقًا برغبته هذه إلا أنه يعلم أنها اعتقدته يمزح ليغازلها فقط وبالفعل تيقن من ذلك بعدما رأى وجهه الذي جعله يكبح ضحكاته بجميع قوته. ابتسم الشيخ منتصر على ما يرى أمامه من تلك الحالة المريحة التي تسيطر على ابنته وزوجها ثم نهض بعدما قال بمرح - يلا شوف شغلك بقا أنا عن نفسي مفيش مشكلة زهرة دلوقتي هي صاحبة القرار أومأ هاشم إليه وبعدما تيقن من خروجه رفع يده ليمررها بمرح أمام وجهها وقبل أن يرتفع صوتها اعتراضًا كما ظهر على محياها وجميع جوارحها المتأهبة للاعتراض وجدت صوته يرتفع بإحدى الآيات التي يتميز صوته بقراءتها فغرقت بكلمات الآية وصوته التي أسرها أكثر من قبل وكأنه يتعمد ذلك هذه المرة لينتهي من الآيات بعد دقيقتان فعقدت حاجبيها بانزعاج لصمته مما جعله يقول بنبرة صادقة أشعرتها بما يشعر به تجاهها - علمت أن عزيزكِ الفياض قد هامَ بما كان يجود به لساني من تلاوات، بل بات قلبك الحبيب يشتاق لسماع مجرد صوتي ليطمئن، فكيف له الآن أن يعترض على محاولة قلبيَ العاشق للاقتراب منه بعدما أنهكته ذئاب الإشتياق، ألا ترغبين بأن تكون روحك هذه بجواري دائما كما قلبك الذي بات لا يفارقني؟ لم تقوَ على إجابته بعد هذه الكلمات التي أشبع قلبها به، بل توقف عقلها عن التفكير ولسانها عن النطق، فكل ما يمر عليها كتير، كثير جدا على قلبها الذي لم يعد يحتمل، ألا يكفيها تلاوته التي جعلت قلبها يخفق بعنف ليزيد من الأمر سوءً بكلماته التي جاد على مسامعها بها ثم ختام الأمر بشعورها بمذاق الكلمات التي لم تكن لتتذوقها بهذا الجمال لو لم يقولها بالفصحى؟ صمت قليلًا مدركًا تأثير كلماته عليها ليقول برفق بعدما شعر بها تستوعب ما يحدث - موافقة؟ نظرت إلى عينيه بتشتت فأومأ إليها مطمئنا قبل أن يصيح بمرح - يا بت هجيب لك أكل من برا بالليل وكل شوية هفاجئك اتسعت ابتسامتها لتقول بسعادة بدت في نبرتها رغمًا عنها - موافقة أدام فيها أكل هي دي فيها كلام - بتاعة مصلحتك أوي ضحكت بخفوت لتقول بعد قليل - هو بجد أنت مش عايزنا نجيب حاجة؟ تنهد بقوة قبل أن يقول بهدوء - بصي يا زهرة أنا حابب أعمل أنا وأنتِ كل حاجة من غير ما نكلف والدك لأن هو أكيد هيجيب حاجات زي ما الناس بتجيب بقا والأرقام الخيالية في الأعداد زي ما بنسمع وأنا من زمان كنت حابب أعمل حاجة تغير الفكرة دي، ومتقلقيش إحنا ابتداء من بكرة هننزل كل يوم نشتري حاجات على راحتنا يعني هتختاري كل حاجة معايا وإن شاء الله قبل الميعاد نكون خلصنا أومأت بإيجاب لتقول - على فكرة أنا كمان كنت نفسي أعمل كدا ومجبش أعداد زي الناس بس أمي كانت رافضة الفكرة دي عشان كلام الناس والحاجات اللي أنت أكيد عارف إنها هتحصل دي -إحنا نخاف من حاجة واحدة بس وهي الحاجة الحرام، الحاجة اللي بيعدها الشرع وفي عرف الناس عيب، أنت شايفة دي حاجة مخالفة للشرع؟ - بالعكس الدين مش عايز مننا غير التيسير وعدم الإصراف، شكرا لتفكيرك اللي بيساعدني وبيقويني على حاجات كتير، شكرا إنك كدا اتسعت ابتسامته ليقول بمرح وهو مغمضًا أحد حاجبيه بمشاكسة - ومفيش نيش ابتسمت لتقول بصدق - والله ما عايزاه أصلًا أومأ مصدقًا قبل أن يقول بوعد - بس في ركن صلاة ومكتبة كتب إسلامية وروايات مكان النيش انفرجت شفتيها بسعادة يقول بعفوية - ابتسامتك جنة. ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ دلفت خديجة إلى المطبخ لتعد العصائر والفواكه الطازجة ليونس وصديقه الذي هاتفه وقدم إليهم دون سابق ترتيب بدأت في رص الفواكه بطريقة منمقة وابتسامتها تتسع وهي تتذكر موقف ذكرها به زيارة صديقه هذا، فصديق يونس لا يُعجب بأي من أكواب الشاي سوى التي تعدها ابنة عمه وزوجته كما كان قد أخبرها يونس وهي لم تكن تدري فكان بكل مرة تقدم إليه الشاي يتركه كما هو فيتناوله يونس بعدما يتناول الكوب الخاص به كي لا يشعرها بالحرج من عدم إعجاب صديقه بالشاي الخاص بها، فهو يعلم أن من أسوء المشاعر التي قد تعتري المرأة هو أن يذم أحدٌ شيئًا أعدته بيدها وصنعته بحب، انتهت من رص الفاكهة وهي تضع يدها على الجرس المتواجد بالمطبخ ليصدح صوته في غرفة الضيوف فيقدم يونس إليها ليأخذ ما تريد. أقبل إليها مبتسمًا ليأخذ العصائر منها وهو يبتسم بمكر هامسًا بضيق مصطنع - يا خسارة، كان نفسي تعملي شاي لعبد الرحمن اتسعت ابتسامتها بخجل ليذهب هو بالأكواب بعدما غمزها بخبث فضحكت بخفوت وعقلها يذهب إلى ما تعنيه كلماته متذكرة تلك المرة التي كان مريضًا بها فأتى صديقه لزيارتهما ولكن هذه المرة لم يستطع هو تناول الشاي الذي تركه الآخر كما المرات السابقة لتسأله باندهاش عن كون الأكواب كما هي فأجابها حينها بعفوية ناسيًا ما كان يفعل - عبدالرحمن مبيشربش إلا الشاي اللي بتعمله زوجته لأنها بتعمله بطريقة مختلفة شعرت بالضيق من الآخر الذي عدت تركه للشاي الخاص بها تقليلًا من شأنها فقالت باستنكار - يا سلام! طب ما كل مرة كان بيشربه هنا شعر يونس بأن لسانه قد خانه أمامها فابتسم بارتباك رافضًا الكذب فضيقت عينيها تسأله - أنتَ كنت بترمي الشاي بتاعه؟ هز رأسه نافيًا ليجيبها - كل مرة كنت بشربه أنا، زي ما هو مبيحبش إلا شاي زوجته فأنا بعشق الشاي بتاع زوجتي ومبكتفيش من أي حاجة منها. حينها ابتسمت بخجل وخاصة بعدما تعمدت بزيارة عبدالرحمن التالية بصنع الشاي له لترى ماذا سيصنع يونس لها، ليتركه الآخر دون أن يتناوله مع صديقه ثم بعد مغادرته ذهب إليها بعدما كانت أكواب الشاي قد ذهبت حرارتها ثم تناوله أمامها ليتغزل بها مع كل رشفة يرتشفها حتى ينتهي الكون مما جعلها تصنع الشاي بكل مرة يأتي صديقه إليهم بها بعدما راق إليها أمر مغازلته تلك. ********* توقفت زهرة في ركن بعيد عن الخلق بأحد المعارض الخاصة بالأجهزة الكهربائية وعيناها ترتجف قلقًا من نظرات هاشم النارية التي يرميها بها بين الثانية والأخرى، ظلت تتطلع إليه وهو يتحدث مع البائع بنظرات قلقة قبل أن تتبدل إلى ابتسامة خرجت من أعماق قلبها وعقلها يتطرق إلى جميع مواقفهم التي ألمت بهم منذ الصباح، فهي مذ الساعة العاشرة مساءً وهي تصاحبه لأجل إنهاء التحضيرات قبل الموعد المحدد وها هم في طريقهم لتحقيق غايتهم الأخيرة قبل المغادرة وقد شارفت الشمس على الغروب لتنال قسطًا من الراحة وتستبدل الأدوار مع القمر الذي حتمًا قد أخذ كل وقته في راحته، ابتسمت وهي تتذكر كيف شاكسها حينما نظر إلى وجهها في الصباح وتأمل ملامحها التي رآها للمرة الأولى فور استيقاظها من نومها فبدأ بمغازلتها حتى هرولت من أمامه لترتدى ثيابها وتغادر معه إلى وجهتهم التي يقتصدونها. غامت عيناها بسعادة تشعر بها تنبض في جميع جوارها لطالما صحبها ذاك الرجل الذي أنعم الله عليها به، فاقت من شرودها على إنهائه لحديثه مع الرجل واقترابه منها فعاد بدنها يرتجف قلقًا مرة أخرى وخاصة مع نظراته التي لا تبشر بالخير نهضت واقفة مبتعدة عنه قليلًا حينما اقترب منها فرمقها بنظرات مشتعلة قبل أن يلتقط كفها ويذهب بها إلى سيارة العمل التي استعارها لقضاء حوائجهم اليوم. حاولت نزع يدها منه حينما شعرت بقبضته تشتد حول معصمها المغطى بأحد القفازات السوداء فنظر إليها باستفهام لينظر إلى يدها بإدراك ويرخي من قبضته قليلًا كي لا يخيفها منه. وبكل مكرٍ تصنعت الضيق منه حينما جلست إلى جواره في السيارة كي تتحاشى غضبه الذي أخبرتها نظراته بحنو وقت تفريغه تنهد بقوة وهو ينظر إلى حالتها تلك شاعرًا بالضيق من غيرته التي جعلته يخيفها ويزعجها منه لهذه الدرجة، حدثه عقله بأنه لم يضغط على يدها بقوة لتخاف هكذا إلا أن قلبه قد ردعه وأخبره أن شيطانه هو من يهيؤ له ذلك فنظر إليها بحنان هامسًا باعتذار صادق وهو يمرر يده على كفها يدلكه - آسف مكنتش واخد بالي والله إني ضاغط على ايدك شعرت بالندم يتملكها بسبب ذاك الحزن الذي سكن عينيه فقالت بخفوت - خلاص مفيش حاجة أنا عارفة إنك متقصدش تنهد بقوة قبل أن يقول بعتاب - بس مكانش ينفع اللي عملتيه يا زهرة، عاجبك حاجة أو مش عاجباكي تكلميني أنا، لكن تتجاهليني وتوجهي كلامك للشباب اللي واقفين وتقولي لهم الألوان اللي عايزاها، طب وأنا واقف كدا مليش لازمة حركت شفتيها بندم وهي تشعر ما يقصده لتقول بدفاع عن نفسها - والله مش قصدي أنا لقيت الراجل بيقول عايزين لون إيه فقولت وأنا متحمسة لكن مكانش قصدي تقليل منك خالص - أنا فاهم اللي بتقوليه بس دا ميمنعش إني متضايق من كلامك معاه قلبي متضايق اغتمت ملامحها ضيقًا من اندفاعها حينما تفرح كثيرًا أو تغضب والذي دائمًا يضعها في مواقف لا ترتضيها، نظر إليها بتفحص يحاول معرفة سبب ضيقها فهو يشعر أنها تفكر في ضغطه على قبضتها الذي أثار خوفها منه ومن حياتها القادمة معه، فالتقط كفها مرة أخرى مقبلًا موضع قبضته بهدوء قبل أن يقول بندم جلى على ملامحه - أنا آسف يا زهرة والله ما هتتكرر تاني سامحيني برقت عينيها بصدمة من كل مشاعر الحزن التي تشع من عينية ونبرته فقالت بصوت صادق - والله ما زعلانة أصلًا أنت مضغطش على إيدى ولا حاجة أنا كنت بحاول أشدها عشان قلقانة من رد فعلك بس هز رأسه متفهمًا ليقول - وأنا مش عايزك تقلقي من أي حاجة تخصني أنا بوعدك يا زهرة إني هبذل كل جهدي عشان اقدر أتقي ربنا فيكِ وأخليكي تعيشي سعيدة، والدك مفرطش فيكِ بالساهل ولا آمني على بنته عشان أخليها تخاف مني ولا تتضايق، أنا مقدر يا زهرة يعني إيه أهل يزوجوا بنتهم لراجل غريب عنهم مقدر مشاعرهم وثقتهم فيا. ابتسمت إليه بابتسامة سطعت من قلبها قبل عينيها لتقول بمرح متهربة من خجلها - أخاف منك مين يا عم دا أنت اللي تخاف مني عقد حاجبية باستنكار لتقول بمرح - بس متشتكيش بس لشيخك أجابها مبتسمًا وهو يجاريها - لأ مش هشتكي لأي حد عشان اللي بيحصل بين زهرة وهاشم خاص بيهم بس صح؟ سألها باهتمام وكأنه يطلب منها ما تحويه كلماته لتجيبه مؤكدة - اللي بين زهرة وهاشم مش هيخرج عن زهرة وهاشم ابتسم برفق قبل أن يقول بصوت ملأه الحماس - طب يلا بقا على المطعم عشان أنا جعان جدًا. عقدت حاجبيها باندهاش لتسأل بجهل - إحنا مش هنروح البيت؟ - هنروح مطعم الأول أغديكي، أنتِ ما أكلتيش من وقت الفطار ولا عايزاني أروحك للشيخ من غير غدا عشان يعلقني على باب المسجد ويخليني عبرة لمن لا يعتبر ابتسمت بخفوت لتقول - بس كدا هنتأخر أوي - تأخير بتأخير بقا متقلقيش أنا مستأذن الشيخ منتصر وكلمته من شوية عرفته، وهو عارف إن التحضيرات بتاخد وقت كدا متخافيش هزت رأسها بإيجاب ليقول بمرح - إيه رأيك هوديكي مسمط أكل بلدي هيخليكي عروسة عروسة يعني عقدت حاجبيها باستعجاب شديد لتقول - مسمط؟! أنا سمعت صح؟ ضيق ما بين حاجبيه ليقول بخيبة - إيه مبتحبيش الأكل دا.. خلاص خلاص تحبي تأكلي إيه قالت بصوت خافت كي تراضيه وهي مازالت على حالة الدهشة التي أصابتها - لأ عادي هاجي معاك اللي تحبه دي نعمة ربنا أي حاجة باكلها ودون سابق إنذار ارتفعت ضحكاته لتنظر إليه باستنكار قبل أن تدرك المقلب الذي فعله بها لتقول بغيظ - حتى الهزار مفيهوش كذب يا شيخ هاشم.. وبعدين دا نعمة من ربنا نظر إليها بعتاب قبل أن يقول بهدوء - مكذبتش، أنا في أول كلامي قلت لك إيه رأيك دا أولًا.. ثانيًا أنا مبقللش من نعمة ربنا أبدًا بس الأكل دا طبيعي بيحتاج بيت عشان البهدلة غير إن مش كل الناس ليها فيه فمش من الطبيعي إما أخرجك أوديكي مسمط، أنا بس حبيت أغير حالة الشد اللي كانت بينا نظرت إليه بضيق قبل أن تصيح بطريقة أضحكته - يختاااي ملحقناش نتصالح كتم ضحكاته لتقول باعتذار - مش قصدي أنا قلت كدا من غيظي ابتسم بخفوت وهو يرفع كفه أمام وجهها ليقول - عفونا عنكِ فهلا قبلت يد الأمير كي تنالي الصفح كاملًا برقت عيناها بخجل شديد وهي تنظر إلى كفه الممدودة إليها بتشتت فسحبها بهدوء قبل أن يقول بمرح - خلاص خلاص عفونا هذة المرة دون تقبيل ولكن لن نتهاون في حقنا بالمرات القادمة. يتبع... زهرة الهاشمي الفصل الخامس عشر والأخير "نهاية سعيدة" تنظر حولها بتيهٍ كبير، لا تصدق ما هي عليه الآن، لو كان أخبرها أحدهم قبل عدة أشهر أن زفافها سيكون اليوم على من كانت تناجي ربها سرًا وتبكي له كي يخلصها من حبه المحال تتويجه بميثاق غليظ لما كانت صدقته أبدًا، كل شيء حولها يدعو إلى تصديق ما تعايشه، الإضائة المعلقة على منزل أبيها من أعلاه لأسفله، تلك الزغاريد والأناشيد التي تملأ بيتهم، بل رائحة أكلات الأفراح المميزة التي تفوح من كل النواحي وأصوات الفرحة التي تأتيها من كل جانب يجبرونها على التصديق، تلك المرأة تجلس أمامها لترسم لمساتها على وجهها وفستان الزفاف الذي ترتديه يقسمون لها أن اليوم ستزف إليه، هاشم قلبها ومالكه. انتفض قلبها بشعور لم يمر عليه من قبل، شعور اجتاح فؤادها البكر للمرة الأولى وهي تنظر إلى والدها الذي قدم إليها من بعيد وبرفقته هاشم، ذاك الذي دلف لأخذها دون سابق إنذار كما قلبه الذي احتل فؤادها احتلالاً، أو ربما أنذر أحدهم بقدومة ولكن تلك الموجة الغريبة التي تبتلعها أجبرتها على عدم الاستماع. لا تعلم لما ارتعش كفاها هكذا حين رأته وأيقنت أنها النهاية لليلتها في منزل أبيها، ترقرقت عيناها بالدموع حينما اقترب منها والدها وها هي تكاد أن تنفجر بكاءً وتظل برفقته بعد ذلك العناق القوي الذي أقحمها بداخله عنوة، ألم يكفيها ما كانت تفكر به حتى يأتي والدها ويدعس بقدميه على آخر مقاومتها للبكاء الذي يسحبها بعنف؟! وآهٍ من دموع والدتها التي أغرقت عيناها لتخبرها بما امتنعت من البوح به، بل إخوتها اللاتي تشكلت على ملامحهن الكآبة واحتل الإحمرار وجوههن وكأنهن يقفن بعزائها، حقًا لم تكن تعلم أن الخروج من مملكة الوالد صعب، بل شاق لهذه الطريقة التي تكاد تطغى على فرحتها بهاشم. فاقت من ما تشعر به على وقوفها أمام عتبة البيت ولا تدري كيف وصلت إلى هنا وعقلها الأحمق لا يتذكر سوى هفوات بسيطة لعناق ومباركة أشخاص لا تتذكر ماهيتهم. ترددت قليلًا قبل أن تخط الدرجة الأولى فشعرت بمن يضغط على كفها برفق لتلتفت أخيرًا إليه بعدما كان قد اعتقد أنها تناولت أي من العقاقير التي تذهب العقل من فرط تشتت ذهنها، أقحم عيناها بعناق عنيف مع عينيه التي أوصلتها لأقصى درجات الاطمئنان بل وجعلتها تستعيد بعضًا من حماسها الذي كانت قد دفعته بعيدًا عنها، شعرت به يريد أن يتحدث إليها بشيء ليذهب عقلها أنه من المؤكد يريد أن يسألها عما أصابها إلا أنه أذهلها للمرة التي لا تعلم عددها بفرط تفهمه وهو يردد بخفوت - لو احتاجتي تيجي هنا كل يوم أنا معنديش اعتراض كوني متطمنة جنبي مش عايزك تفكري في أي حاجة تضايقك، مش هخليكي تحسي إنك بعدتي عنهم أصلا، اتطمني أتبع كلمته الأخيرة بضغطة أخرى على يدها ليشعرها بالتخمة من ذاك الشعور بالرضا الذي يضرب قلبها، لا تعلم أهي بحلم أم ما تعايشه من سعادة مع زوج متفهم وحنون هو أمُّ الحقيقة. دقائق كثيرة مفعمة بالفرحة الممزوجة بدموع الفراق قد مرت وها هو الشعور بالتوتر والحياء يخيم على كل أوصالها بعدما أُغلق باب المنزل عليهما للمرة الأولى، شعرت بابتسامته تشق شفتيه وهو يقترب منها فسارعت يداها بعناق بعدها لتخبره بأن التوتر قد بلغ منها مبلغه، حطَّ راحته فوق راحتيها ليسحبها برفق بينما عيناها لم تستطع النظر إليه بل ظلت متمسكة بالنظر إلى عبائته البيضاء الأنيقة لتنتبه للمرة الأولى أنه لم يستغنِ عن عباءته بهذا اليوم الذي يتحلل الكثيرون به من مباديء كثيرة مبررين بأنها ليلة العمر فهتفت بعفوية بعدما ارتسمت الابتسامة على وجهها - لبست جلبية النهاردة بردوا ملبستش بدلة مكنتش متوقعة خالص؟! اتسعت ابتسامته ليقول بابتسامة حنون - حبيت أسير على خطاه صلى الله عليه وسلم في اليوم دا أكتر من أي يوم تاني عشان فرحتي تبقى كاملة اتسعت ابتسامتها بهدوء دون أن تقول شيء وعقلها ينتبه لموقفهما الحالي فقال برفق - تعالي يلا نصلي ركعتين لربنا عشان في حاجات حابب نتكلم فيها اتمنيت كتير نقعد أنا وأنتِ في اليوم دا ابتسمت بخجل زين وجهها ثم نهضت لتتبعه فيما رغب أن يفعلاه. ********* بوجه شارد كان يجلس"يونس" أمام التلفاز يشاهد أحد البرامج الدينية بعدما ودع أبيه وأمه في منزلهما، اقتربت تجلس بجواره وهي تعلم ما يعاني منه بهذه اللحظة، فهو قد أخبرها منذ زواج شقيقته السابقة لزهرة أنه يشعر بثقل على قلبه كلما تزوجت إحداهن وكأن هناك من يقف على قلبه بغلظة ويأبى تركه، فعلى الرغم من ثقته بأزواج شقيقاته إلا أنه ذاك الشعور بالضيق والغيرة الذي يتملك من المرء كلما أخذ أحدهم عزيزا عليه، فكيف إذا كانت ذاك الأحدهم ليس سوى زهرة، حبة قلبه كما يلقبها والمنافسة الأولى لخديجة على حبه هو. ربتت على كتفه بمودة افتقدها منها في الأونة الأخيرة فالتفت ينظر إليها بابتسامة هادئة ووجه شارد أكدا لها ما كانت تفكر فيه منذ قليل، حاولت أن تلجأ لطريقتها المعتادة في المزاح معه بكل ما يخص زهرة فقالت بمرح وضيق مصطنع - مالك زعلان كدا ليه يا عم دي اتجوزت المفروض تفرح، وبعدين دي زهرة هتلاقيها عندنا كل يومين ابتسم بفتور ثم أجابها مستمتعًا بمشاكيتها له التي افتقدها - حتى لو جت كل يوم كفاية إنها هتبات في بيت واحد غريب مهما كانت علاقتنا بيه، مش متخيل إني أروح الصبح بيتنا وملاقيش زهرة هناك كشرت عن أنيابها بتمثيل ثم صاحت - يا سلام طب أنا هروح عندنا كام يوم يا شيخ يونس عشان أشوف أنا كمان هتحس بإيه لما أبعد شوية تألمت ملامحه بقوة وكاد أن يخبرها بأنه بالفعل قد شعر، شعر منذ اللحظة التي علم بها باستحالة إنجابه، شعر حينما راودته فكرة الانفصال عنها كي تهنأ بحياتها، شعر بكل ليلة كان يخطط للطريقة التي سيبعدها عنه بها، حينما كان يواسي قلبه ويخبره أنه سيقدر على كل ذلك ولكنه بالنهاية صمت عن البوح وقال بمرح مخالف لكآبته الداخلية - مقدرش على فراقك ابتسمت بسخرية واستخفاف فشعر أنها تذكرت شيء مما مضى فالتقط كفيها سريعًا وضمهما بين يديه ثم همس بنبرة انسكب منها الحنان - بتكلم جد يا خديجة، مقدرش على فراقك، ومهما حصل مني في الماضي أقسم لك كان غصب عني كنت بتألم يمكن أكتر منك عايزك تسامحيني، ممكن تسامحيني عشان أقدر أسامح نفسي؟ قال جملته الأخيرة بصوت متهدج ونبرة أوجعت قلبها ودفعتها دفعًا لمسامحته إلا أن عقلها ذاك العنيد قد رفض أن يعلن ذلك خشية أن يعود لتفكيره السابق مرة أخرى بل والأعجب ما حدث من قلبها الأحمق الذي انصاع خلف عقلها الصلد خوفًا من فراق لن يقدر عليه مرة أخرى. شعرت به يتمادى ويقترب من جبينها ليقبله مبديًا نيته في استمالة قلبها للصلح إلا أنها سرعان ما سيطرت على حواسها ونهضت سريعًا تاركة إياه يعاني من لملمة نثرات أمله في الصلح الذي قد هشمته للمرة التي لا يعلم عددها. ************ تصارعت أناملها بتوتر شديد مصحوب بالخوف مما هو قادم، لم تدرِ ماذا عليها أن تفعل بعدما انتهيا من صلاتهما فظلت جالسة بمحلها بارتباك عجيب يراودها، شعرت به يلتفت لينظر تجاهها ثم وضع كفه مرددا أحد الأدعية المشهور ذكره في هذا اليوم فرددت خلفه بخفوت. شعرت به يلتقط أناملها بحنان فارتجف بدنها تلقائيًا مما جعله يعبس قليلًا بشفقة محببة إلى القلب ثم همس - تعرفي يا زهرة إني عمري في حياتي ما هحاول إني أضايقك أو أزعلك مني، ولو في مرة حصل كدا زي ما طبيعي بين أي زوجين فاعرفي إنه هيكون غصب عني ومش هتنامي غير وأنا ندمان وهعتذر منك بكل أنواع الاعتذارات اللي في الدنيا كلها. ابتسمت براحة وكأنه سكب كلماته الدافئة في شرايينها المشتعلة بعنف فأهدئتها مما جعله يردف حديثه - عارفين إن لو زوجة زوجها نام غضبان عليها الملائكة بتلعنها بس عايز أقولك إن عمر الملائكة ما هتلعنك بسببي إن شاء الله لأنك مهما عملتِ عمري ما هنام غضبان عنك، أنا مش هقدر أتحمل فكرة إنك تنطردي من رحمة ربنا لأي سبب فما بالك لو السبب دا يخصني اتسعت ابتسامتها بل وبادلته تلك النظرة التي تهديها إليه كلما سعد قلبها به فاطمئن قلبه لنجاحه في التخفيف عن قلبها فأكمل ما أراد إكماله وهو يقول - حاجة أخيرة ممكن تكوني قلقانة منها أو من المواقف اللي بتحصل أدامك قلبك خاف بالنسبة لإن إحنا متزوجين في بيت عيلة مش هتكلم عن أمي لأن أنتِ هتعرفيها من معاشرتك ليها بس أنت مش ملزمة بأي حاجة تعمليها لها نهائي، كل طلبات أمي أنا كفيل إني أعملها لها زي ما متعود دائمًا. أرادت أن تتمتم أن لا مشكلة لديها في مساعدتها فأوقفها مكملًا - أنا متعود من صغري أساعدها في كل أعمال البيت ميغركيش الطول دا أنا بعمل أكل يودي المستشفى علطول ابتسمت على مزحته الأخيرة فأردف بجدية - عايزة طول الوقت تفضلي هنا معنديش مشكلة، عايزة تنزلي تقعدي معاها في أي وقت معنديش مشكلة اللي تحبيه اعمليه بس لو في وقت بس والدتي تعبانة انشري الهدوم مكاني عشان أنا بوقع لها نص الهدوم وبتفضل تصوت مني. ارتفعت ضحكاتها فتأملها قليلا بنظرات يعجز اللسان عن وصف جمالها قبل أن يصيح بمرح - خلص الكلام وحان وقت الاقتحام. ******* انساقت "خديجة" إلى حيث أمرها يونس دون أن تردف بشيء، تشعر بالغربة مما يفعل الآن، فهو جاء إليها منذ صباح اليوم بل وأيقظها في تمام السابعة صباحًا وها هي تسير خلفه وتصعد بجواره درجات العمارة الراقية التصميم التي لا تعرف عنها شيء، عقدت حاجبيها باندهاش وهي ترى تزاحم بسيط على الدرجات المؤدية للدور الثاني يفتعله بعض الأطفال من الجنسين يرتدون حقائب جميلة ذات أشكال كرتونية بينما البعض برفقة أمهاتهم كما يبدو من مظاهرهم المهتمة بالصغار. انجذبت إلى طفلة تجلس بجوار الحائط وتبكي بتأثر كبير بينما بجوارها والدتها تحاول أن تهديء من ضيقها، اقتربت منها وتركت يد يونس الذي علم ما تنوي فعله فتركها وعلى شفتيه ترتسم معالم الشفقة على الصغيرة. جلست خديجة بجوارها ثم هتفت ليونس بصوت مرتفع قليلًا كي تستمع إليها الفتاة -شايف البنوتة الجميلة دي يا يونس، لبسها جميل وشنطتها كانت هتكون أحلى واحدة في الأطفال كلهم لو كانت بتضحك بالفعل انجذبت إلى كلماتها وتوقفت عن البكاء وهي ترفع نظرها إليها بفضول فأجاب يونس خديجة وكأنه لا يدري أن الفتاة انتبهت لهم - عندك حق جميلة أوي بس مش عارف بتعيط ليه باندفاع صاحت الصغيرة - عشان إياد الخاين هو اللي زعلني كدا عقد يونس حاجبيه باستعجاب فقالت خديجة برفق وهي تلتفت إليها - مين إياد الوحش اللي زعلك دا وأنا أجيب لك حقك أجابتها الصغيرة بحرقة وهي تشير بإصبعها على إحدى الجهات - أهو الأستاذ إياد ابن عمي المفروض أول يوم لينا في الحضانة متفقين نروح مع بعض بس الرخمة جودي فاتت عليه وراح معاها وسابني، سابني أنا عشانها. قالت جملتها الأخيرة بحرقة امرأة مقهورة وليس فتاة لم تتعدَ الخامسة من عمرها فبرقت عينا يونس بصدمة بينما شفتاه يجاهد كي يكفهما عن الضحك الذي حتما سيثير غضب الصغيرة افتعلت خديجة التأثر بما روته الصغيرة ثم أخرجت من حقيبتها قالب من الشوكولاتة الكبيرة والذي دائمًا ما يكون بحوذتها وأعطته للصغيرة قائلة - طب ايه رأيك تاخدي الشوكولاته الجميلة دي وتبطلي عياط وهو شوية كدا هيزهق منها وييجي يلعب معاكي أنتِ لمعت أعين الصغيرة وهي تنظر للشوكولاته ثم التفتت إلى والدتها بتردد فأشارت الأخرى إليها بإيجاب مما جعل خديجة تنهض مبتسمة بعدما قبلت وجنتيها وودعتها برفق اقتربت من يونس الذي كان ينظر إليها بحنان ودموع عالقة بأجفانه التقطتها هي ثم همس بنبرة أودع فيها رفق العالم بأكمله -كنتِ هتكوني أم رائعة هزت رأسها عدة مرات ولم تدرِ لما ثم قالت بصدق وصل إلى أعماق قلبه - أنا مكتفية بشعوري بأمومتي ليك، بل أنا أكتر من مكتفية، أنا متخمة بيها. ابتسم بفتور على وصفها الأخير هذا ثم جذب يدها ودلف إلى أول شقة قابلتهم ففتحت عيناها بقوة وهي ترى تلك الصالة الكبيرة المليئة بألعاب الصغار بينما بخلفهم لافتة كبيرة مدون عليها بالإنجليزية "يوجي نرسري سكول" امتلأت عيناها بالدموع وهي ترى حلم حياتها محقق نصب عينيها فها هي حضانة يوجي التي قد حلمت بإنشائها حقيقة كاملة أمامها التفتت إليه تنظر إليه بامتنان، بل لو كانا بمفردهما لكانت عانقته على تلك السعادة الكبيرة التي تشعر بها ، ظلت تحرك يديها دليل منها على سعادتها الكبيرة وهي تفكر كيف لهذا الرجل أن يكون رائعًا هكذا، كيف التقط حلمها الذي قد قصته عليه بأحد الأيام وهي تخبره بأنها تتمنى لو تنشيء حضانة وتسميها حضانة يوجي لتضم حرفين من اسمه وحرفين من اسمها، التفتت إليه مرة أخرى لتهمس من بين بحور سعادتها التي تشعر بها - شكرًا إنك في حياتي اتسعت ابتسامته بشدة وهو يشعر بفخر لكونه أسعد قلبها ولو بشيء قليل أمام كل ما تقدمه إليه ثم جذب يدها ودلف بها إلى إحدى الغرف التي أسسها مكتبًا لمديرة الحضانة وأجلسها أمام أحد المكاتب الصغيرة وأدار إليها تلك اللافتة الصغيرة على المكتب المدون فوقها باللون الفضي "أبناء يوجي". ********* بعد مرور شهران جلست زهرة بإرهاق شديد على تلك الأريكة الكبيرة التي انتهت من تنظيفها للتو، وضعت يديها على ركبتيها بتعب ودموعها تبدأ في التسلل من أعينها، تشعر بالعجز الشديد يطوقها بسلاسله الحديدية الشاقة، فهي لتوها قد انتهت من تنظيف الشقة من ذاك التراب الذي كان قد بدأ في التسرب إليها من المنافذ الصغيرة فأسرعت في تنظيفه كعادتها منذ أن تزوجت خشية أن يعبأ جميع أرجاء البيت ولكنها تريد الآن أن تستريح، فيكفيها ما عانته من عناء تنظيف البيت ولكن هاشم قد اتفق مع عائلتهما سويًا على الغداء بمنزلهم في الغد فرحًا بتوسيع سنتر الملابس الخاص به، ولكنها تشعر بالإرهاق الشديد فكيف لها أن تجهز الأصناف التي عزمت على تحضيرها اليوم وهي تشعر بكل هذا التعب. استمعت لى مفتاح الباب يدار بعدما دُق الجرس مرة واحدة فمحت دموعها سريعًا وحاولت رسم الابتسامة على وجهها في استقبال زوجها ولكن أي ابتسامة تلك التي ستخدعه بها وهو الذي هرول إليها سريعًا وجلس جوارها ليسألها بفزع شديد - مالك يا زهرة في إيه؟ إيه اللي زعلك ارتسمت علامات الإحباط على وجهها بعدما اكتشفت علمه ببكائها فسألها بقلق أكبر - مالك يا بنتي في ايه حد من تحت كلمك ولا إيه قلقتيني؟ هزت رأسها عدة مرات بالنفي ودموعها تبدأ في التساقط مرة أخرى وهي تجيبه بخفوت - أنا خايفة مقدرش أعمل كل حاجة بكرة حاسة إني فاشلة ومش عارفة أعمل أي حاجة ربت على ظهرها عدة مرات قبل أن يقول بحنان شديد - ومزعلة نفسك دا كله عشان كدا ، أنا أجازة بكرة أصلا هساعدك وأعمل معاكِ كل حاجة، وبعدين حتى لو مش عايزة خالص تعملي حاجة نطلب أكل جاهز وخلاص مش هتفرق كتير، بس أهم حاجة متزعليش نفسك، إحنا عاملين العزومة دي أصلًا عشان نفرح تقومي تزعلي كدا. هزت رأسها بعدم استحسان لفكرته الأخيرة وهي تقول - لأ بلاش جاهز نعمل إحنا وخلاص أومأ بإيجاب وهو يقول مبتسمًا - اللي تحبيه أهم حاجة الزهرة تبتسم ومتشيلش هم حاجة بادلته الابتسامة بحب فاقترب منها مقبلًا جبينها حامدًا الله على جميع عطاياه وعوضه الذي لم يكن يتوقع أبدًا أن يكون بمثل هذا الجمال، فدائمًا ما تتكالب على قلوبنا المصائب حتى تجعلنا نفر هاربين من رحمة الله فنجد الله سبحانه وتعالى يمن علينا بفيض عطاياه لنسعد ونخر له راكعين خجلين على ما احتل اليأس قلوبنا من وقوعه. انتهت الرواية بانتظار آرائكم وريفيوهاتكم، دمتم بخير ♥️