الفصل 4
*˙❥˙ࢪواية زهرة الهاشمي10-11-12˙❥* ˙
*تـم مـشـارڪه الـࢪوايـة مـن قـنـاة عالم الروايات
تابع قناة عآلُم آلُرۆآيَآتٌ آلُجٍميَلُةّ/روايات وقصص حب ودين اقتباسات عميقة نكت بوستات وصور واستوريهات في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029Vb01xFo7DAX1UxQAXc2j
زهرة الهاشمي
الفصل العاشر"عودة ولكن"
استقلت المقعد المجاور له بالسيارة وهي تشعر بأنه اليوم الأجمل بحياتها على الإطلاق، فهي قد رأت هاشم على طبيعته وكم أعجبها هذا الهاشم الذي ظل يقص لها عن الكثير من أموره الخاصة، حتى أنه روى لها قصة المنشور الذي كُتب عنه فشعرت بالضيق من تلك المرأة التي لا تعلم لماذا فعلت كل هذا.
- حمدالله على السلامة
فاقت من شرودها على صوته الهاديء وهو يهتف إليها بمرح، فنظرت حولها لتجد السيارة تصطف أمام منزلها.
سألته برجاء
- مش هتنزل معايا
- مينفعش والله عندي شغل... أنا سيبت محمد كام ساعة في السنتر ومينفعش أسيبه أكتر من كدا
تبدلت ملامحها إلى الإحباط وهي تقول بضيق
- مبتحبش تقعد معايا
برقت عينيه بصدمة ليسألها
- أنا يا مفترية؟! دا أنا معاكِ بقالي تقريبًا أربع ساعات.
- لأ بس أنا اللي جيت لك، بس عادي عمومًا الاهتمام مبينطلبش
اتسعت عيناه أكثر من ذي قبل، لا يعلم كيف تبدل حالها بهذه السرعة، فمنذ عدة ثواني كان يشعر بابتسامتها تتسع كل دقيقة فلماذا الآن تكشر عن أنيابها هكذا
- زهرة أنتِ هرمونات النكد كانت نائمة وصحيت عندك ولا إيه
دون أن يشعر وحد لسانه يسألها باستعجاب لتجيبه بشجن
- ودلوقتي بتقولي زهرة، من شوية مكنتش زهرة خالص، مش كفاية كنت بترد عليا بطريقة مش كويسة، هي دي الوصية اللي وصاك بيها الرسول.
- أنا يا بنتي مش اعتذرت لك وقلتِ مش زعلانة!
إلى هنا لم تستطع أن تكمل في دلالها الذي تمارسه عليه فارتفعت ضحكاتها لتقول بصوت متقطع من أثر الضحك
- أنا بس بوريك النكد بتاع البنات بيكون عامل إزاي
اتسعت ابتسامته بقوة حينما أدرك ما فعلته ثم قال بمرح
- يا شيخة أنا قلت اتحولت إزاي دي ولا أنا اتخميت ولا إيه
ارتفعت ضحكاتها بقوة حتى كادت أن تصل للمارة فانقلبت تعابير وجهه إلى الجدية ليهتف بتحذير
- زهرة صوتك والناس
خف صوتها شيئًا فشيء حتى اختفى تمامًا فقال بحدة
- خدي بالك بعد كدا
هزت رأسها عدة مرات باضطراب من تحوله المفاجيء فأدرك هو ما باتت عليه ليقول بهدوء
- إن شاء الله بكرة هاجي عندكوا بس النهاردة مينفعش عشان الشغل لكن كدا كدا هاجي أصلي الجمعة هنا بكرة
-ما أنا متطمنة إني هسمع صوتك بكرا عشان كدا جيت لك النهاردة عشان أشوفك كل يوم
اتسعت ابتسامته بسعادة من تعلقها به الذي تبديه له بكل كلمة تتحدث بها، أحيانا ما يشعر بالذنب تجاهها لكونه لا يبادلها نفس درجة حبها، هو بات يحب وجودها والتحدث إليها، بل يشتاق إليها كلما غابت عنه ولكن يعلم أنه لم يصل بعد إلى درجتها فما ذنبه هو إن كانت هي قد عرفته أولًا، هي تعرفه منذ شهور وتهيم به عشقًا أما هو فلم تتعدى معرفته بها عدة أسابيع فمن الطبيعي أن تكون مشاعرها هي أقوى منه، هكذا طمئن نفسه قبل أن يجيبها بمرح
- دا أنتِ بتعاكسيني بقا.
ابتسمت بخجل فهمس بخفوت مغازلًا
- تبسمي وتدللي فالدلال سيموت حسرة إذا خاصمته روحك والابتسام سيفقد فائدته إن لم يكن على ثغرك أنتِ.
اتسعت ابتسامتها تسأله بخجل
- إزاي اتعلمت تقول الكلام دا بالفصحى
- أنتِ مش عارفة إن الشيخ منتصر بيمنع الكلام العامي في دروسه ولا إيه، دا أنا أحيانا بتكلم بالفصحى متأثر بيه.
- أيوة خدت بالي يوم الخطوبة فعلًا
ابتسم بإيجاب قبل أن يقول
- يوم العقد لو سمحتِ في فرق، وبعدين اطلعي فوق يلا عشان أنا واقف بالعربية بقالي كتير والناس هتاخد بالها مش عايزين نلفت نظر حد لينا
أومأت إليه بإيجاب قبل أن تقول وهي تفتح باب السيارة
- السلام عليكم
- بابتسامة أجابها
-عليك وعلى قلبك السلام ورحمة الله وبركاته.
انتظر لعدة ثواني حتى اطمئن لدخولها من باب البيت فانطلق بسيارته بحال غير الذي كان عليه قبل زيارتها له.
***********
دلف من باب المنزل وأفسح الطريق لها كي تتبعه ولكنها وقفت مترددة ولم تفعل كما أراد، عقد حاجبيه باندهاش حينما وجد المنزل خاليا منها فعاد إليها مرة ثانية ليجدها واقفة كما كانت دون حراك، لأول مرة وجه حديثه إليها منذ أن اصطحبها معه ليقول بخفوت
- ادخلي مستنية أقولك
نظرت إليه قليلًا نظرة أودعت فيها كل الألم الذي تشعر به قبل أن تقول
- مش هدخل معاك إلا ما توعدني إن موضوع الأطفال دا ميأثرش علينا تاني
تنهد بقوة قبل أن يقول
- مش هفتح الموضوع دا معاكِ تاني
بانفعال قالت
- أنا بقول ميأثرش يا يونس متلعبش بالكلام.. لو مفتحتش الموضوع بس فضل مأثر فيك يبقى كدا الموضوع زاد سوء
- أوعدك
تنهدت براحة قبل أن تسأله بتردد وهي مازالت واقفة بالخارج
- هو إحنا كدا رجعنا؟ مفيش أي إجراءات بتتعمل عند المأذون؟
أخافه سؤالها الذي أوصل إليه أن فترة العدة قد انتهت ليسألها بصوت مضطرب
- هو كدا عدى تلت قروء؟
عقدت حاجبيها بعدم فهم فأتبع
- القرء دا يعني الطهر ما بين الحيضتين يعني الفترة اللي المرأة بتكون طاهرة فيها من بعد الحيض لحد ما ييجي الحيض في الشهر اللي بعده دي اسمها قرء والمفروض المطلقة عدتها ثلت قروء.
- هي مش تلت شهور؟
نظر إليها وهي مازالت واقفة في الخارج ليتجاهل سؤالها بسؤاله
- عدى تلت قروء ولا لسة
هزت رأسها بالنفي وهي تقول
- لسة ولا عدى تلت قروء ولا تلت شهور
تنهد براحة وكأن جبلًا من الهموم قد انزاح من فوق قلبه قبل أن يقول وهو يجذبها من ذراعها برفق
- طيب تعالي ادخلي نكمل كلامنا جوة
دلفت إلى الداخل وهي مازالت على ترددها ليقول مجيبًا عن سؤالها السابق
- عدة المطلقة المدخول بها لو مش حامل نوعين النوع الأول لو كانت آيسة يعني ست كبيرة جابت سن اليأس معادش بييجي لها حيض أو مثلا بنت صغيرة مبيجيش ليها حيض دول اللي عدتهم تلت شهور بدليل إن ربنا قال (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ) لكن اللي بييجي لها حيض عدتها تلت قروء ربنا سبحانه وتعالى قال ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) يبقى عدتك بالقروء
هزت رأسها بالإيجاب لتقول
- طيب كدا خلاص يعني إحنا رجعنا
- أنا رديتك لعصمتي يا خديجة.
لا تدري لما انسابت دموعها حين سماعها لجملته فاقترب منها ليمحي دموعها بأنامله قبل أن يحتضن وجهها بكفيه يقول بحنان
- بتبكِ ليه
رفعت عينيها إليه قبل أن تقسو نظراتها وهي تزيح كفه عنها لتقول بعنف أظهر كل عنائها
- اوعى تفتكر إننا كدا خلاص رجعنا زي الأول، رجوعنا حاجة واني أسامحك دا حاجة تانية، أنت أفعالك أثبتت إني ولا حاجة عندك وإنك ممكن تبيع في أي وقت، أنت دوست على كرامتي ومش بالسهولة دي هدوس عليها مرة تانية وأسامحك يا يونس، انسى
هرولت إلى الغرفة التي كانت تنفرد بها بعدما ألقت كلماتها بوجهه ليزفر بضيق نادمًا بعدما حدث ما كان يخشاه.
**********
- أول مرة أحس إني قصرت في حق حد من أولادي يا أم يونس، الندم مش عايز يفارقني إني سكت كل دا، تخيلي لو كنت استنيت كانت عدتهم ممكن تخلص وينتهي كل شيء
باح بكلماته الشيخ منتصر وهو يرتكن برأسه يريحها على قدميها كما يفعل كلما ضاقت به الدنيا لتمرر أناملها بين شعره الذي اشتعل شيبا وهي تقول بحنان وقلب ضائق لأجل ولدها وصاحبته
- وإنك تروح في الوقت دا دي حاجة تزعلك؟ بالعكس دي حاجة تقوي ثقتك في ربنا إنه سبحانه مبيعملش حاجة وحشة وخلاك تتدخل قبل فوات الأوان، يمكن لو كنت أدمت مثلًا مكانش حصل حاجة يعني مكانش هيحصل الموقف دا مع والدتها وكانت هتفضل تتدخل في حياتهم لكن ربنا خلاك تروح وقدر إن يونس يوصل في الوقت دا لحكمة وبردوا لو كنت اتأخرت كان ممكن فترة العدة تنتهي من غير أي حاجة لكن ربنا سبحانه وتعالى تخطيطه أقوى بيخلينا نعتمد عليه واحنا مغمضين عنينا، شوف الرجعة دي جت في الوقت المناسب بس يارب ابنك يعقل وميدمرش حياته هو ومراته.
- يارب ربنا يهديه ليها ويهديها ليه ويرزقهم بالذرية الصالحة.
ابتسمت تؤمِّن على دعائه فابتسم هو الآخر ليجذب يدها من على رأسه ليقبل راحتها برضا قبل أن يتمتم
- دايمًا كلامك بيكون زي النور اللي بينور قلبي وببخرج أي عتمة موجودة فيه، ربنا يبارك لي فيكِ ويجعلك زوجتي في الجنة.
ابتسمت بسعادة تتمتم بكلمات غير مفهومة وكأنها ملكت الدنيا بين يديها بما قال؛ فابتسم إليها لتعم قلبوهم سكينة وراحة يخص الله بها قلوب الصالحين.
************
كان "يونس" جالسًا ببهو المنزل يتابع أحد البرامج الدينية على التلفاز وصوت أنينها الذي يتصاعد من غرفتها يجعل قلبه يرتج بين الثانية والأخرى، يشعر ببكائها ليس على ما حدث اليوم فحسب، بس صوتها هذا يخبره بأنها تبكي جميع ما حدث منذ تلك الليلة الذي تعهد بها قلبه أن يجافيها حتى تمل منه وتهجره، نهض متجًا إلى غرفتها غير قادرًا على تحمل بكائها وتركها تبكي هكذا، فإن كان قد فعل في السابق وأضنى قلبه بمجاوزة بكائها دون أن يربت على قلبها، فقلبه قد انشق من كثرة ما فعل به وبات ضعيفًا لا يحتمل أكثر من ذلك، فتح باب الغرفة دون أن يطرقه ليجدها بنفس الحالة التي وجدها عليها بتلك الليلة التي طلقها، اقترب منها سريعًا ليجلس بالقرب منها قبل أن يعود لسابق عهده ويحتضنها كما كان يفعل إلى أنها ظلت تلفظه خارج أحضانها وهي تتمتم
- حتى دي مبقتش ذكرى حلوة بينا زي ما كانت، كل ما أبكي مبفتكرش الموقف دا، بفتكر إزاي كنت بتسبني أبكي ومتعبرنيش، أنت ضيعت كل حاجة حلوة، سرقت مني ذكرياتي، مش مسمحاك يا يونس مش مسامحاك
حاول تجاهل ما تقول ليحاول جذبها إليه مرة أخرى إلا أن محاولة عناقها باتت أصعب من عناق أعتى الجبال وهي تدفعه بكامل جسدها هكذا وكأن شيطانًا تلبسها فجذب رأسها تحت أحد ذراعيه ليقول بندم
- مكنتش بفكر غير فيكِ، إنك تعيشي سعيدة بعيد عني، أهون عندي من إنك تقتليني بنظراتك كل ما تشوفي طفل صغير، أنا آسف
استكانت قليلًا بعدمًا استمعت الجزء الأخير من كلماته وقلبها العاصي رغمًا عنه يئن وجعًا شفقة عليه، هي تعلم ما يعاني منه، وتعرف أن حزنه الشديد هو ما يجعله متخبطًا هكذا فلا يدري ماذا يفعل وكأن شيطان حزنه هو الذي يحركه، ولكنه قد تمادى في جرح كرامتها فأكثر ما يؤلم قلبها أنه فرق بينها وبينه وهما الذان قد اتفقا سابقًا أن لا فرق بينهما.
ابتعدت عنه حينما شعرت به أرخى قبضته ثم نظرت بصمت إلى الجانب المعاكس له وعقلها يتذكر ما حدث قبل أن يصطحبها إلى هنا، تذكرت كيف صعد هو ووالده برفقة والدتها ونظرات أمها التي كانت تختبيء من يونس كلما تقابلت معه، شعرت بالاستعجاب حينما وقف يونس على باب البيت ورفض الدخول برفقتهم فزجره والده إلا أنه طلب منه باحترام أن يدع خديجة تجمع أشيائها، ضاقت بها نفسها حينما طلبت منه والدتها الدخول وهي تقول بنظرات هاربة منه
- ادخل يا ابني ومتفتكرش أي حاجة حصلت لازم نتكلم جوة عشان الناس
- آسف بس مفيش كلام بيني وبين حضرتك.. لو سمحتِ يا خديجة شوفي هتاخدي إيه ويلا.
شعرت بالنفور منه لرفضه طلب والدتها وإحراجها برفض طلبها فقالت بتذمر
- عمومًا أنت حر هي مش هتتحايل عليك.
رمقها بعتاب قبل أن يلتفت بنظراته إلى والدتها التي تحدثت بندم وخجل
- عنده حق يا بنتي أنا بنفسي طلبت منه بقلة ذوق إني مشوفش وشه هنا تاني وأهنته كتير اللي بيعمله دا أقل حاجة بعد اللي عملته معاه
عقدت خديجة حاجبيها بجهل واندهاش قبل أن تسألها
- إزاي دا يا ماما.. وامتى
كادت والدتها أن تجيبها إلا أن يونس أوقفها وهو يقول
- ملوش لزوم الكلام دا دلوقتي، يلا لو سمحتِ مينفعش نقف كدا كتير
دلفت لجمع أشياءها فتبعتها والدتها لتسأ لها عما كانوا يتحدثون بالخارج.
باضطراب قصت والدتها عليها جميع ما فعلته مع يونس لتخر خديجة باكية وهي تسقط على فراشها مرددة بلوم
- ليه كدا يا ماما حرام عليكِ.. حرام عليكِ.. أنا كنت بجاهد عشان أصلح من ناحية وأنت كنت بتخربي بيتي من ناحية تانية، ليه كدا؟ أنا اشتكيت لك؟ مش كفاية المعاملة اللي كنتِ بتعامليه بيها كمان تعملي كدا.. أنت ِ نسيتي أنا كان بيتقال عليا إيه وهو اللي سترني.. نسيتي كل دا لمجرد حاجة واحدة بس هو ملوش ذنب فيها، ربنا يسامحك يا أمي على وجع القلب اللي سببتيه لينا دا، أنا ماشية مع جوزي وأتمنى متتدخليش بينا تاني.
نفضت عن عقلها ما حدث بينها وبين والدتها لتتذكر كيف وجدوا رجال الحي ينتظروهم بالأسفل وخاصة زوج المرأة التي تعرضت لخديجة كي يعتذرون لهم فأبى يونس المسامحة إلا باعتذار المرأة لخديجة بل وأجبرها أن تمضي على إحدى الأوراق لتتعهد بعدم التعرض لها ولو بالنظرة مرة ثانية.
فاقت مش شرودها على يده تربت على ظهرها بعدما ارتفع أنينها رغمًا عنها فانتقضت تقول
- لو سمحت سيبني دلوقتي عشان عايزة أنام
نظر إليها برفض فقالت بقوة
- لو سمحت عايزة أنام مش قادرة أتكلم دلوقتي
- نامي وأنا هقعد هنا مش هضايقك
قالها برجاء لتجيبه برفض
- فات الأوان على جملتك دي يا يونس أنا استنيتها منك كتير، اخرج لو سمحت
نظر إليها بتردد فنهضت هي واتجهت إلى الغرفة الأخرى لتقول
- ياريت تفضل هنا لأني عايزة أنام
هز رأسه بقلة حيلة بعد خروجها لتشرد عيناه بأثرها يتمنى لو تعود الأيام ليصحح أخطائه التي يبدو أن عقابه عليها سيكون غير هين بالمرة.
***********
بسعادة وخجل مازال يلازمها ببداية كل لقاء بينهما دلفت زهرة إلى الغرفة التي يستقبلون هاشم بها، ألقت السلام عليه وعلى أبيها ووالدتها التي كانت تجلس برفقتهم متخلية عن نقابها كما فعلت بيوم العقد، جلست بالمقعد المجاور له تعدل من وضعية فستانها الأبيض الذي تناثرت عليه الوردات الأرجوانية الهادئة، عدلت من حجابها الأرجواني وكأنها تتيقن من كمال هيئتها فاستمعت إلى صوت والدها يصيح بمرح
- معدولة معدولة
ابتسمت بخجل لالتفاته لهذا الأمر فارتفعت ضحكات الجميع عليها، جلس والدها برفقتهم لعدة دقائق حتى استأذن من هاشم فوافق الأخير الذي قال لها عقب خروجهم
- تعرفي إن شكلك بالنقاب مختلف خالص عن شكلك من غيره
- كل الناس بيقولوا لي كدا عينك مش شبه شكلك
- أول مرة شوفتك فيها كان عادي لأني مكنتش شوفتك بنقاب لكن إما شوفتك استغربت بس اتعودت بقا
ظلوا يتحدثون معًا لبعض الوقت حتى قالت زهرة
-تعرف إننا متصورناش مع بعض ولا صورة لحد دلوقتي حتى يوم العقد متصورناش
أتبعت كلماتها بأن نهضت من مكانها واستقلت المقعد المجاور له فقال بهدوء
- الصراحة مبحبش الصور أوي عشان في كلام فيها فبقول نبتعد عن الشبهات أحسن يعني الأفضل إننا منتصورش إلا لضرورة.
رأي انزعاجها الذي بدى على وجهها فقال باقتراح
- طيب ممكن نتبادل الصور وخلاص أكيد كل واحد معاه صور لنفسه
رأي الإحباط على وجهها لتهتف بعدها
- بس أنا شوفت شيخ بيقول إنه ممكن نتصور عادي
- ما أنا بقولك فيها خلاف في رأي قال إنها ممكنة وشايفين إنه كدا مش مضاهاه لخلق الله ولا حاجة
- طيب ناخد بالرأي التاني ونتصور
ابتسم لتصميمها على ما تريد وكأنها طفلًا تعلق بشيء فقال
- أنا دايمًا ببعد عن الشبهات ودا أفضل بس عشان الخلاف دا هوافق على صورة واحدة عشان خاطرك بس متستنيش مني أوافق تاني على حاجة متعلقة بالدين عشان مش هتتكرر
أومأت إليه بإيجاب لتقول بحماس
- طيب هات تليفونك عشان نوعه أفضل أكيد الكاميرا بتاعته أحلى.
أعطاها هاتفه الذي كان يضعه على الطاولة أمامه بعدما رسم على شاشته أحد النقوش العشوائية فصارت تلتقط لهما معًا عدة صور دون أن تمسه خجلًا منه إلى أن فعل والتقط كفها بأحد الصور فباتت هي أجملهم.
طلب منها أن تمحيهم وتنتقي واحدة منهم فترجته إلى أن ترك اثنتين فقط وطلب منها أن تضعها بالمفضلة حتى لا يراها أحدهم إن أخذ هاتفه منه.
امتثلت لما قال لتعبث قليلًا بالهاتف حتى عقدت حاجبيها أمام إحدى الصور التي تظهر أمامها لتسأله
- صورة مين دي اللي متصور معاها؟ دي مش أختك!
يتبع..
زهرة الهاشمي
الفصل الحادي عشر"ندم"
عقد حاجبيه باندهاش شديد من سؤالها، أمن الممكن أن تكون لا تعرف حقيقتها كما يبدو على محياها أم أنها تسأل لتشبع فضولها بمعرفة ما يفعل حينما تُذكر يمنى أمامه وخاصة أنهما لم يسبق لهما حديث فعلي عنها.
شعر بالتوتر من هذا الموقف الجديد عليه حينما وجد علامات الجهل ترتسم على وجهها وهي تنتظر إجابته ليجيبها
- أنتِ مش عارفة بجد!
هزت رأسها بالنفي وبعض القلق تسلل إلى قلبها حينما استشعرت اضطرابه ليصعقها بإجابته
- شيخي مقالكيش وقت ما كلمك عني؟!
تسارعت أنفاسها بقلق وعقلها يسافر حيث أسوأ التخيلات، حتى أنها جال على فكرها أنه متزوج ويبتغيها زوجة ثانية له، لم تكن تدري أنها تهز رأسها بالنفي ولم تتوقف أبدًا ليقول بهدوء بعدما تنهد بقوة في محاولة منه لعدم إبداء مشاعره
- دي يمنى.. بنت عمتي وكنت عاقد عليها.
صمتت لفترة تعدت الدقيقتين لينظر إلى ملامحها المنصدمة باستعجاب قبل أن يتابع
- أنا متكلمتش معاكِ في الموضوع دا لأن الشيخ منتصر قال لي إنه هيعرفك عني وهو كان عارف وطبيعي إن دي حاجة تعرفيها من قبل ما آجي، أنا محبتش أتكلم عن الموضوع دا وأنتِ كمان متكلمتيش فاعتقدت إنك مش حابة نتكلم عنه.
ظلت على حالها ولم تجيبه بما يشفي قلبه، ظل صامتًا هو الآخر لعدة دقائق يتابع جمودها الذي أشعره بأن وجوده الآن غير مرغوب فيه، إلا أنه آثر أن يتحدثان في الأمر قبل ذهابه، فليس من الصواب أن يتركها هكذا دون أن يخبرها بحقيقة الأمر.
- شايف معرفتك بالموضوع مأثرة عليكِ جامد، هو دا يقلل مني في نظرك؟
سألها بجدية لتخرج أخيرًا من صمتها وهي تجيبه
- أكيد لأ بس أماني كتير كنت عايشة فيها كلامك هدها.
- دي حاجة فاتت من سنين وملهاش علاقة بينا دلوقتي
- أنت مش فاهمني... أنا كنت فاكرة إن أنا أول واحدة تتكلم معاها وأول واحدة في كل حاجة، لكن أكيد دلوقتي مش بتفرح بكل حاجة زيي، بتحس بكل حاجة متكررة وممكن شعورك في المرة الأولى كان أجمل، أنت كمان بتقول إنها قريبك يعني كنت عارفها قبل ما تخطبها.
زفر بهدوء قبل أن يلتقط كفها الذي كانت تحركه بحركات موازية لكلماتها ثم ضمه بحنان بين كفيه ليقول
- مين قالك كدا؟ علاقتي بيمنى الله يرحمها كانت حاجة وعلاقتي بيكِ حاجة تانية، مفيش أصلًا وجه شبه بينك وبينها عشان أحس بالتكرار زي ما بتقولي، مشاعري ليكِ حاجة وليها هي حاجة تانية.
جنَّ عقلها حينما تبعها ب"هي" حتى أن غيرتها أعمتها عن التفكير بأن هذه المرة الأولى التي يشير فيها إلى مشاعر تجمعه بها فسألته باندفاع
- يعني أنت كان في مشاعر بينك وبينها
صعقه سؤالها فلم يدرِ بما يجيبها ليصمت قليلًا قبل أن يقول بهدوء
- طبيعي يا زهرة، يمنى كانت مراتي.
تسارعت أنفاسها بضيق شديد مما تلفظ به، فإن كان ما يقوله طبيعيًا إلا أنه ليس من السهل على المرء أن يستمع إلى كلمات رفيق عمره عن شريك آخر له، شعر بالضيق يسكن قلبه حينما تبدل حالها هكذا، يتفهم ما تشعر به، ولكن ماذا بإمكانه أن يخبرها؟ أيكذب ويدعي كرهه للأخرى عله يريح قلبها؟ وهل ستشعر بالأمان معه إن أبدى لها عدم وفائه لمن كانت زوجته قبلها؟ هو أراد منذ البداية أن يخبرها بعلاقته بيمنى إلا أنه اعتقد أن والدها قد أخبرها ثم الآن أراد أن يعلمها بمكانة الأخرى لديه كي لا تشعر بالضيق كلما ذكرها أحد أقاربه، فبالطبع ستمضي الكثير من الوقت برفقتهم ومن الوارد أن يقوم أحد بذكر يمنى وعلاقتهم القوية أمامها.
- طب هي لو ظهرت تاني هتختار مين فينا؟
صدمته بسؤالها ليجيبها بحسم علها تغلق هذا الحديث
- يمنى ماتت يا زهرة هتظهر إزاي هو الميت بيرجع؟
- أنا بقول لو كانت موجودة هتختار مين فينا؟
سألته بإصرار ليجيبها دون تفكير
- يمنى الله يرحمها ليها مكانة خاصة عندي وأنتِ ليكِ مكانة تانية، وأتمنى متخيرنيش بينكوا تاني عشان السؤال دا مينفعش
لم تعر ما قال اهتمام لتتغلب عليها غيرتها وخاصة حينما استشعرت ثورته لأجل الأخرىفجعلتها تقول باختناق
- بتتهرب من الإجابة يبقى أنا عرفت هتختار مين
بهذه اللحظة شعر بالضيق الشديد منها، شعر بها تُحمل قلبه عبئًا هو ليس بحاجته الآن فيكفيه التغلب على تلك الوساوس التي تراوده رغمًا عنه بين الحين والآخر، نظرت إليه بعناد تنتظر أن يقول شيء لتجده يقابل انتظارها بالصمت فسألته بقهر
- أدام بتحبها كدا ليه خطبتني؟
مازالت تضغط على قلبه وتريده أن يجيب على ذاك السؤال لتعلم من سيرجح كفتها،تسأله بسؤال هو نفسه لا يعلم إجابته، فيمنى كانت ومازالت رفيقة قلبه وهذه الأخرى احتلت بدلالها مكانة لديه فلم يعد يستطيع الاختيار بينهن، ولماذا عليه أن يرهق قلبه ويختار؟ فالأخرى صارت من الأموات وهذه لا ينبغي لها أن تذكرها سوى بالترحم عليها.
-خطبتك عشان الحياة مش بتتوقف على موت حد، هي كانت ومازالت ليها مكانة في قلبي بس مينفعش أقف على موتها وأنهي حياتي أنا كمان، ربنا سبحانه وتعالى مخلقنيش عشان كدا، وبعدين هو أي حد كان عاقد لو زوجته ماتت يبقى لازم يفضل طول حياته رافض الزواج؟ ليه متفضلش زوجته ليها مكانتها ويكمل حياته على اعتبارها ذكرى جميلة كل ما يفتكرها يدعي لها.
لم يدرِ كيف استطاع لسان حاله أن بجيبها محاولًا إقناعها بهذه الدرجة من الهدوء مع تلك البراكين التي تشتعل بقلبه بسبب هذا الضغط النفسي الذي يعانيه.
- يعني لو أنا كمان ربنا أخدني هتتزوج غيري بالسهولة دي؟
لم توجعه إهانتها له بصورته التي ارتسمت في ذهنها وكأنه شخص لا عزيز له على قدر ما أوجعه ذكر الموت أمامه مرة أخرى.
شعر بالضيق يتمدد من قلبه ليصل إلى أعلى عنقه حتى كاد أن يختنق فسحب يده بخفة فلم تغفل عن حركته وخاصة بعدما شعرت بالتعري بعدما كانت تتشح بثوب الحنان الذي كان يغلفها به.
دون سابق إنذار نهض واقفًا ليغمغم بنبرة بعيدة عن نبرته
- بعد إذنك أنا لازم أمشي دلوقتي شوفي لي الطريق لو سمحتِ
راودها الندم بعدما رأت حالته تلك، فعندما تحدث شعرت ببدنها يقشعر وكأنه بكلماته سكب بجوفها بعضًا من الضيق الذي يعتريه، أرادت أن تثنيه عن قراره الذي اتخذه بقولها بنبرة مضطربة
- لسة بدري
- شوفي لي الطريق لو سمحتِ
ولأول مرة يراودها الخوف منه منذ أن تعرفت عليه، على الرغم من أن نبرته كانت هادئة، لم يتعدَ حدود الأدب فيها، إلا أنها أخافتها ، فلم تكن هذه مجرد كلمات ألقاها على مسامعها، بل شعرت به وكأنه بث عتابه لها أجمع بكلماته تلك فخرج بتلك الطريقة الجديدة عليها، بهذه اللحظة أدركت أنها أخطأت بتفسيرها لزواجه منها بسرعة التخلى عن زوجته الأولى، فحالته هذه لا تدل على أنّ تجاوز زواجه منها كان يسيرًا، فتلك الكآبة التي حلت به أخبرتها أن هذا الرجل قد عانى الكثير من أجل الأخرى وكان ومازال بمرحلة التداوي لتأتي كلماتها فتعيد انتكاسته مرة ثانية.
*********
بظهر اليوم الثاني
استيقظ "يونس" منزعجًا على صوت أحد الأجهزة الكهربائية المختصة بخلط المقادير لتصبح سائلة"الخلاط" نهض من فراشه متجهًا إلى الخارج ليرى ماذا تفعل، رآها تقف أمام إحدى الطاولات منهمكة في تقطيع الطماطم الحمراء لتعود بفرمها فاتسعت ابتسامته على هذا المشهد الذي اشتاق رؤيته حد السماء، لا يعلم كيف كانت حماقته ستحرمه من هذا الدفء الذي يعتريه، الجميع يظن أن البيوت لا حياة لها بدون أطفال يلهون هنا وهناك، إلا أننا من جعلنا هذه المقولة وكأنها آية قرآنية لا خطأ فيها، حتمًا يضيف الأطفال للبيوت مشاعر لا شبيه لها إلا أننا نستطيع التعايش بدونهم إن كتب علينا ذلك، فحاشاه سبحانه وتعالى أن يحمل الأنفس مالا تطيق.
اقترب منها برفق ليضع كفه على عينيها كما كان يفعل سابقًا ثم سألها بمرح
- أنا مين
انتظر أن تفعل كما السابق لتلتفت إليه وتخبره بحنان
"أنت يونس ابني وحبيبي وزوجي وأبي"
إلا أنها أسقطته على جدار الواقع وهي تنزع يده عنها برفق لتقول بهدوء
-هيكون مين يعني
ابتلع غصة مريرة في حلقة حينما قابلت تودده إليها بهذه الإجابة واختفت الإبتسامة خلف وجنتيه اللتان أعادهما لحافرتهما.
شعرت بقلبها يهوى بين قدميها باكيًا من موقفها هذا، ولكنها تخشى الصفح، تخاف أن تعفو عنه فيعود لأفكاره العقيمة مرة ثانية.
حاول التغاضي عن فعلتها ليقول بابتسامة أجبرها على الظهور هذه المرة
- بتعملي لنا إيه
لم تقدر أن تجفو في إجابتها أكثر من ذلك لتجيبه بهدوء وهي تنتقل إلى تقطيع الطماطم مرة ثانية
- هعمل صينية بطاطس باللحمة
شعر بالسعادة تعتريه لإجابتها عنه حتى وإن لم تصل الإجابة إلى نفس طريقتها في السابق، فلم تكن خديجة تخبره سريعًا عما تفعل هكذا، بل كانت تشاكسه وتطلب منه تخمين ما ستفعل حتى أنها كانت تساعده في الإجابة بسرد بعض المكونات عليه، أما الآن فجاءت إجابتها بدون حياة وكأنها تجيبه رغمًا عنها، ولكن على كل حال تسلل بعض الأمل إلى قلبه، فبالأمس كانت تأبى مجاورته وصرخت حينما حاول التحدث إليها واليوم تجيب عن سؤاله، هناك بعض الأمل.
نظرت إلى أثره تتمتم بعدما ذهب إلى المرحاض ليتوضأ كي يلتحق بصلاة الظهر مع الرجال بالمسجد
- ربنا يهديك ليا علطول
تابعت ما كانت تفعل حتى استمعت إلى صوته يسألها بهدوء وهو واقفًا عند باب المنزل
- هتحتاجي حاجة وأنا جاي؟
هزت رأسها بالنفي حسرة على تلك الأيام التي كانت تتدلل عليه بها لتخبره بأن يأتي بالسناكس والتسالي التي تحبها.
أومأ إليها بإيجاب بعدما أشارت بالنفي ليسب حماقته للمرة الألف على تلك الأيام التي أضاعها من بين يديه.
اتسعت ابتسامتها وهي تتذكر تلك العباءة البيضاء التي كان يرتديها والتي دائمًا ما كانت تتغزل به حينما تراها عليه، زاد اتساعها أكثر من ذي قبل وهي تعلم جيًدا أنه ما ارتداها اليوم إلا ليرى ردة فعلها عليه بينما هي كبتت كلماتها التي كان ينتظرها لتطلقها الآن بصوت هائم ارتفع قليلًا
- عسل يا ناس.
كادت أن تعود إلى المطبخ لتتابع طهو الطعام إلا أنها صعقت حينما استمعت إلى إجابته المعتادة على جملتها تلك
- بس يا ماما.
شهقت بخجل لتضع أناملها على شفتيها بعدما أدركت أنه كان يقف خلف الباب ليستمع إن كانت ستقول شيء كعادتها، لم تكن تتخيل أبدًا أنه سينتظر ردها على هيئته، فمن ذا الذي أخبره بأنها ستقول ذلك، فلم يدخل إعتقادها أنها تدابير الله تعالى، وأنه سبحانه من يدير المواقف ليستجيب لدعائنا ويريح الأفئدة المتعبة بعد عنائها.
**************
كان "هاشم" جالسًا على أحد المقاعد بمحل عمله يقرأ بمصحفه الذي لا يصاحبه غيره في أوقات ضيقه، وكيف لها ألا يبكي قلبه بعدما حدث بالأمس، يعلم أنها لم تقصد إهانته وأن غيرتها هي ما دفعتها لترميه بتلك الكلمات، ولكن ماذا يفعل بقلبه الذي يبكي ولا يقبل المواساة بأي الكلمات.
يريد أن يزيح ذلك الضيق عنه ويتناسى ما حدث، إلا أن قلبه يأبى بشدة وكأنه يثأر منه، أغلق مصحفه حينما دلفت إحدى النساء لتقف أمام مكتبه تخبره بإرادتها في شراء أحد الملابس الشرعية.
أعطى لها ما تريد وكاد أن يجلس مرة ثانية إلا أن المرة التفتت إليه بخجل لتقول بتردد
- بس لو المقاس في مشكلة ممكن أبدله صح؟
أومأ إليها بالإيجاب قبل أن يطلق أنفاسه بعنف مدركًا ما ترمي إليه المرأة، فخجلها قد أعلمه أنها تشير إلى ذلك المنشور الذي نشر عنه، وكيف لها ألا تفعل ذلك ومعظم زبائنه قد خفت حركتهم بدرجة كبيرة حتى بات المركز لا يتردد عليه سوى من يظهر عليهم أنهم لا يعلمون عن ذلك المنشور شيء، والقليل ممن يعرفونه جيدًا ولم يتأثرون بما قيل عنه.
لن ينسى المرأتين العجوزتين اللتان أتتا قبل عدة أيام لتقف إحداهن بعدما رأته وتخبر الثانية بعنف
- أنتِ جايبانا هنا لية، مش دا اللي أحمد ورانا صورته وقال لنا بيبيع حاجات مقطوعة ومبيرجعهاش وحذرنا نشتري منه.
شعر بالضيق يسكن قلبه بعدما استمع إلى كلماتها ولكن تظاهر بعدم الاستماع ليشعر بالأخرى تمعن النظر فيه قبل أن تقول بعدما شهقت بقوة
- صدقي.. دا هو الجدع دا.. تعالي .. تعالي يا أم أحمد نشوف مكان تاني. بلاش الناس دي.
دق على الطاولة أمامه بعنف عله بنفس عن بعض ما يشعر به وخاصة بعدما وقعت عيناه على الأموال الخاصة بالمركز للمرة الألف، لا يدري كيف لمنشور أن يفعل كل ذلك، فربح السنتر بات قليل جدًا حتى أنه لم يكفِ سوى لدفع إيجار المكان وشراء البضائع المفقودة وخاصة مع اقتراب عيد الأضحى الذي يعد موسم شراء بالنسبة له.
فاق من شروده بمشكلات المركز على رنين هاتفه لينظر إلى الرقم المتصل بتردد لا يعلم أيجيب الآن أم ينتظر حتى يصبح في حالة تسمح له بتبادل الأحاديث.
عادت إلى غرفتها تشعر بالذنب يطوقها من جميع الجهات بعدما تحدثت مع أبيها وسألته عن زواج هاشم الأول ولم تبخل بقص ما حدث بينهما على مسامعه ليزجرها الآخر ويخبرها باختصار عن امتناع هاشم من الزواج بعدة سنوات بعد موت يمنى، أراد أن يخبرها عن الكثير والكثير مما كان يعانيه الآخر إلا أنه لم يقدر على فتش أسراره، فإن أراد هاشم إخبارها فليفعل، أما هو فليس له الحق أن يخبرها سوى بما يعلمه جميع الناس.
ارتمت على فراشها تفكر في طريقة للتحدث معه وإنهاء هذا الموضوع بينهما كي يرتاح قلبها ولكنها تريد أن تعتذر أولًا، فأبيها قد أخبرها بخطأها بحق الآخر وعاتبها على ما فعلت، بل وعاتبها على أنها قصت عليه ما حدث بينها وبين هاشم، وحذرها من أن تخبر أحد بأي من أمورهما مرة ثانية كي لا تجافي القلوب بعضها، فهاشم وإن كان أقرب الناس إليه إلا أن معزته له لن تضاهي حبه لإبنته ويخشى أن يحمل في قلبه عتابًا له إن أخطأ بحقها ذات مرة، فعلى الرغم من أن هذا الموقف لم يزد هاشم في عينه سوى احترامًا وخاصة حينما امتنع عن إخبار ابنته بسبب خطبته لها حينما احتدم الأمر بينهما إلا أنه يخشى أن يحزنها في أحد الأيام فيحزن هو لأجل زهرة.
رفعت هاتفها على أذنيها بعدما ضغطت على اسمه لتنتظر لثواني قبل أن ينقطع الاتصال دليلًا على عدم إجابة الآخر عنها فزفرت بضيق لتفذق هاتفها باتجاه الحائط بيأس غير مدركة لعواقب ما تفعل.
يتبع..
زهرة الهاشمي
الفصل الثاني عشر "أزمة مالية"
لم تمضِ عدة دقائق حتى وجدت والدها يقتحم عليها الغرفة دون سابق إنذار، شعرت بالاندهاش من علامات القلق المرتسمة على وجهه ليسألها بعدما جالت عيناه بكل أنحاء الغرفة
- صوت إيه دا يا زهرة اللي وقع، فكرتك أنتِ اللي وقعتي يا بنتي.
تلقائيًا التفتت عيناها ناحية الهاتف الذي قد قذفت به الحائط فنظر والدها إليه ليجده واقعًا على الأرض، تحرك بقدميه حتى وصل إليه لينحني بجسده قليلًا قبل أن يلتقطه وينظر إليه بتفحص.
نظر إليها باتهام بعدما تفقد حالة الهاتف الذي باتت شاشته سوداء وانكسر الزجاج المحيط بالكاميرات الخلفية فقال بجمود
- التليفون واقع بعيد عنك ومقومتيش تجبيه، معنى كدا إنه موقعش غصب عنك؟
توترت من نبرة والدها التي يستجوبها بها فلم تستطع إجابته ليقول بحدة أفصحت عن غضبه الذي يشعر به
- ردي
- كنت متعصبة وحدفته غصب عني.
أومأ إليها بإيجاب بعدما ضغط على شفتيه السفلى كاظمًا غضبه منها قبل أن يقول أثناء خروجه من غرفتها دون أن يهتم لسبب غضبها
- تمام.. إما تقدري نعم ربنا وتكون الحاجة اللي مجاتش بالساهل غالية عندك ابقي تعالي شوفي هتتصرفي فيه إزاي
أرادت أن تعترض وخاصة حينما أدركت أنها لن تستطيع محادثة هاشم ولكنها جبنت عن إظهار اعتراضها ذاك وخاصة أمام غضب والدها الذي لا يستهان به وهو في أوج لحظات اشتعاله.
زفر هاشم بضيق حينما أجاب عن الهاتف ليردد السلام عدة مرات ولكنه وجد الاتصال قد انتهى من طرفها، فكر قليلًا قبل يعيد الاتصال بها، فهو قد اتفق معها من قبل أن لا يسمح للخصام بأن يقف حاجزًا بينهما مهما ازداد غضبهم ولا يمكنه الآن أن ينكث هو عهده معها.
حاول مهاتفتها عدة مرات إلا أنه وجد الهاتف مازال غير متاحًا ليزفر بضيق قبل أن يتركه وينشغل بالعامل الذي أتى بعدما كان يقضي إحدى المصالح بالخارج.
*************
اختبأت "خديجة" في غرفتها ولم تخرج منها أبدًا بعدما قامت بتجهيز الطعام وتغطيته على الطاولة المتواجدة بالمطبخ، فعلى أي حال هي لا تستطيع الخروج الآن بعد ذلك الموقف المخجل الذي حدث قبل ذهابه إلى الصلاة، حقيقة هي لا تدري أتختبيء خجلًا منه أم أنها التزمت غرفتها عقابًا لقلبها الذي صعد الدرجة الأولى من درجات العفو.
استمعت إليه يطرق على باب غرفتها لعدة مرات فأجابت بهدوء
- نعم
شعر التوتر يكسوه من نبرتها الغير حميمية معه ليسألها
- مش هتيجي تاكلي؟
هزت رأسها عدة مرات بالنفي وكأنه يراها فردد الآخر اسمها حينما استشعر صمتها لتقول بنبرة فضحت كذبها
- أنا أكلت
أخرج أنفاسه بقوة جعلت صوتها يصل إليها قبل أن يقول بهدوء
- طيب تعالي اقعدي معايا وأنا باكل أنتِ عارفة إني مبعرفش آكل وأنا قاعد لواحدي
- تنهدت بقوة وكادت أن تجيبه بالنفي إلا أنها فكرت قليلًا ليصل عقلها الحنون إلى أنه لن يتناول شيء إن لم تذهب معه فقالت
- طيب روح أنت وأنا جاية معاك.
أومأ بإيجاب قبل أن يتجه إلى المطبخ ليكشف الأغطية من فوق الأطباق ثم يجلس بانتظارها.
على استحياء تهادت في خطواتها حتى وصلت إلى أبعد مقعد عنه لتجلس عليه فرمقها بعتاب لتخليها عن مقعدها قبل أن يبدأ بتناول الطعام، ظلت تعبث بهاتفها الذي تصنعت الانشغال به حتى نهض هو قبل أن يكمل الدقيقتان، نظرت إلى الطبق الذي لم ينقص سوى لقيمات تكاد لا تذكر وأرادت أن تسأله عن سبب عدم إكماله لطعامه إلا أنها ابتلعت سؤالها في جوفها خاصة وهي تعلم الإجابة الوحيدة عنه.
نهضت لتجمع الأطباق وتضع ما بها في حافظة الطعام ثم غسلت ما أفرغته لتتجه إلا الخارج بعدما انتهت، نظرت بتردد إلى باب غرفتهما المفتوح لتجده متمددًا على الفراش وعيناه تقص متاعبها لسقف الغرفة، تأملته قليلًا مستغلة عدم انتباهه إليها قبل أن تشعر بحركته فتحركت باتجاه غرفتها، كادت أن تغلق الباب خلفها بعدما دلفت إلا أنها توقفت أمام تلك الأكياس اللامعة الموضوعة على أحد المقاعد فانتقلت إليه لتجدها التسالي والسناكس التي كانت تتدلل عليه بطلبها كلما انتهى ما عندها من "خزين الأسبوع" كما تسميه.
كادت أن تلتقط الأكياس بفرحة وخاصة بشعور الجوع الذي يطغى عليها إلا أن يدها توقفت قبل أن تمسه بعدما استمعت إلى صيحات عقلها الذي ذكرها بكرامتها المسلوبة.
عادت إلى غرفتها مرة أخرى، لينهض سريعًا ذاك الذي كان يشعر بها من بعيد ويتفحص الأكياس باهتمام إلا أن ذاك القبس من الأمل الذي تولد حينما رآها تتجه ناحية ما أتى به، قد انطفأ وسيطر الإحباط على سائر قلبه حينما وجدها لم تمس شيء منه.
**********
شعر هاشم بالقلق يراوده حينما حل مساء اليوم الثاني ولم يستجيب هاتفها لاتصالاته على عكس عادته، لا يعلم ماذا بإمكانه أن يفعل فعقله يمنعه من الاتصال على والدها خشية شعوره بشيء يحدث بينهما، كما أنه يخجل قليلًا من محادثته لأجل التحدث إلى زهرة، منذ الصباح يقترح قلبه عليه محادثة والدها ليطمئن ولكن كان عقله يرفض الفكرة أما الآن فقد مر الكثير من الوقت دون أن يعلم ما أحل بها ومن الواجب عليه السؤال، فقلبه يتآكله خوفًا عليها وشعور بالذنب يراوده كلما وضع ذاته بموقفها.
حسم أمره ودق على والدها ليجيبه بعد فترة قليلة
- السلام عليك يا هاشم
ابتسم لسماعة نبرة ذاك الرجل الذي لا يضيف لروحه سوى البهجة قبل أن يجيبه بود
- وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته، ازاي حضرتك
ردد الآخر كلمات الحمد ليتحدث معه بضع كلمات قليلة قبل أن يقول الشيخ منتصر بهدوء
- بتكلمني عشان زهرة تليفونها مقفول صح؟
حمحم بحرج قبل أن يجيبه بحياء
- الحقيقة أنا قلقت أتمنى إنكوا جميعًا تكونوا بخير
- الحمد لله في فضل ونعمة من الله يا ابني، كل الموضوع إن تليفون زهرة شاشته اتحرقت وأنا خدته معايا دلوقتي على ما نشوف بعدين فيه إيه
هز رأسه متفهمًا ليحتقن وجهه قبل أن يقول بحياء شديد
- طيب بعد إذنك ممكن أكلم زهرة دقيقة بس
ابتسم الشيخ منتصر على نبرته المضطربة قبل أن يرتفع صوته مناديًا على زهرة التي أتت إليه مسرعة لشعورها أنه لا يناديها إلا للسبب الذي تبتغيه.
أخذت هاتفه منه بعدما أخبرها بجفاء أن هاشم بانتظارها ثم غادر لتقول بهدوء
- السلام عليكم
ردد كلمات السلام قبل أن يقول بقلق
- بتصل عليكِ يا زهرة من إمبارح مفيش رد
أجابت بارتباك
-التليفون اتكسر
- طيب عاملة إيه
- الحمد لله كويسة
انتظر قليلًا قبل أن يتحدث بما يشغل عقله
- مش عايزك تزعلي مني بسبب اللي حصل، أكيد مكانش قصدي أضايقك، عارف إن دي حاجة ممكن تزعل أي حد بس أنا متعمدتش أخبي عليكِ زي ما فكرتي ولا أنا عديم الوفاء زي ما قلتِ
تنهدت بقوة جعلته يشعر بما فعلت لتقول بهدوء
- قبل ما نتكلم في أي حاجة أنا آسفة على الكلام اللي قلته، أنا كنت مصدومة والله ومكانش قصدي خالص إني أقلل منك ولا حاجة، بس أنا كنت غيرانة
همست جملتها الأخيرة بخفوت من فرط خجلها لتتسع ابتسامته وكأنه ليس ذاك الشخص الذي شيدت الكآبة بيوتًا فوق قلبه قبل ساعات.
صمتت قليلًا لتستمع إلى رده على ما قالت ليقول بهدوء
- عارف يا حبيبتي، بس عايزك تعرفي إن يمنى الله يرحمها كانت مرحلة مهمة في حياتي ودلوقتي بقت ذكرى وحقها الوحيد إني أفتكرها دائمًا بالدعاء فمش عايزك تغيري ولا ترهقي قلبك بالتفكير.
في الحقيقة بعدما استمعت إلى تلك الكلمة التي ألقاها على مسامعها للمرة الأولى"حبيبتي" لم تفكر فيما تفوه بعدها وكأن العالم توقف على نطقه لهذه الكلمة ليتردد صداها في أذنها كمعزوفة جميلة تتمنى للحنها ألا ينتهي.
- لو يعلم المحبوب كيف بات حال الفؤاد من بعد وصاله؛ لانتفض قلبه واقفًا يرقص بين أركانه من فرط ساعدته الذي أثارها جنونه.
بدون سابق إنذار همس بجملته تلك حينما استشعر ما فعلته بها كلمته التي قالها بقصد لتستجبب لما قال وتنهض واقفة ترقص بين أنحاء الغرفة بقلب يغرد فرحًا بكلمات الحبيب التي يتغنى بها على مسامعها معترفًا بأنها حبيبته للمرة الأولى.
تستمع إلى صوت مزعج يصدر على هاتفها لينتبه إلى أنها وردت إليها مكالمة أخرى قيد الانتظار فتنحنح قائلًا بهدوء
- طيب هقفل عشان الشيخ ياخد تليفونه وأنا هستأذن منه وآجي زيارة بكرة إن شاء الله تعويض لينا عن اللي حصل المرة اللي فاتت
أومأت عدة مرات بإيجاب قبل أن تردف بسعادة بدت على صوتها
- حاضر مع السلامة.
أغلقت الهاتف بروح تشع أمل وبهجة وكأن قلبها قد تناسى زيجته الأولى لاكتفائه من الألم، زفرت بقوة وابتسامة حنونة ترتسم على وجهها حينما طرأ على بالها أبيها الذي حان وقت إرضاءه، ذهبت إلى غرفته حيث يجلس فوجدته يقرأ بأحد كتب الفقه الذي بتردد فتحه له قليلًا وبدون سابق إنذار اقتربت من المقعد الذي كان جالسًا عليه لتنحني على رأسه فتقبلها ثم الى يداه الإثنتين، كادت أن ترتمي على الأرض لتقبل حذاءه إلا أنه أوقفها ناظرًا إليها بتحذير فتوقفت لعلمها بأنه يكره هذه الفعلة.
تبدلت نظراتها إلى الرجاء الشديد قبل أن تقول بندم
- سامحني يا أبي أصعب حاجة ممكن تحصل معايا هي غضبك مني أنا آسفة.
أشاح بنظراته إلى الجهة الأخرى لتقول بصوت أوشك على البكاء
- أبي
التفت إليها بحنان غير قادرًا على الاستمرار في جفائه معها أكثر من ذلك فهمست باعتذار بعدما استشعرت رغبته في الاستماع إليها
- والله مش هكررها تاني أنا ندمت أصلًا، سامحني
تنهد بقوة قبل أن يقول بحزم
- اعتذارك يا زهرة مش ليا، وندمك دا مش عايزه يكون عشان زعلي منك، أنا عايزك تندمي على ذنب عملتيه إنك أهنتي حاجة ربنا أنعم عليكِ بيها بدل ما تشكريه وتحمديه عليها، عايزك توعدي ربنا إنك مش هتكرريها تاني مش توعديني أنا
نظرت إليه بخجل من فعلتها قبل أن تقول
-أنا توبت والله ومش هتتكرر تاني سامحني بقا يا أبي
ابتسم إليها بحنان بعدما استشعر تدللها في جملتها الأخيرة ثم قال بعتاب
- أنا معرفتش هاشم باللي حصل عشان ميتضايقش منك وعشان مياخدش عنك فكرة وحشة الأفضل أنه ميعرفش باللي عملتيه.
أومأت إليه بإيجاب قبل أن تحتضنه بقوة شاعرة بأن الله قد أنعم عليها بجعل هذا الرجل العظيم أباها.
بعدما أغلق هاشم هاتفه معها ظلت الابتسامة مرتسمة على شفتيه بسعادة راضيًا عن ما حدث من انتهاء الخصام بينهما، ولكن لم تدم سعادته وهو يتذكر هاتفها الذي فسد، فهو يعلم أن الرجل كعادة أهل البلد يأتي لخطيبته بهاتف جديد بعد الخطبة وفي هذا الموقف من المفترض أن يفعل مثلهم، هو يريد أن يجلب إليها أفضل شيء، بل يريد إهدائها عينيه إن استطاع ولكن كيف يفعل ولا يملك في محفظته سوى تسعمائة جنيهًا فقط وبالطبع لن يستطيع شراء هاتف بهذا المبلغ القليل، شعر بالندم لتسرعه ووضعه كل الأموال التي كان يملكها في تحضيرات بيت الزوجية، فكان من المفترض أن يترك معه بعض الأموال للظروف الطارئة ولكنه لم يكن يعتقد أبدًا أن هذه الأزمة المالية ستحل بمركزه.
فتح الخزينة الخاصة بأموال المركز عله يجد بعضًا من الأموال الزائدة ليقتسمها هو وصديقه كربح لهذا الشهر إلا أنه وجدها لن تكفي سوى لشراء البضائع ودفع الإيجار الخاص بالمكان. زفر بضيق شاعرًا بالعجز مما يحدث معه إلا أنه طمئن قلبه أخيرًا بأنه سيذهب إليها غدًا بإحدى الهدايا التي سيأخذها من السنتر ويتدبر أمر الهاتف في الزيارة التالية.
**********
ابتسمت بسعادة بعدما التهمت عينيها آخر كلماته التي أرسلها لها على تطبيق "الواتس آب" الخاص بوالدتها مخبرًا إياها بأنه في طريقه إليها، نظرت إلى زمن الرسالة فوجدتها منذ عشر دقائق فتيقنت من أن موعد وصوله قد اقترب، تأملت ذاك الفستان الضيق الذي سترتديه أمامه للمرة الأولى، ثم اقتربت من المرأة وصففت خصلات شعرها التي ستطلقها أمامه للمرة الأولى، تلمست أحمر الشفاة الذي تضعه بخجل ثم هرولت إلى شرفة المنزل واقفة خلف الستائر تنتظر قدومه.
بعد دقائق قليلة من الانتظار اتسعت عينيها بفرحة أنستها طرف الستار الذي تقبض عليه بكفها حينما رأته أمامها ومن سوء حظها أن جاء ذلك التيار القوي الذي سحب الستارة بعيدًا عنها كاشفًا عن جسدها خلفه فشهقت بصدمة قبل أن تتدارك ما حدث وتهرول إلى الداخل وقلبها يتمنى ألا يكون قد لمح طيفها أحد.
اقتربت من باب المنزل بعدما استمعت إلى رنينه الذي من المؤكد أن يكون هو صاحبه ووقفت خلفه وهي تفتحه بهدوء دون أن تكشف عن جسدها للطارق خشية ألا يكون هو
ابتسمت بخجل وهي تشير إلى غرفة الجلوس بعدما ولج وأغلق الباب خلفه فدخل دون أن يلفظ بكلمة سوى تلك النظرة الغاضبة التي لو كانت تقتل لقتلتها في الحال
دخلت خلفه بتوتر واستعجاب من نظرته تلك، جلست على المقعد القريب منه وانتظرت أن ينطق بكلمة ولكنه ظل صامتًا لا ينبعث منه سوى ذلك الغضب الذي ماج في عينيه حتى كاد أن يغرقها دون رحمة، بعدما يئست منه همست برقة تخصه بها وحده
- مالك؟
تنهد بقوة وصوت أنفاسه بدأ يرتفع بعلو ملحوظ فهتفت بقلق
- مبتتكلمش ليه يا هاشم؟
-عشان لو اتكلمت كلامي هيزعلك جامد
صعقت من تلك النبرة الجليدية التي يخاطبها بها للمرة الأولى فسألته بتوتر وعقلها يشرد بكل المواقف التي جمعتهما معًا في الأيام السابقة عله يصل إلى ما يغضبه وعندما لم تصل إلى ما يريحها بعدما استبعدت ما حدث في الزيارة السابقة بعد صفائهم بمحادثة أمس كررت سؤالها بتوتر
- في إيه بجد؟
في هذه اللحظة التفت إليها صائحًا بغضب لم يستطع التحكم به أكثر من ذلك
- يعني مش عارفة في إيه.. تبقى مصيبة لو بجد مش شايفة نفسك عملتِ حاجة
شعرت بالدموع تصطف في عينيها وتتهيأ للهروب من مآقيها نعيًا لكرامتها بسبب ثورته تلك ولم تكد تمر عدة ثواني حتى تساقطت الواحدة تلو الأخرى وعقلها يتوصل إلى أن سبب غضبه هو ارتدائها لهذا الفستان الضيق وإطلاق شعرها أمامه، حاولت أن تعلم ما الخطأ فيما فعلته! فقد عقدا قرانهما منذ أسابيع ولم تجد سببًا يمنعها من الجلوس أمامه هكذا، وكيف لأبيها أن يتركها تجلس هكذا إن كانت ترتكب شيئًا محرمًا، بل وشقيقاتها من قبل كن يرتدين ملابس مشابهة ولم يكن أبيها يعترض أبدًا، شعرت بالقلق يسري في عروقها وعقلها يتوصل إلى أنه من أولئك الذين يحرمون ما أحل الله من كثرة تشددهم، أولئك الذين جعلوا ما يسره الله معسرًا على قلوبهم فباتت حياتهم كالجحيم بسبب عقولهم ملصقين ما يعانون منه لأحكام الدين التي هي بريئة من أفكارهم المقيدة برباط الجهل.
انتفضت واقفة دون سابق إنذار وهي تهمس باختناق
- ثواني هقوم ألبس
عقد حاجبيه بغضب أكثر من ذي قبل معتقدًا أنها لم تعير غضبه اهتمام هسألها بحدة حاول ألا يظهرها تمسكًا بقوله صلى الله عليه وسلم "رفقًا بالقوارير" ولكن لم يفلح في ذلك وهو يتذكر فعلتها فخرج صوته غاضبًا أثار الرعب بقلبها وهو يصيح بعنف
- هتلبسي ليه
- مش متضايق بسبب لبسي
همست باجابتها والدموع تتسلل من عينيها فألمه قلبه وزفر بضيق من نفسه ومنها قبل أن يستغفر عدة مرات هاتفًا بحدة
-اقعدى
جلست بخوف وهي تشعر بأن الشخص الذي أمامها بعيد كل البعد عن ذاك الذي عشقه قلبها لهدوء نبرته والتزامه ولكن كيف للمرء أن يتحكم بغضبه وهو يشعر بنيران الغيرة تنهش بقلبه كالجحيم؟!
-إما أنتِ عارفة إن أنا هتضايق بسبب لبسك بتقفي كدا ليه في البلكونة؟ سيبك من إن أنا اللي هتضايق غضب ربنا مش فارق معاكِ؟ إزاي تقفي كدا أنتِ اتجننتي؟
رمشت بعينيها عدة مرات وهي تحاول فهم ما يشير إليه وسرعان ما وضعت كفها علر فمها كي لا ينظر إليها وهي تبكي وهمست بضيق بعدما توصلت إلى سوء الفهم بينهما وأدركت سبب غضبه الحقيقى
- أنا مكانش قصدي والله.. عمري ما وقفت كدا كنت ماسكة الستارة والهوا طيرها من ايدي والله غصب عني
تنهد بضيق وهو يشعر بأن دموعها تتساقط كالجمار المشتعلة على قلبه فهتف بأمر وهو مازال يشعر بالضيق منها رغم شفقته عليها
- طيب متبكيش
وكأنه أمرها بخلاف ذلك فأجحشت في البكاء رغمًا عنها فمرر كفه على وجهه بكدر طالبًا العون من الله هامسًا يناجي ربه بصوت لم يخرج من حنجرته ولكنه وصل إليها بوضوح
- يارب
يتبع..