الفصل 3
*˙❥˙ࢪواية زهرة الهاشمي7-8-9˙❥˙*
*تـم مـشـارڪه الـࢪوايـة مـن قـنـاة عالم الروايات
تابع قناة عآلُم آلُرۆآيَآتٌ آلُجٍميَلُةّ/روايات وقصص حب ودين اقتباسات عميقة نكت بوستات وصور واستوريهات في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029Vb01xFo7DAX1UxQAXc2j
زهرة الهاشمي
الفصل السابع "عقد قران"
نهضت -زهرة- من فراشها بتملل وهي تكاد تبكي من عقلها الذي يجافيه النوم، كلما تذكرت ذاك الموقف الذي وضعت نفسها به معه تشعر بالضيق من تهورها الذي دائمًا ما يتغلب عليها، على الرغم من طمئنته لها قبل يومان إلا أنها مازالت لا تشعر بالراحة، تريد أن تعود لتلك الليلة وتقتطع منها تلك الساعة التي أرسلت إليه رسالتها بها، حتى الآن لا تعلم كيف فعلت ذلك ففي ليلتها قدم لزيارتهم كما كان قد وعد والدها إلا أنها لم تجلس معهم يومها بل بقيت تتلصص إلى حديثهم الذي كان لا يصل إليها منه سوى أصوات ضحكاته التي كانت تتعالى كل عدة دقائق فتجعل قلبها يتراقص على نغمات العشق التي يعزفها بصوته، لكمت الحائط المجاور لها بغضب لا تدري أهو من ضحكاته التي أسرتها فجعلتها كالمغيبة بظلال العشق لترسل له رسالتها أم غيظًا من ذاك الشيطان الذي تلبسها حينها فجعلها تتشح برداء الجرئة على العكس تمامًا من شخصيتها الخجولة.
هطلت دموعها بعقل شارف على الجنون من فرط التفكير الذي يعجز عينيها عن النوم، من المفترض أن تنام هذه الليلة براحة فغدًا سيكون يوم خطبتها وعقد قرانها ولابد أن تكون هادئة تشعر بالراحة إلا أن الندم يجلدها بسياط من نار على هذا الذنب الذي ارتكبته وتخلت بسببه عن ضوابط الخطبة التي ظلت طيلة حياتها تفكر بطريقة تطبيقها، لا تعلم بأن ندمها هذا ربما سيكون سببًا لمحو ذنبها هذا- فكم هو عجيب هذا الشعور المسمى بالندم، على الرغم من مرارته التي يرتوي بها جميع البدن إلا أنها غالبًا ما تكون مرارة مجدية، كلما تأثرنا بها كانت سببًا في قبول توبتنا ووقايتنا من عذاب كلما نضجت جلودنا من شدته بُدلنا بأخرى غيرها لنذيقه أضعاف وأضعاف.
نهضت واقفة تتجه إلى الخارج علها تجد ما يؤانس وحدتها ويخفف من ضيقها وبالفعل وجدت والدها متكومًا على سجادة الصلاة يناجي ربه بفرضه السادس، عقدت جبينها بضيق من فؤادها الذي جعلها تنشغل بمن أحبت من شهور وتتناسى من أحبها وأحبته منذ سنوات، اتجهت إلى المرحاض الوحيد المتواجد بمنزلهم المجاور لغرفة والدها، توضأت وارتدت إسدالها وبدأت بمنافسة أبيها في منافسة من أعظم المنافسات التي من الممكن أن يخوضها المرء.
**********
بالوقت ذاته كان هناك من استيقظ شاعرًا بالضيق من عقله لذات الموضوع، تحرك مغادرًا غرفته ليذهب لفتح المسجد المجاور لبيته كما اعتاد دومًا، دائمًا ما كان يذهب بعقلٍ صافٍ أو منشغل بأمور العمل أما الآن فعقله يتمرجح بين تلك الرسالة وعقد قرانه الذي سيعقده بعد ما يقل عن أربع وعشرون ساعة، على الرغم من أنه أخبرها بأن رسالته لم تؤثر به وأن فكرته عنها بقيت كما هي إلا أنه تارة يراوده القلق من أن يكون حياءها هذا مصطنعًا وأنها تكذب بأفعالها كغالب الشباب والفتيات بفترة الخطبة ثم يهز رأسه بنفي ليطمئن قلبه بأن السعادة بعقد القران هي ما ساقتها لإرسال الرسالة فشخصيتها وحياؤها واضحين للعيان، وتارة أخرى يشعر بقبس من الفرح يطرق باب قلبه لما علم من أمرها، فأي منا مهما قويت درجة إيمانه ستنتابه السعادة إن علم بأن أحدهم واقعًا في غرامه دون أن نبذل جهودًا لإثارة إعجابه فكيف له ألا يفرح بحبها أيحق للمرء أن يحزن إذا بلغه عشق شريكه له؟! إذن فهو ليس قديسًا كي لا يماثل البشر بشعورهم. فقط ذاك الشعور الأول هو ما ينغص مزاجه وخوفه من المستقبل هو ما يجعله لا يهنأ ويسعد كما البشر بموقفه، يخشى أن يكون السبب الذي نكس عهده مع نفسه بألا يتزوج ثانية لا يستحق، حاول إبعاد كل تلك الأفكار عن عقله وهو يفتح المذياح ويرفع صوته على إذاعة القرآن الكريم ليعم في أنحاء البلدة فينشر الراحة والسكينة بين أفرادها.
*********
(أخيرًا خليت عندك دم وسيبتها، ياريت بقا تكمل معروفك وتطلقها خليها تشوف حالها وتتجوز راجل بجد ميحرمهاش من عيل تفرح قلبها بيه)
قرأ الرسالة للمرة التي لا يعلم عددها، يظل يكررها على مسامعه بكل ليلة منذ تلك الليلة التي تركته بها ففاجئته والدتها بهذه الرسالة بعدها، أزاح تلك الدمعة التي خانته وفرت حينما واتتها الفرصة المناسبة، يشعر بالاشتياق ينهش ببدنه كما الذئاب الضارية، كيف له أن يتحمل فراقها؟ بل كيف له أن يتقبل زواجها من آخر بعده؟ أستحبه وتربت على قلبه كما كانت تفعل معه؟ أستغدقه بكلمات الغرام التي لطالما أغرقته بها؟ التخيل وحده يدمي قلبه فكيف إن صار حقيقة، الجميع يعتقد أنه ليس راضيًا بما قدره الله له، يعتقدون أن رغبته بالإنجاب هي ما تجعله يخرب عليه حياته ويفقد عقله، لما لا يتفهمون بأنه أكثر من راضيًا بقضاء الله؟ لما لا يفصلون بين قبوله بقدره ورغبته في أن تحيا سعيدة دون أن ينغص عيشها شيء، لن يكذب ويقول أنه لم يحاول التغاضي عن هذا الشيء وتصديقها بأنها تعتبره زوجها وولدها فباتت غير محرومة من الأمومة ولكن مكالمات والدتها ورسائلها له وترجيها له في البداية قبل أن تتبجح هكذا كيف له أن يتغاضى عن دموع أمٍ مقهورة تريد العيش لابنتها بسعادة؟
للحظات كان يشعر بالضيق من والدتها وأنانيتها في حب ابنتها إن كان هذا الذي تدعيه حبًا، أهذه المرأة هي ما كانت تترجاه منذ سنوات لكي يتزوج من ابنتها؟ دون إرادة من عقله وجد الذكريات تتدفق عليه تباعًا منذ تلك الليلة التي تزوجت بها غيره بعد أن كانت تمت خطبتهما إلى تلك الليلة التي طُلقت بها بفضيحة وجاءت والدتها تترجاه ليعيد الوصال بإبنتها ثم بعد كل هذا تعامله هكذا؟ أفقدت ذاكرتها هذه المرأة التي كانت تتغنى بأنها لن تنسى له أبدًا وقوفه معهن، استند بجذعه على مقعده باشتياق لتلك الأيام التي كان يعشقها به منذ أن كان طالب بالثانوية العامة بينما كانت هي في المرحلة الاعدادية، لن ينكر بأنه قد انحرفت أخلاقه قليلًا بتلك الفترة فكان لا يغض بصره عنها ويتأملها كلما ذهبت وخاصة وأنه كان يعرفها لصداقة والده الوتيدة مع والدها الراحل إلا أن انحرافه ذاك لم يكن لتلك الدرجة التي تجعله يتجرأ على محادثتها فانتظر حتى صار في السنة الرابعة من جامعته وكانت هي بالسنة الأولى وتقدم لخطبتها ولحسن حظه أن المشاعر كانت مشتركة بينهما فوافقت على الفور.
لم يكد يمر شهر على خطبتهما حتى شاع بين الناس خبر اشتراكها في علاقة مع أحد جيرانها ذو السمعة السيئة، ذهب إلى منزلهم حينها هو ووالده مصعوقين ليعلما ما حدث فوجدا والدها يخبرهم بأكيًا بأن لكل شيء نصيب وأن ابنته قد تم عقد قرانها قبل ساعات وكثير من كلمات الاعتذار التي لم يستمع منها شيء، كل ما كان يريده هو أن يراها تؤكد له كلمات والدها، لم يشعر في حديثه معها يوم الرؤية الشرعية بما فعلت، بل كل ما شعره هو مشاعر مشتركة مع خاصته تنتظر عقد القران للانصهار معًا في بوتقة العشق، شعر بكلماتها ونظراتها حتى خجلها يخبره بأنها هي الأخرى تبادله نفس الشعور حتى جلساتهم الأخرى بوجود والدها التي تبعت الرؤية كان يشعر منها بالإعجاب المتخفي فكيف لها أن تكون داخل علاقة حب محرمة مع آخر غيره، لم يصدق حينها أقاويل الناس ولا حتى تلك الصور التي وصلت على هاتفه لها بدون حجاب بل أراد أن يفهم منها عن ما حدث ولكن صُعق بزواجها من آخر، صعق بانتهاك آخر لحرمة خطبته وزواجه منها دون حتى أن يخبروه بذلك.
حاول بعدها نسيانها حتى أنه سافر للعمل بالخارج لمدة عام كي ينساها ولكن من أين للفؤاد أن ينسى عشقًا تشربه من صغره ونمى بفضله؟ عاد حينما لم يجد فارقًا بين وجوده بالخارج ففراقه عن عائلته لم يزد حالته سوى سوءً وباليوم الثاني من عودته تفاجأ بخبر طلاقها كما كان قد تفاجأ من قبل بزواجها، حينها لم يدري ماذا أحل به ولكن على الرغم من شعوره بالغدر من ناحيتها إلا أن هناك ما كان يهمس لقلبه بأن هناك شيئًا غامضًا لا يعلمه وستكون الايام أكثر من كفيلة بإعلامه.
فاق من شروده بذكريات ما قبل زواجهما على صوت هاتفه الذي صدح في أنحاء الشقة فوجد والده المتصل مما جعله ينهض متجهًا إلى بيتهم فبالفعل يريدونه ليساعدهم في ترتيبات الخطبة وعقد النكاح، توجه خارجًا من منزله فعلى أي حال لم يعد منزلهم سوى شبحًا للقبور لا يطاق فيه العيش بدونها.
***********
مرت الساعات كما البرق لم تشعر بمضيها من فرط توترها، لا تعلم كيف وصلت إلى هذه اللحظة ولكنها الآن تستمع إلى صوت المأذون يهتف بصوت عالي
رددوا معي جميعًا
"بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير"
قبضت على طرف نقابها الذي تضع معظمه بداخل الخمار وهي تحاول بكل قوتها منع عينيها بأن تنظران ناحية الرجال، تشعر بتوتر كبير يعتريها من فرط التجمع الكبير هذا، الجميع اقترح عقد القران أولًا بعد صلاة المغرب ثم القيام بمراسم الخطبة كي تكون العروس على سجيتها، تبدل شعورها من الضيق الذي كان يسطر عليها منذ أيام إلى الراحة بسبب استماعها لصوته بل وصلاتها خلفه وهو يصلي بالمسجد المجاور للبيت والذي انتقلت النساء إليه ليشاهدوا العقد، ربما للبعض هذا شيء عاديًا ولكن بالنسبة لها أن يكون العريس هو من تولى قيادة الصلاة ثم بعدها يجلس برفقة المصلين لانتظار كلمات المأذون فهذا قمة الطمأنينة بالنسبة لها، حمدت ربها سرًا لشرائها الخمار والنقاب المماثلين للون الفستان فهما ما شجعاها على الاستماع لرأي إخواتها والنزول إلى المسجد لتجلسن في الدور الثاني منه ليرون من نافذته الرجال في الأسفل وهم يعقدون العقد.
تنهدت بقوة ودموع الفرحة تنهمر منها دون إرادتها وهي تستمع ببهجة إلى هتافات الحاضرين خلف المأذون بالدعاء لهما، أتشعرون بما تشعر؟ أتعلمون كيف يكون الشعور حينما لا يستمع المرء سوى لهتاف الجميع بالدعاء له ولمن عشق؟
جلست برفقة النساء اللاتي قمن باحتضانها والمباركة لها إلى ما يقارب العشر دقائق حتى استمعت إلى والدتها تقترب منها لتهمس لها في إحدى أذنيها
- يلا عشان تروحي، تعالي انزلي معايا تحت عشان هاشم يروحك لأن مينفعش يطلع قسم النساء.
برقت عينيها بصدمة وهي تستمع إلى كلمات والدتها، ألن تذهب برفقة عائلتها كما حضرت، التفتت إلى والدتها تقول بنفي
- ازاي يا أمي مش هنروح زي ما جينا
هزت الأخرى رأسها بالنفي تجيبها بتعجب
- ازاي يا بنتي دلوقتي بقا جوزك الناس هتقول ايه مش تعملوا زي باقي الناس
- لا يا أمي أنا بكسوفة نروح إحنا وخلاص قبل ما يستنوا
قالتها يتذمر طفولي أضحك والدتها وهي تجيبها
- قبل ما يستنوا إيه كدا كدا هما تحت أدام المسجد وطبيعي إن أول ما تنزلي تروحي معاه في عروسة بتمشي لوحدها يا بنتي قومي يلا
نهضت بتردد وهي تشبك يدها مع والدتها تبثها كل مشاعرها التي تشعر بها الآن، فدائمًا ما كانت والدتها حنونة تتفهم ما تقول دون أن تقول.
ضغطت الأخرى على يدها هامسة بخفوت حاني
- متخافيش مش هسيبك
تقدمت بتوتر إلى الخارج حتى صارت تنزل درجات السلم بحذر خشية وقوعها من الفستان الذي يعيق حركتها قليلًا، لم تمضِ دقيقة واحدة حتى وجدت نفسها تقف أمامه، توترت نظراتها وشعرت بجميع بدنها يرتعش خاصة حينما استلمت تلك النظرة التي رمقها بها حين نزولها، تأملت طرف عبائته البيضاء دون القدرة على رفع نظرها إليه وخاصة مع وجود هذا الجمع من الناس، شعرت بارتجافها يزداد أكثر حينما اقترب منها وشبك يدها بذراعه، حقيقة لم تشعر بالاندهاش من فعلته فشخص بوقاره لم تتوقع منه أن يحتضنها أو يفعل شيء من هذا القبيل أمام الناس فلكل فعل مكانه الخاص وهذه الأمور لا تكون بوجود كل هؤلاء، سارت برفقته بعدما شبكت يدها بذراعه المغطى بكف جلبابه الذي لم يتخلى عنه حتى في يوم خطبته، استمعت إليه يهمس بشيء لكنها لم تفهم ما يقول فوجدته يردد بحنان
- اهدي متخافيش.
تنهدت بقوة بعدما استمعت عبارته ثم سارت بهدوء وهي تتمنى لو تصل إلى البيت بأسرع وقت، بعد دقائق قليلة وصل بها إلى مجلس النساء فوجدت الجميع يتبعه ومنهم والدها الذي عانقه وبارك ثم احتضنها بقوة قبل أن يضعها تحت ذراعه قائلًا بعيون ممتلئة بالدموع
- أهديتك زهرتي والركن الرابع من أركان قلبي الذي لن ينتصب واقفًا إلا بثباته فكن معها كما عهدتك دائمًا ولا تبخس من قدرها شيئًا، فوالله لقد أنَّ الفؤاد وانهمرت دموع عينيه حزنًا على خروجها من تحت جناحيه.
اتسعت ابتسامته متأثرًا بعدما استمع إلى كلمات أستاذه التي تتبدل للعربية الفصحى كلما اتخذت الجدية سبيلًا ثم سحب يده مقبلًا إياها بتقدير قبل أن يقول
- والله سأضع خوف الله نصب عيناي كلما عاملتها فلا تخافني.
لم يستطع الشيخ منتصر البقاء أكثر من ذلك فخرج مطمئنًا قلبه بأنها مازال لها العديد من الأيام ستحياها ليدللها تحت قبضته.
تبعه هاشم على الفور بعدما همس لزهرة بالعودة مرة أخرى حينما تنتهي المراسم ثم التفتت هي إلى اصدقائها اللاتي حضرن بالدف لإحياء الليلة برضا الرحمن.
انتقلت بنظرها إلى خديجة زوجة شقيقها التي قدمت إليهم منذ الصباح ولكن بغير سجيتها فخديجة دائمًا ما كانت مرحة لا تترك أحد إلا وتمازحه وخاصة يونس الذي يتمتم مستغفرًا بضيق مصطنع منها ثم يفر منها إلى الخارج أما الآن فهي هادئة منذ الصباح تساعد الجميع بهدوء ولا يخفى عليها نظرتها المصعوقة هي وشقيقها حينما رأوا بعضهم، فنظرتهم تلك أعربت عن شيئًا ما عظيمًا قد حدث بينهما وتتمنى لو لم يكن شقيقها قد تجاوز بحق الأخرى فوالله لو تزوج نساء البلدة كلها لن يعوض خديجة.
بعد عدة ساعات انتهت المراسم ودلف هاشم مرهقًا إلى غرفة الضيوف جلس بالمقعد المجاور لها على غير عادته، نظرت إلى الأسفل بحرج من وجودها أمامه بدون نقابها الذي اعتادت ارتدائه بحضرته في الأيام السابقة فوجدته يصيح بمرح
- لأ بقولك إيه أنتِ لسة هتتكسفي ونعيده من جديد ولا إيه بقولك إيه أنا كاتب كتاب دا أنا أرتكب جناية
اتسعت ابتسامتها بدهشة من هذا الشقي المغاير تمامًا لهيئته الرزينة فتابع بعتاب خفي وهو ينظر إلي عينيها نظرة جعلتها تخفض وجهها حياء
- جميلة الحاجات اللي على عينك دي بس كنت أتمنى لو عملتيها بعد ما جيتي من المسجد بدل ما تخرجي كدا أدام الرجال
باندفاع قالت
- والله قبل ما أخرج خبيتها خالص بس وأنا ماشية النقاب مع الوقت ارتفع شوية
أومأ متفهمًا قبل أن يقول
- أنا بس بنبهك عشان في الفرح إن شاء الله تاخدي بالك وإلا مفيش الحاجات دي، أنتِ فاكراها سايبة ولا إيه دا أنا سي السيد فاهمة يا أمينة؟
ارتفع صوته بمرح في كلماته الأخيرة فارتفعت ضحكاتها مما جعله يقول بغزل
- أيوة كدا اضحكي خلي الدنيا تنور
اتسعت عينيها بصدمة من غزله الصريح هذا لأول مرة فالتفتت إلى الجهة الأخرى مما جعله يقول
- خلاص خلاص متتكسفيش مش هعاكسك تاني دلوقتي وأنا مروح بقا عشان أعاكس وأهرب
لم تزد كلماته خجلها سوى التمادى في البروز على وجهها مما جعله يتابع بأمور عادية ويتحدث معها بأشياء عنهما لم تخلو من إبدائه الإهتمام بكل تفصيلية تقصها علبه وبالفعل كانت تتخلل جمله كلمات الغزل كل عدة دقائق.
بعد عدة ساعات نهض مستئذنًا في المغادرة معللًا بأن والدته لن تنام سوى بعد حضوره، نهضت خلفه لتخرج معه لتوصله لباب المنزل فوجدته يعكس وجهته ويقترب منها مقبلًا جبينها بحنان قبل أن يهمس بنبرة اقشعر لها بدنها
- مبارك عليا أنتِ يا زهرتي.
يتبع...
زهرة الهاشمي
الفصل الثامن "بلاء"
بشعور لم يراوده من قبل دلف إلى غرفته بعدما طمئن والدته بقدومه، لا يعلم كيف له أن يصف ما يشعر به الآن، لم يكن يعتقد أبدًا أنه سيكون بهذه السعادة والراحة، كلما ذهبت عن عقله أعادته ابتسامتها وصوت ضحكتها الذي ارتفع اليوم إلى هذه الحالة التي تسيطر على قلبه، يشعر بها أزهرت روحه وأعادته إلى شبابه مرة أخرى بعدما ظنَّ أنه شاب عشريني بقلب عجوز أرهقته نوائب الحياة.
اتسعت شفتيه بابتسامة وهو يطالع اسمها المدون على هاتفه، نظر إلى رقم هاتفها بحماس وكأنه عثر على كنز من كنوز الزمان، دون تفكير أجبره قلبه على الضغط فوق الزر المخصص للاتصال ويطفو على ذاكرته ذاك الحوار الذي دار بينهم حينما طلب منها رقم هاتفها، ارتفعت ضحكاته وهو يتذكر كيف سحب هاتفها من يدها بغفلة منها ودونّ عليه رقمه مسجلًا ذاته ب" حبيبي وزوجي الغالي أبو ميمونة"
تذكر كيف عقدت حاجبيها باندهاش تسأله عن ماهية ميمونة تلك فأجابها بمرح أنها ابنتهم إن شاء الرحمن
شعور بالسعادة غمر قلبه وهو يراها تهتف باستنكار لتخفي تخضب وجنتيها
- لأ مفيش الكلام دا ملقتش في الاسماء كلها إلا ميمونة
- وماله ميمونة دا اسم زوجة النبي صلى الله عليه وسلم
- وأنت يعني سايب أسماء زوجات النبي كلهم ومعجبكش إلا الاسم دا لأ مليش دعوة مش موافقة
رفع حاجبيه حينها معترضًا بمرح على رفضها ليقول بضيق مصطنع
- يعني مش عاجبك زوقي في اختيار الأسماء
شعرت بالذنب يراودها من ضيقه ذاك فقالت بتردد
-خلاص وقتها إن شاء الله نبقى نفكر
ابتسم بهدوء قائلًا برفق
- طيب عايزة تغيري الاسم غيريه بس ثواني هرن عليا عشان أحفظ الرقم
لم تمر ثواني سوى وصدح صوت هاتفه يرج في الغرفة فدون شيئًا ما وعلى شفتيه ابتسامة
أرادت أن تعلم بماذا سجل رقم هاتفها فقالت باندفاع
- سميتني ايه؟
- تتوقعي ايه؟
-الشيخ منتصر
قالتها بمرح وهي تتذكر ذاك اليوم الذي سقطت به حقيبتها منها فارتفعت ضحكاته قائلًا
- ياااه دا أنتِ قلبك أسود
ابتسمت بحرج دون أن تضيف شيء فأردف نافيًا
- عمومًا مسمتكيش بالشيخ منتصر ولا حاجة، وقتها كنتِ أجنبية عني لكن دلوقتي بقيتي أقرب لي من قلبي.
تخضبت وجنتيها بقوة جعلته يشعر بلذة في قلبه لم تراوده من قبل، شعور عجيب احتل قلبه منذ اللحظة الأولى التي وقع بها على قسيمة الزواج، ذاك الشعور الذي يبدأ ببذرة صغيرة نمطرها فوق سطح قلوبنا ثم تأتي المواقف لتنبت هذه البذرة حتى تتزايد وتصبح شجرة عملاقة يصعب اقتلاعها.
فاق من شروده بذاك الموقف على صوتها الذي صدح في أذنيه ليعلم من نبرتها المرتفعة قليلًا أنها تجيبه منذ زمن كان غارقًا بها فيه.
- زهرة
بصوت أجش هتف اسمها ليعلمها أنه انتبه إليها فسألت الأخرى بتوتر ورقة
- معندكش شبكة ولا إيه
- لأ كنت سرحان فيكِ
لا تعلم لما راودتها الرغبة لغلق الهاتف الآن، حقيقة هي باتت لا تستطيع تحمل دفعات حيائها أكثر من ذلك، منذ مغادرته وهمساته و تلك القبلة التي طبعها على جبينها في غفلة منها لا تستطيع تدارك قلبها، تشعر ببدنها يرتجف من وقتها، فكيف لها أن تتحمل نوبات خجل أخرى وهي لم تشف من السابقة؟!
استشعر صمتها فصاح باستعجاب
- زهرة
وكأنها كانت بحاجة لتستمع إلى اسمها خارجًا من بين شفتيه فأجابت بصوت مبحوح
- نعم
شعر بها ليست على ما يرام فباح بما يشعر به قائلًا
- أكيد بتفكري أنا اتصلت بيكِ دلوقتي ليه.. بس أنا نفسي مش عارف فجأة لقيتك بتردي عليا ومعرفش أنا هقول إيه بس حسيت إنك وحشتيني.
أتعلمون ذاك الشعور الذي يجعل حلقنا يجف فلا نقدر على ابتلاع الكلام ولا إخراجه بل يقف عالقًا في الحلق يريد من يساعده للخروج، هكذا كانت تشعر هي ولكن إن كان هذا الشعور يراودنا عند التعاسة فهو قد طرق بابها من كثرة السعادة والخجل، من كان يتوقع أن شيخها الذي باتت أيام وليالي تحلم به سيكون زوجها بس ويكون الحلم أجمل من الحقيقة كما تشعر؟
نظر إلى هاتفه يتفحصه حينما طال صمتها فوجدها مازالت متصلة مما جعله يبتسم مدركًا خجلها فصاح بمرح كي لا يخجلها أكثر من ذلك
- إيه يا شيخ منتصر
اتسعت ابتسامتها تفكر ماذا عليها أن تقول، ما يحدث الآن جديد عليها كليًا فهذه المرة الأولى التي تتحدث بها إلى أحدهم بأحاديث مخجلة كهذه فكيف إن كان هذا الحديث يخصه هو؟!
استمعت إلى حمحمته قبل أن يقول بنبرة هادئة
-على فكرة الشنطة بتاعتك لسة معايا
ضربت على جبينها بتعنيف لعقلها الذي ترك السؤال عنها، فالحقيقة لم تكن تحتوى سوى على بعض الأشياء الغير هامة لذا لم تهتم لشأنها كثيرًا
- خليها عندكوا بقا مفيهاش غير ٧٠ جنية
قالت جملتها بمرح فأجابها
- حلوين أي حاجة من ربنا راضيين بيها.
ابتسمت برفق أثر جملته ثم انخرطت معه في أحاديثه التي ظل يتحدث بها عنها حتى أغلق معها لقدوم وقت النوم كي يستطيعون الاستيقاظ لصلاة الفجر.
*********
همهمات باكية وأصوات بكاء مكتومة تتقطع لها نياط القلوب تصدر من تلك الغرفة التي تحتلها خديجة، أرادت ألا تنكث عهدها مع عقلها بألا تبكي عليه أبدًا فزمن البكاء قد ولى إلا أن قلبها الخائن بكل مرة يحنث بجميع عهوده ويجعلها تئن وجعًا على حبيب أودعت بقلبه جل مشاعرها، وكيف لها ألا تبكي وهو الذي نزل مجاورًا لها أمام عائلته ثم بنهاية الدرج صدمها بمعاكسة طريقه لها، أحقًا ذاك يونس حبيبها هو من جعلها تنفرد بطريقها لا يرافقها سوى ظلمات الليل ونباح الكلاب؟ أهذا الذي كان قد وعدها سابقًا بأن لا تترك يده يداها أبدًا، ارتفع عويلها بدموع القهر حسرة على حب كانوا يُحسدون عليه، لا تعلم بأن الحبيب لم يقدر قلبه على تركها بل تخفى سائرًا خلفها حتى دلفت إلى باب منزلها واطمئن بوصولها من إضائة غرفتها التي ارتفعت بعد دلوفها ببضع دقائق.
كاد عقلها أن يراوده الجنون وهي تعقد مقارنة بين هذا البائع لحبها وذاك الذي لم يتخلَ عنها حينما تخلت عنها جميع عائلتها، تذكرت كيف قام أحد الجيران العابثين بتزييف صور فاضحة لها بملابس تظهر أكثر مما تخفي وجاء إلى والدها بعقد زواج عرفي وأخبره بأنهم متزوجون منذ عدة أشهر، ودعت دموعها عينيها وراودتها ذكرى ضرب أبيها المبرح لها حتى كادت أن تموت بين يديه، تذكرت كيف ظلت تصرخ ببراءتها من ما ينسب إليها إلا أن الجميع لم يصدقها بل أجبرها والدها في الليلة التالية على الزواج من ذاك الفاسق على الرغم من خطبتها ليونس حبيب مراهقتها حينها، أيامها في تلك الفترة لن تكون مجحفة بحقها إن وصفتها بالسواد فبعيدًا عن عيشها بمرافقة ذاك الذي كان يتغنى معتذرًا بأنه ما فعل ذلك سوى حبًا لها وغيرة عليها من يونس فضربه لها في الكثير من الأحيان لعدم مسامحتها له بل وإجبارها على الكثير من الأشياء كانوا من أسوأ ما قد يعانيه المرء، فأن تعيش برفقة ظالمك بل وتفعل ما في جهدك لنيل رضاه؛ من أسوأ الاشياء التي قد يشعر بها المرء، ويا ليت هذا ما حدث وحده بل وفاة والدها عقب زواجها بشهر دون أن يعلم ببرائتها هو ما جعلها تقنط من رحمة ربها وتنسى ما وعدنا الله به لتحاول الانتحار ليلتها فيقوم ذلك الفاسق بطلاقها بعد شهر واحد من زواجهما لتلوك الألسنة سيرتها.
تذكرت كيف قدم يونس باليوم الثاني من انتهاء عدتها بوجه مكفهر علمت منه فيما بعد أن والدتها هي التي كانت قد ترجته للقدوم إليهم، حينها جلس معها وأخبرته بجميع ما قد حدث إلا أنه فاجئها بتصديقه لها دون أن تبذل أي جهود ليفعل، فعلى الرغم من أنه أخذ فترة ليتقبل ما حدث بينهما إلا أنه لم يقسَ عليها أبدًا بل لم تمض عدة شهور حتى عاد كما كان سابقًا وأتم زواجه بها خشية أن تضيع من بين يديه مرة ثانية، فقد أدرك أن الخطبة ما هي إلا وعد بالألسنة وبإمكان أضعف الخبائث أن تقطعه دون أن يرمش لها جفن.
*********
في الصباح الباكر استيقظت بسعادة لتنظر إلى هاتفها الذي لم يتوقف رنينه الخاص بالإشعارات اعتقادًا منها أن المرسل ليس أحدًا سواه هو، عقدت حاجبيها باندهاش وهي ترى إشارات من بعض أصدقائها وجيرانها فإذا بها تفتح المنشور المشار إليها به بأحد الجروبات الخاصة بمركز قريتهم فتتفاجأ بما ترى، فما أمامها ليس سوى هاشم جالسًا على مقعد صغير أمام أحد المكاتب الصغيرة في مكان يبدو أنه محل عمله وهو غير منتبهًا للصورة، نظرت إلى الكلام المرفق فوق الصورة لتقع عينيها على ما أوجع قلبها أعادت عينيها على الكلمات مرة ثانية لتتيقن مما فهمت فارتفع صوتها تردد ما قرأت
( حسبنا الله ونعم الوكيل في الناس اللي بتدعي الإسلام.. الراجل دا يا جماعة نصاب.. اشتريت منه عباية لقيتها فيها قطع جيت أرجعها مرضيش يرجعها لي فسبتها ليه وقبلها على نفسه عادي.. شوفوا لحيته أد إيه.. هما دول اللي بيشوهوا صورة الإسلام)
على الفور أغلقت تطبيق الفيس بوك لتأتي برقم هاتفه وتضغط على زر الاتصال ولكن فاجئها عدم إجابته
شعرت بالتوتر والقلق يرتكنان بداخل قلبها وعقلها يدرك أنه لا يجيب متعمدًا لعلمه بما كتب عنه فحتمًا قد رأى المنشور، ضغطت على زر الاتصال عدة مرات ولكن لم تتغير النتيجة لتنتقل إلى تطبيقات الكتابة لترسل إليه عله يجيب عنها ولكن لم تصل الرسائل إليه، بلهفة فتحت المنشور مرة أخرى لترى إن كان علق على ما قد كتب عنه أم لا ولكنها تنقلت بين التعليقات الكثيرة التي كان معظمها دفاعًا عنه ولا تحتوى سوى على بضع تعليقات تحث صاحبة المنشور على الإبلاغ عنه أو الدعاء عليه بأسوأ الأدعية، هرولت إلى الخارج لتخبر أباها بما رأت ليحوقل بقوة قبل أن يقول
- أكيد في حاجة غلط... هاشم مبياكلش حق حد.. أنا شوفته يا بنتي في مواقف أدامي كام مرة.. اوعي تظني فيه سوء" يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة"
بملامح اتشحت بثوب الحزن أجابته
- أنا عارفة يا أبي.. بس هو أكيد شاف الكلام دا عنه.. في ناس كتير كانت عاملة له منشن وهو بيصحى بدري أكيد شافه ومبيردش خالص على تليفونه
لم تكد تكمل حديثها حتى استمعت إلى رنين هاتفها لتجده صاحب الاتصال، أجابته سريعًا
- هاشم
- السلام عليكم
جاءها رده هادئًا لتشك في كونه قد علم ما حدث فقالت بتوتر
- مكنتش بترد ليه رنيت عليك كتير
- كنت بتمشى شوية
لا تعلم ماذا بإمكانها أن تقول، تريد أن تعلم إن كان قرأ ما قد كتب عنه أم لا ولكنها تخشى أن يكون غير عالمًا فتكون هي من أخبرته، فهي لا تقوى على إخباره بخبر سيء كهذا، صمتت قليلًا علها تستشعر من نبرته ما يحدث معه فوجدته يقول بهدوء
- كنتِ عايزة حاجة؟
شعرت بالضيق يتآكلها لعدم توصلها إلى ما تريد فقالت باندفاع
- أنت فتحت فيس؟
- اه وشوفت اللي بتتصلي عشانه، في حاجة تاني؟
نبرته التي شعرت بها جافة أصابتها بالتوتر والقلق فسألته بتردد
- يعني أنتَ كويس؟
صمت قليلًا قبل أن يجيبها
- إن شاء الله.
لم تصلها الإجابة التي تريدها ولكنها لم تستطع أن تتحدث أكثر من ذلك أمام والدها الذي يقف أمامها منتظرًا بلهفة فأعطته الهاتف بعدما قالت
- طيب أبي حابب يكلمك
وبالفعل وجدت أبيها قد سحب منها الهاتف سريعًا ليقول بشفقة وصوت متأثر بما قرأ
- ماذا أصابك يا ولدي
- أنياب الظلم تكاثرت عليّ يا شيخي ولكن سأكون بخير، أيمكنني ألا أكون بخير والله لا يغفل عما يفعل الظالمون؟
بابتسامة حزينة أجابه الشيخ منتصر
- فدعا ربه أني مغلوب فانتصر
بهدوء أجابه الآخر
- ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. أنا أكثر من متيقن بأن الله لن يخذلني السلام عليك يا شيخي طمئن قلبك وقلوب من عندك.
قال جملته قبل أن يغلق الهاتف بقلب أكثر من كونه حزينًا فهو مطمئن، يثق بأن الله تعالى سيأتي إليه بحقه دون أن يفعل شيء، ما يحزنه فقط هو حسبنتهم عليه ودعاء بعض الأشخاص بأسوأ الأدعية عليه؟ ماذا فعل لهم ليتعبون فؤاده بهذه الطريقة، بل ماذا فعل لتلك المرأة لتقول عنه هذا الكلام؟ بل هو لم يكن يعلم من هي سوى بعدما تذكر تلك المرأة التي أتت إليه منذ عدة أسابيع وأخبرته بأنها اشترت إحدى العباءات من صاحبه ولكن الحجم غير مناسب لها، بتفهم وافق على إبدالها رغم أنها كانت قد وضعتها بالماء لترى إن كانت مما تتأثر بالماء أم لا لكونها أرجعت الخطأ في المقاس لصديقه، بعد أسبوعين وجد نفس المرأة تعود إليه بالعباءة الثانية وتخبره بأنها وجدت بها عيبًا وتريد أن تأخذ أموالها، كاد أن يخبرها بأنها تجاوزت المدة المسموح لها فيها باسترداد حقها ولكنه أشفق عليها خشية أن تكون لا تملك المال لشراء غيرها ولكنه وجد العباءة بها خيطًا من الاسفل يدل على أنها قد حاكتها على مقاسها فرفض إرجاعها، فيكفيه أنه قد أخذ العباءة الأخرى وتحمل مسؤوليتها هو ولكن هذه لن يستطيع أن يأخذها، هنا ثارت المرأة وارتفع صوتها ورددت عليه الكثير من الشتائم فاقترح عليها أن تتحمل نصف ثمنها وهو النصف الآخر فحملت العباءة وألقتها بوجهه بطريقة مهينة ثم خرجت من المكان وهي تردد بالدعاء عليه.
أستمع إلى رنين هاتفه يعلو مرة ثانية ليجد زهرة هي المتصلة أيضًا هذه المرة فأجاب بهدوء
- السلام عليكم
وصله صوتها تقول بتردد
- معرفتش أكلمك أدام أبي، ممكن تحكي لي اللي حصل
- مش حابب أتكلم عن الموضوع دا بعد إذنك
شعرت بالحرج من عدم رغبته في البوح لها إلا أنها تفهمت موقفه فقالت بتردد
- طيب ممكن تيجي عندنا شوية، أبي رافض إني أجي عندكوا وقال إنه هيجيلك هو بس أنا حابة أشوفك
باختصار أجابها
- كمان كام يوم إن شاء الله هاجي أنا هقفل دلوقتي عشان رايح السنتر السلام عليكم.
لم يمهلها الفرصة لتجيبه، وهكذا صارت أحاديثهم في الأيام التالية دون أن تستطيع التخفيف عنه ولم يعطي هو الفرصة لها، ذهبت إلى والدها تلح عليه بالذهاب بزيارة إلى منزلهم ولكنه رفض أن تذهب مباشرة بعد الخطبة كي لا يتسببون بالحرج لأهله بين جيرانهم فاقترحت عليه شيئًا ما سيجعلها تتمكن من رؤية الآخر دون أن تثير الأقاويل.
يتبع..
زهرة الهاشمي
الفصل التاسع "لقاء غير متوقع"
قابعًا على مقعده خلف ذاك المكتب الصغير يتفحص حسابات الأيام السابقة ولكن قلبه العاصي يأبى تركه، فهناك أنياب جارحة تنهش بقلبه ولا يدري كيف له أن يبتعد عنه، ألا يكفيه ما يعانيه ليأتي ذاك المسمى بالضمير فيسلط أنيابه على قلبه لما فعله معها؟!
حقيقة لم يتعمد إحراجها، هو فقط يشعر بقلبه حزين وهذا ما بدى في نبرة صوته وليس الجفاء كما أنَّبه قلبه، لم يكن يقصد أبدًا أن ينأى بحزنه بعيدًا عنها ولكنه فعل ما اعتاد عليه فجميع عائلته تعلم ذلك يتركوه وحده مع مصحفه وسجادة صلاته وهما أكثر من قادرين على مواساة قلبه.
فاق من شروده على أصوات الزبائن التي ارتفعت لتكاثرهم على هذا الشاب الذي يعمل معه، نهض واقفًا يساعده في البيع ليخفف من ازدحام المكان، وجد فتاه تتشح بالأسود من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها تقف منكمشة في جانب صغير خجلًا من الرجال الذين يمتليء المركز بهم، اقترب إليها من خلف الحاجز الأسود بين الزبائن والبائعين ليقول بهدوء دون النظر إلى عيناها اللتان تظهران من خلف نقابها
- اتفضلي يا آنسة
ترددت قليلًا قبل أن تتحدث والتفتت بنظراتها إلى الرجال الواقفين بالمكان ولم تجد بدلًا من الحديث وهي تقول بصوت مرتجف
- عايزة نقاب أسود
بدت الصدمة على وجهه حينما علم هويتها، شعر بالعجز يتمكن منه لعدم قدرته على فعل شيء أمام الناس وسرعان ما تنهد براحة حينما ذهب الرجال بعدما انقضت حاجتهم ولم يتبقَ سوى فتاة واحدة يبدو أنها على أعتاب المراهقة.
كي لا يثير فضول الشاب المساعد له، انتقل إلى أحد الأرفف وجذب من فوقها نقاب من النوع الذي ترتديه دون أن تصفه له ثم وجعه في إحدى الأكياس البيضاء وناوله لها.
- بكام؟
قالتها بصوت خرج مكتومًا فنظر إليها بقوة أخافتها قبل أن يقول بخفوت مستغلًا انشغال مساعده في العمل
- استنيني عند العربية البيضا اللي برا.
أومأت إليه عدة مرات بارتباك ثم أسرعت في خطواتها إلى الخارج تفر من هذا الموقف الذي وضعت نفسها به.
لم تمر دقيقة واحدة حتى وجدته يفتح باب السيارة التي علمت منه سابقًا أنها ملك له ولصديقة اشتروها لشراء بضائع المركز بها، أشار إليها للركوب فدلفت إلى المقعد المجاور للسائق مما جعله يغلق الباب بعدها ويحتل هو مقعد القيادة.
نظرت إليه بتردد حينما وجدته يطالعها بصمت دون أن يتحدث بشيء وما لبس أن قال بهدوء محلى بالعتاب
- ينفع الموقف اللي حطيتينا فيه دا؟
- أنا كنت قلقانة عليك
قالتها بصوت مرتعش فتنهد بقوة قبل أن يلتقط كفها الذي حاوكته بقفازات اليد السوداء ثم رفعها إلى شفتيه ملثمًا إياها قبل أن يقول بهدوء ونبرة مطمئنة
- أنا كويس متقلقيش.
نظرت إليه بتفحص من بين خجلها وكأنها تتيقن من صدق حديثه فصاح بمرح مصطنع
- أنتِ مش مصدقاني
لم تستطع أمام ابتسامته تلك سوى أن تبادله بأجمل منها ظهرت من تضييق عينيها خلف نقابها.
-الشيخ منتصر عارف إنك معايا؟
أومأت إليه بإيجاب فأرسل شيئًا ما لوالدها قبل أن يشعل مقود السيارة وينطلق بهدوء.
نظرت إليه باندهاش لتسأله بخجل مازال يحاوطها
- إحنا رايحين فين؟
- هخطفك
ابتسمت قبل أن تعقد حاجبيها لتكرر
- رايحين فين بجد
- هستغل براءتك وأخطفك
ابتسمت بخجل لتنصت إليه وهي تسمعه يتابع
- أنا مكلتش بقالي أيام وأول ما شوفتك نفسي اتفتحت للأكل ففكرت إننا نروح نتغدى إيه رأيك
هزت رأسها بإيجاب سعيدة بحديثه الذي عاد لطبيعته فحالته المرحة هذه لها أثرًا مبهجًا على قلبها.
************
كان "يونس جالسًا على هاتفه يتفحص منشورات الأصدقاء على موقع الفيس بوك، انتفض منتصبًا بجلسته وهو يجد أحد أصدقائه مشاركًا أحد المنشورات مع زوج خديجة السابق ليهنئه بموافقة زوجته السابقة على العودة إليه مرة أخرى، صمت قليلًا ليفسح المجال لعقله كي يتذكر تاريخ طلاقه لها ليعلم إن كانت عدتها قد انتهت أم لا، ولكنه عجز عن تذكر تاريخ ذلك اليوم، زفر بإحباط من عدم اهتمامه بحسبان وقتها، ولكن على كل حال كيف سيتمكن من معرفة عدتها إن عرف تاريخها وهي ممن تنقضي عدتهن بالقروء لا بالأشهر.
نهض من مكانه متجهًا إلى الغرفة التي كانت تحتضنها قبل ذهابها عله يصل إلى شيء ولكن قلب محتويات الغرفة كلها دون أن يجد شيء، بذات الوقت استمع إلى رنين جرس الباب يتعالى فهرول مسرعًا إليه علها تكون هي ولكن انطفأ قبس الأمل الذي كان قد اشتعل بقلبه حينما لم يجد الزائر أحدًا سوى أبيه.
سمح له بالدخول بوجه أكد إليه ما جاء لأجله فقال بصرامة
-فين زوجتك؟ أنا سبتك الفترة اللي فاتت دي بمزاجي عشان خطوبة أختك دلوقتي نادي لي خديجة عشان نشوف إيه الموضوع.
- جيت متأخر يا أبي
وقع قلب أبيه بين قدميه حينما استمع إلى جملته فدارت عيناه بأنحاء المنزل ليقول بقلق
-فين خديجة يا يونس
بدموع لم يستطع الآخر على السيطرة عليها أكثر من ذلك قال بحسرة
- خربت بيتي بإيدي يا أبي
كاد قلبه أن ينشق لرؤية دموع ولده التي أفصحت له عن القهر الذي يعانيه فجذبه من ذراعه ليجلس بجواره على أقرب مقعد يسعهما معًا قبل أن يقول بهدوء
- قول لي إيه اللي حصل
صمت يونس دون أن يتحدث بشيء فحثه والده بنظرته على الحديث ليبوح بما أرهق قلبه لشهور طويلة..
بعدما انتهى من قص ما أثقل فؤاده استند والده على المقعد بإرهاق وعينان مفتوحتان على وسعهما من فرط الصدمة ثم صاح بصوت مهموم
- وأنت واحدة ست اللي تخليك تخرب حياتك كدا، إحنا إما روحنا نخطبها لك حطينا إيدنا في إيد راجل ولا ست، وبعدين لو هي مش مؤمنة بقضاء الله أنت فين إيمانك؟ فين رضاك باللي ربنا كتبه ليك؟ مش قادر تتقبل بلاء صغير ربنا ابتلاك بيه؟ أومال اللي مبيشوفش أو مبيسمعش دا يعمل ايه؟ اللي ربنا بيبتليه في أولاده ويتقتلوا أدام عيونهم دول يعملوا ايه؟ ربنا إداك كل حاجة وحرمك من حاجة صغيرة لحكمة لا يعلمها إلا هو وأنت بتعترض؟
هز يونس رأسه عدة مرات نافيًا وهو يصيح بدفاع عن نفسه
- أنا راضي والله راضي، أنا بس مكنتش عايز أظلمها معايا كنت عايزها تعيش مرتاحة، أنا من كتر حبي ليها ضحيت بيها عشان تفرح
- صدقني مفرقتش كتير وأنا مش شايفك غير مش راضي بقاء ربنا أنا رايح أرجع بنتي لبيتي اللي وعدتها إنها مش هتشوف فيه إهانة أبدًا، هتيجي معايا ولا هتقعد تعيط وتستنى زي الحريم؟
لم يتردد الآخر في موافقته على الذهاب معه؟ وكيف له أن يرفض وما قرأه قبل مجيء أبيه قد زلزل قلبه وجعله يتذوق قليلًا من نيران عيشها تحت كنف غيره، ذهب برفقة أبيه وهو يتمنى ألا تكون عدة طلاقهما قد انتهت.
بأحد الأحياء الشعبية تنهدت خديجة براحة حينما تخطت هي ووالدتها تلك الخيمة المزينة بالأنوار الكثيرة والمقاعد الملونة التي كانت مرصوصة أمام بيت طليقها الأول، شعرت بدمعة هاربة تفر من عينيها وهي تتذكر نظراته لها حينما رأته، تذكرت كيف أودعها تلك النظرة الحاقدة عليها لتفضيلها أحد غيره بل يبدو أنه يصدق تلك الإشاعة التي كان قد أطلقها عليها بعد طلاقهما من خيانتها له مع يونس عبر الهاتف، فاقت من شرودها بما حدث بالماضي على صوت والدتها الذي ارتفع مرة واحدة تقول بقوة
- ما تبصي على أدك يا ست أنتِ وهي.
كادت أن تجذب والدتها كي لا تتشاجر مع النساء كما فعلت قبل ذهابهم إلا أنها لم تتعارك معهن فأراحتها، نظرت إلى والدتها الضائقة بلوم ثم قالت بعتاب
- عايزاهم ميتكلموش عليا إزاي؟ ما طبيعي يتكلموا ولا فاكرة إن الرجالة هتتخانق عليا بعد ما اتطلقت مرتين ومرة منهم كانت بفضيحة؟ يا أمي أنتِ بتحريضك ليا على طلاقي من يونس مأنقذتيش حياتي من الوحدة أنتِ هتخليني أعيش وحيدة طول عمري
بندم فائق طالعتها والدتها دون الإفصاح عن خطئها بعدما أدركت حماقة ما فعلت، فهي لم تعتقد أبدًا أن الأمور ستنقلب إلى عكس ما أرادت وستلوك الألسنة سيرة ابنتها كلما رأوها، بل اعتقدت أنهم سيشفقون عليها من طلاقها من زوجها العقيم كما أخبرت جميع النساء في السابق، مرت من أمام تلك المرأة التي تحقد عليها دائمًا وهي تتمنى ألا يكون قد وصلها خبر طلاقها كما السابق إلا أن رجاؤها قد خاب وهي تستمع إلى كلمات الأخرى الساخرة
- واخدة لي بنتها معاها في الراحة والجاية يمكن تلقط لها عريس، مين هيبص في خلقة السودة بعد ما اتطلقت مرتين
وكأنها ضغطت على زر الإشعال لديها فهرولت تجاه المرأة لتجذبها من شعرها بسبب إهانتها لابنتها إلا أن خديجة أمسكت بها بقوة فاستعملت لسانها بدلًا من يدها لتسبها بأبشع الألفاظ.
التف رجال الحي ونساؤهم حولها ليرون ما يحدث بين المرأتين ويستمعون إلى منافسة الشتائم التي اشتعلت بينهن، هطلت دموع خديجة لتبلل خمارها حتى أن إحدى النساء أشفقت عليها لتقترب منها وتربت على ظهرها.
استمرت الشتائم بين الإثنتان حتى قالت المرأة بكيد
- بس ياللي بنتك متطلقة مرتين.. خربتي بيتها يا خرابة البيوت ولا بنتك حنت للأرف اللي كانت بتعمله قبل الجواز؟
إلى هنا لم يستطع يونس الانتظار كما كان قد أمره والده بعدم التدخل بين النساء حينما وصل اعتقادًا منه أنه مجرد نقاش حاد بين النساء، ولكن حينما وصل الأمر لعرض زوجته لم يستطع سوى أن اقترب منها وجذبها من يدها أمام الجميع ليقول بصوت قوي موجه لها
- يلا معايا.. وعرفي جيرانك إن في حق وقاعدة رجالة هتتعمل النهاردة بالليل عشان الكلام اللي اتقال في حقك لا يمكن أسكت عليه، وأنا مش هاخد حقي من ستات.
***********
جلست زهرة على المقعد المجاور له على الطاولة بعدما جهزه لها ثم صمتت تنتظر أن يبدأ بالحديث معها، ضيق عينيه بذهول من خجلها الذي عاد إليها مرة ثانية، فهي كانت تمزج معه بسيارته منذ قليل فكيف عادت لما كانت عليه الآن، سألها بهدوء
- مالك يا زهرة أيامي؟
تفاقم خجلها كما يحدث معها كلما تغزل بها بإحدى الكلمات ثم أجابته بخفوت
- أنا بتكسف أقعد في الأماكن العامة
نظر حوله قبل أن يقول بتفهم وطمئنة
- بس مفيش حد هنا إلا ناس بعيد عننا لأننا جايين في وقت شغل ومش غدا أصلًا والمطعم بيكون فاضي دلوقتي
- عارفة بس برتبك شوية
- طيب تحبي نروح نقعد في العربية تاني
هزت راسها عدة مرات بالنفي قبل أن تقول
- لأ شوية وهتعود الجو هنا كويس
أومأ بإيجاب وسرعان ما تبدلت ملامحه للجدية قبل أن يقول
- أنا آسف على جفائي معاكِ في الايام اللي فاتت، صدقيني مكانش قصدي أكون كدا، بس أنا إما بكون متضايق من حاجة بنفرد بنفسي ومع الوقت برجع لواحدي
تنهدت بقوة قبل أن تجيبه
- على فكرة أنا مزعلتش لأني عارفة إنك متضايق بس غلط إنك تنفرد بنفسك بحزنك أومال أنا لازمتي إيه وفين دوري؟ إما أنت تخفف عن نفسك بنفسك طيب وانا هعمل ايه؟ أنت كدا بتاخد مني حق على فكرة.
عقد حاجبيها بتفكير ليقول
- أكيد مبيكونش قصدي لكن أنا اتعودت على كدا
- وأنا متعودتش حد عزيز عليا يكون زعلان وأسيبه.. لازم أفضل معاه عشان ممكن أتضايق لدرجة تتفوق على الضيق بتاعك وبعدين إزاي مهونش عليك وأنت زعلان وأنا عارفة إنك مجرد ما تكلمني ضيقك هيروح
رفع أحد حاجبيه بمرح بعدما استمع إلى جملتها الأخيرة وسرعان ما تبدلت ملامحه إلى الهدوء وهو يقول بصوت هائم
- ومن ذا الذي يخالط الزهور ويبقى حزينًا.. أفقدت الأزهار أريجها أم أن الأنوف أصابها الشذوذ.
ابتسمت بخجل شديد وهي تخفض رأسها إلى الأسفل بعدما كان ينظر إلى عينيها حينما أسمعها كلماته فتابع بمرح
- وزهرة إذا تبسم ثغرها خجلًا.. شعرت بالعجب من بريق حلَّ بالأزهار دون أن تضيء.
كاد أن يشفق عليها من خجلها الذي أحل بها إلا أنه صدم بها تصيح بتهديد مرح
- طب خلاص يا عم عشان أنا إما بتكسف بضحك بصوت عالي وهفضحك في المكان هنا.
رفعت نظرها إليه بعدما استشعرت صمته فوجدته يطالعها بنظرات مضحكة مما جعلها تضحك بخفوت قبل أن تتابع بمرحها
- أنا كنت مخبية عنك وفضلت هادية الأيام اللي فاتت بس خلاص لا مفر كدا كدا هتعرف الحقيقة ما أنت خلاص كتبت الكتاب واتدبست
فاق من تلك الحالة التي أصابته بسبب هذه الزهرة الرائعة التي يراها للمرة الأولى، تبسم بهدوء وهو يشعر بها تعامله بطبيعتها شيئًا فشيء، فتح فمه ليسخر من كلماتها بمرح هو الآخر إلا أنه لا يعلم كيف أجبره قلبه ليقول بنبرة هائمة
- وأنا الذي كنت أظنني قد زهدت الأزهار كلها.. لتأتي أصغرهن لتنكس العهود وتعيد للقلب الحزين بريقه الذي ظن أنه لن يحورا.
يتبع..