زهرة الهاشمي - الفصل 1 - بقلم مجهول - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: زهرة الهاشمي
المؤلف / الكاتب: مجهول
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 1

الفصل 1

*˙⁠❥⁠˙⁠ࢪواية زهرة الهاشمي1-2-3˙⁠❥⁠˙⁠* ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏*تـم مـشـارڪه الـࢪوايـة مـن قـنـاة عالم الروايات ‏‏تابع قناة عآلُم آلُرۆآيَآتٌ آلُجٍميَلُةّ/روايات وقصص حب ودين اقتباسات عميقة نكت بوستات وصور واستوريهات في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029Vb01xFo7DAX1UxQAXc2j زهرة الهاشمي الفصل الأول "دنوّ اللقاء" (.... الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) -الله أكبر تنهدت بقوة ودموعها تقتص من عينيها وتفرّ منهما عقابًا لقلبها الذي يأبى العدول كل ليلة. لا تعلم أتبكي تأثرًا بالآيات التي رددها الإمام أم أن الدموع قد مالت هي الأخرى وتسيل نعيًا لخشوعها الذي بدأ يتزحزح عن قلبها ليحل محله تأنيب الضمير الذي يوخر عظام روحها بسبب تعلق فؤادها بهذا المجهول الذي لا تعلم منه سوى نبرة صوته التي تعشق صاحبها لأجلها. كانت تستمع إليه كل جمعة منذ عام ونصف وعشقت منذ الوهلة الأولى نبرة صوته الهادئة في إلقاء الخطبة مرورًا بانفعالاته غيرة على دينه في بعض الأحيان وختمها هو بصوته الشجي وهو يردد الآيات مؤديًا ركعتي الجمعة. في البداية كانت تعتقد أن تعلقها بصوته مجرد تعلق فتاة بصوتٍ اقشعر له بدنها وهو يردد آيات الله ولكن لم تكن تمر عدة أشهر حتى وجدت قلبها ينتظر يوم الجمعة لتطمئن عليه هو، ولن تنسى أبدًا ذاك اليوم الذي غاب عن المسجد فيه وجُنَّ قلبها اشتياقًا وقلقًا، حتى الآن لا تدري ما دهاها؟! فكيف يعشق المرء شخصًا لمجرد شعوره بالأمان بحضرة صوته؟! والله لقد شعرت الكثير من المرات التي لا يحصى عددها بأن سحرًا قد أصابها؛ فعشقها له غير مبرر بالنسبة لها، حتى اسمه لا تعلم به، وها هي على هذا الحال منذ حينها وها قلبها ينتفض كل ليلة كلما مرّ على ذاكرته بأنها ستستمع إليه غدًا فاليوم هو الثامن عشر من شهر رمضان وشيخها سيأتي ليلة غدًا للاعتكاف بالمسجد وستستمع لنبرته إلى ما بعد الثانية عشر بعد منتصف الليل، هكذا هتف هو عبر مكبر الصوت داعيًا الشباب للانضمام إليه، حتى أن والدها أخبرهم صباح اليوم بأنه سيكون برفقتهم لعله يفوز بالعديد من الأعمال التي سترجح كفة حسناته. هرولت أناملها إلى كلتا وجنتيها تزيح سيل الدموع عنهما حينما استمعت إلى والدتها تهتف باسمها، تحركت أقدامها إلى خارج غرفتها حينما تيقنت من إزاحة آثار الدموع عنها ثم أجابت والدتها بهدوء _ خير يا ماما سألتها الأخرى سريعًا وهي تفرش سجادة الصلاة استعدادًا لإقامة التراويح _ خلصتي صلاة؟ _ أيوة يا ماما _طيب.. شيلي كتبك من الأنتريه وشوفي لو فيه حاجة ليكِ عشان بابا كلمني وقال إن في حد جاي معاه بعد الصلاة أومأت بإيجاب دون أن تضيف شيء ثم ذهبت إلى الغرفة الأقرب لقلبها، تلك التي انحسرت أحلامها بها، فلم تبارح عقلها؛ وكيف لها أن تفعل وهي ترى لقاءها به كل ليلة بين أركانها متجسدًا في صورة رؤية شرعية؟! لملمت كتبها المبعثرة على آرائك الغرفة ثم جلست على أقربهم ووضعت الكتب على قدميها، انخفض نظرها إلى غلاف الكتاب الأول وتلمست أطرافه بأناملها مبتسمة تلك الابتسامة التي تخص تذكرها لأحد أحلامها معه، احمرت وجنتيها بخجل متذكرة ذاك الحلم الذي أهداها به كتابًا يحمل نفس عنوان الكتاب وألوانه هامسًا بنبرته التي لا تعرف منه سواها "كوني صحابية" تلمست أحرف الكتاب بسرعة متناغمة مع نطقه بها وسرعان ما استفاقت من خيالاتها على صوت ضميرها الذي بدأ يعلو بألم كلما توغل عقلها في التفكير به، فتحت الصفحة الأولى من الكتاب وتأملت ما بداخلها علها تنشغل بشيء عنه ولكن هيهات وأول ما وقع عليه عينها كانت تلك الجملة التي دونتها بخطها "وبصوتك الحياة" أغلقت الكتاب بانفعال مصطنع وضيق من تفكيرها به ثم نهضت متجهة إلى غرفتها خوفًا من مجيء الضيف بأي وقت لا تدري بأن هذا الضيف قد استعمر طرفًا منه الفؤاد سابقًا وستكون الأرواح أكثر من مرحبة بأي جزء منه يشن ثاني غاراته لاستوطانها مدى الحياة. ************ حينما أعلنت السماء حدادها واتشحت بالسواد مرغمة باكية بقطرات صافية تنعي شمسًا استتر جمالها خلف عتمة الليل سطع القمر يشع بأنواره ناثرًا نجومه حوله ليرسم لوحة خلابة تضيء عتمة القلوب وتجدد أملًا بأن السواد وإن طغى لابد من قمر يضيِّع عليه انتصاره ويولد بريقًا ربما يفوق بريق الشمس، ولكن هذه الظاهرة لم تفلح في مواساة قلب هذا الذي يسير بين الناس مغيبًا بعيون لا تريد سوى الاختلاء بصاحبها لتفيض من الدمع عزاء لحبٍ حاول قطع الطرف الأخير منه بطلاق مزق نياط قلبه قبل أن يفكر عقله بلفظ الحرف الأول منه، خطت قدمه الدرجة الأولى من درجات السلم الرخامية وقلبه يستعد للعيش بين أحضان الوحدة الموحشة، لا يعلم كيف لقلبه أن يتحمل العيش بدون وجودها ولكن أليس هو من ولّى نفسه قاضيًا وحكم على قلبيهما بالفراق؟! تنهد بقوة بعدما أغلق الباب خلفه وكاد أن يطلق العنان لقلبه كي ينهار بعد كل تلك الصدمات التي أوهنت بنيانه إلا أن تلك الشهقات المقهورة التي تشربتها أذناه جعلته يعقد حاجبيه متعحبًا قبل أن يجر قدماه متجهًا إلى مصدر الصوت، شعر بانفجارات عنيفة تدوي بقلبه حينما طالع هيئتها المتربعة على فراشهم تنزف بدل الدموع دمًا ولكن وجد لسان كبريائه يهتف صائحًا بجمود - أنتِ لسة هنا بتعملي إيه؟ لم يكن منها سوى أن رفعت كفيها إلى وجهها لتحجبه عنه قبل أن تتعالى شهقاتها أكثر من السابق فلم يستطع سوى أن انصاع لرغبة عادته حين بكائها فأجبر قدماه على الانحناء للجلوس بجوارها ولكن هذه المرة لم يجذبها لأحضانه كما السابق وإنما جلس صامتًا بقلبٍ تمنى لو كان بإمكانه الإفصاح عما يعانيه هو الآخر. دقائق طويلة مرت كالسنين على قلبه قضاها ينتظر دموعها أن تجف، لا يدري بأن الدموع هي الرفيق المخلص للقهر والألم فلا تسمح لنفسها أن تنضب وتتمنع على صاحبها قبل أن تبريء الأسقام. بُهت قلبه حينما انتفضت واقفة دون سابق إنذار وسرعان ما أنصت إليها حينما سمعها تهتف بقوة - مش هسيب بيتي، أنت عايز تمشي امشي، في الشرع المطلقة واجب عليها تلزم بيت زوجها لحد ما تنتهي فترة العدة، ولا عايز تخالف شرع ربنا يا شيخ يونس؟ ألقت كلماتها وخرجت من الغرفة دون أن تعبأ بأبحر النيران التي أشعلتها بقلبه قبل خروجها، فهنا بحر نشبت نيرانه حينما استمع لنبرتها الباكية وهنا آخر ارتفع لهيبه عندما تمسكت بطرف الرباط الذي أرخى هو قبضته وهناك بحر فاض منسوب نيرانه بمجرد تهدج صوتها بكلمة مطلقة، أحقًا باتت طليقته وانفصلت عنه؟ أيصح للسكن أن ينفصل عن جدران بنائه ويُطلب منه أن يبقى صامدًا؟ تمدد بجسد أنهكه أنين العشق بعدما فاض به الكيل وأدخل عقله بدوامه أخرى من التفكير عله يجد طريقة يستطيع بها إخراجها من المنزل فبقائها بقرب قلبه بمثابة اقتراب الوقود من الحريق ولن يحظى بنجاح ما خطط له إن لم ترضخ لإرادته وتغيب عن عينيه. ********** دوى جرس البيت معلنًا عن قدوم والدها برفقة الضيف فأسرعت تهرول من غرفة الضيوف متجهة إلى غرفتها قبل أن يدلفان إلى الداخل، بمجرد غلقها لباب غرفتها استمعت إلى صوت والدها يهتف بترحاب وحماس _اتفضل يا هاشم . ادخل يا حبيبي متتكسفش اختفى صوت الضيف الذي تيقنت من أنه غرق تحت طوفان خجله فهزت رأسها بلامبالاة ثم اتجهت إلى المرآة الموضوعة بمنتصف الغرفة وصففت بعض خصلات شعرها المتطايرة قبل أن تعود لتجلس على فراشها لتغوص بين أحد كتب التفسير الذي تدرسه في السنة الأخيرة لها بمرحلتها الجامعية بعد مرور دقائق كثيرة زفرت براحة وهي تستمع إلى إغلاق باب المنزل عقب انتهاء المؤذن من إلقاء الآذان مباشرة فقد علمت أن والدها قد غادر برفقة من معه ويمكنها التجول في أنحاء الشقة كما يحلو لها، نهضت من فراشها واتجهت إلى مطبخ البيت ولم تكد تبتلع أولى قطرات المياة التي ألصقتها بشفتيها إلا و أعادتها مرة ثانية بصدمة مما استمعت إليه، أحقًا هذه نبرته التي توصلت إلى مسامعها؟ كيف لها أن تستمع إليه في هذا الوقت واليوم هو الاثنين بمنتصف الأسبوع وهي اعتادت على سماعه في يوم الجمعة فقط؟ خرجت إلى بهو المنزل لتتيقن من صدق ما تستمع إليه وسرعان ما صفقت بيدها واتجهت إلى غرفتها وتلك الابتسامة البلهاء ترتسم على محياها، بعد عدة دقائق ارتفع صوتها بنفس الآيات التي كان يرددها أثناء صلاته في محاولة منها لتقليده، فدائما ما كانت قادرة على محاكاة أعظم القراء والاقتراب بنبرتها إلى طريقتهم فما لها كلما حاولت تقليده تشعر أنها لم تقترب منه ولو بواحد في المئة هناك شيئًا بصوته هو ما يميزه ويجعله يسكن القلوب بلمح البصر، تلك البحة العجيبة التي اخترقت جدر قلبها لا تستطيع الوصول إليها أبدًا، حاولت التقليل من مستوى صوتها خجلًا من والدها التي علمت بعودته بعد إغلاقه للبيت ولكن مع مرور الوقت شردت بمحاولتها ولم تعبأ بوجود والدها في الخارج توقفت عن استرسال القراءة بعدما شعرت بوجود والدها أمامها هاتفا بابتسامته المعتادة بعدما طرق الباب بخفة -هدى صوتك يا زهرة الراجل معايا جوة احتقن وجهها بحمرة الخجل أكثر من ذي قبل، فلم تكد تتخطى خجلها من والدها الذي تخجل من القراءة أمامه دائما حتى فاجئها بآخر قد استمع إليها. دفنت وجهها بين كفيها وهي تتابع والدها الذي عاد إلى غرفة الضيوف مرة أخرى هاتفًا بمرح ملازم لوجهه البشوش - الشهرة عايزة منك إيه يا شيخ هاشم ابتسم الآخر بخفة بعدما فطن مقصده، فمن الواضح للعيان أن تلك الفتاة التي صدح صوتها في أنحاء البيت كانت تحاول محاكاته في القراءة، ابتسم والدها "الشيخ منتصر" على هذا الذي لم يتملك منه الفضول ليسأل عن هوية من كانت تقلد صوته فاسترسل حديثه هاتفًا وهو يطالعه بتفحص -دي زهرة بنتي اللي اتكلمنا عنها أومأ هاشم إليه بعدما تلون وجهه بحياء ثم هتف بهدوء وهو ينهض واقفًا - طيب أستأذن أنا يا شيخي، إن شاء الله بكرة في المسجد هتكلم مع حضرتك في الموضوع اللي كلمتك فيه بعد ما أستشير أهلي أومأ إليه الشيخ منتصر بهدوء ثم نهض متجهًا إلى الخارج أولًا ليتفحص الطريق ثم عاد مرة أخرى بعدما أشار للآخر بأن لا أحد يعوق خروجه تنهد براحة بعدما أغلق الباب خلفه شاعرًا بالسعادة تسري بعروقه بعدما انتهى من ذاك الحمل الذي كان يجسم فوق صدره، اتسعت ابتسامته وهو يتذكر رد فعل هاشم بعدما قال له بطريقة مباشرة (أنا عايزك لبنتي) على الرغم من اختلاط هاشم الكبير به واقترابه منه لدرجة لا يتهاون بها إلا أنه بدى من ردة فعله أن الآخر لم يكن يعرف طريقته في تزويج بناته، فالشيخ منتصر هو من يختار أزواج بناته ويطلب الزواج منهم وبناته لا تعرفني ذلك حتى الآن، على الرغم من تهافت الكثير من الرجال عليهن وإلحاحهم عليه لقبول الزواج من بناته إلا أنه لم يكن يختار سوى من يرتضي خلقه ودينه ويرى فيه زوجًا يصون ابنته ويجعلها تهنأ بالعيش تحت قبضته في رضا الرحمن، ربما يرى من لا يعرفه وبناته أن طريقته خاطئة وأنه هكذا يقلل من قدرهن بتقديمهن للرجال برغبته هو دون رغبتهم ولكن من اختلط به يعلم جيدًا أنه لا يحظى بشرف نسبه إلا سعيد الحظ كما يقولون، فإن كانت سيرته هو حسنة بين الناس والجميع يتمنى معاملته فبناته بين الناس أكثر حسنًا منه، تخلى عن عبائته الخارجية واكتفى بجلبابه الأبيض الخفيف وهو يقترب من زوجته ويقبل كفيها كعادته كلما عاد من الخارج ثم همس إليها براحة -أوشكت اللؤلؤة الأخيرة على الرحيل التفتت إليه باهتمام بعدما استمعت إلى مقولته التي يلقيها على مسامعها كلما وجد زوجًا مناسبًا لإحدى بناته ثم سألته باهتمام - مين؟ أجابها بهدوء -الهاشمي أومأت إليه بإيجاب بعدما فهمت أنه يقصد ذاك الشاب هاشم الذي كان يدرس له القرآن والعلوم الشرعية منذ صغره، نظر هو إلى وجهها مليًا ليستنبط رد فعلها ولكن لم يجد منها سوى الصمت، ربما كانت تعترض وتثور بشدة على طريقته في زواج بناته وطلبه هو الزواج لهن من رجالهن معترضة بحجة أنه هكذا ينقص من قدرهن ولكن مع مرور الوقت ورؤيتها لأزواج بناتها كيف يقدروهن ويعطون لهن قدرًا لا يستهان به أدركت أنه لم يفعل شيئًا خاطئًا، فلسنا جميعنا نرى الأمور من منظور واحد، فكلما تغايرت العقول اختلفت الرؤية. -يونس مجاش هو وخديجة ليه مش كانوا هييجوا النهاردة قبل ما تروح تعتكف؟ قالت كلمتها مغيرة للحديث فأجابها بجهل - مش عارف، أنا شوفته في الصلاة بس مشي بسرعة أومأت إليه وعيناها تسافر بشرود إلى حيث فلذة كبدها الذي لا تدري كيف تثنيه عن نيته في تدمير حياته، لا تعلم كيف تقنعه أن عدم قدرته على الإنجاب شيئًا لا ينقص من قدره فهذا قدر الله له وليس له ذنب فيه وحاشاه تعالى أن يعاقبنا على ما ابتلانا، بل يختبرنا فننجح فيثيبنا. فاقت من شرودها على طرقات هادئة على باب المنزل فعقدت حاجبيها بتساؤل وهي تتابع زوجها الذي اتجه ناحية الباب، اتسعت ابتسامتها وهي ترى خديجة زوجة ابنها تهل من خلف الباب فاقتربت منها الأخرى وارتمت بأحضانها تبكي دون سابق إنذار، سقط قلبها بين قدميها وهي ترى الحالة الرثة التي هي عليها وهي تعلم جيدًا أن ولدها هو السبب في هذا، كاد زوجها أن يقترب بقلق ليرى ماذا أحل بمن صارت كبناته منذ أن طرق ولده باب منزل والدها ولكنها أشارت إليه بعدم الاقتراب وهي تسحب الأخرى إلى أقرب غرفة قابلتها. لم تسألها على ما حدث ولن تسألها فمنذ زواجهما كلما ضايقها يونس تأتي هكذا وتفعل ما فعلت وتظل هي تربت على قلبها حتى تهدأ تمامًا دون أن تدري ما حدث ولكنها تعلم جيدًا أن السبب الرئيسي في جميع خلافاتهما؛ ظن ابنها بأنه يظلم زوجته في إبقائها على ذمته باذلًا كل جهوده كي يجعلها تمل منه وتتركه ليريح تلك الندوب التي سببها ضميره المتسعر، ربما كان تصرفها هذا هو ما جعل تلك الفتاة ترتفع في قلبها إلى درجة بناتها، فلم تذهب مرة إلى والدتها وتشكو منها زوجها بس تأتي إليها هي وعلى الرغم من ذلك لم تشكوه لها أبدًا بل تبكي بأحضانها لتهدأ ثم تعود حيث كانت دون أن يعلم أحد بما يحدث بينهما ولكن ربما ولدها هذه المرة تجاوز كل الحدود فهذه هي المرة الأولى التي تبكي بهذه الطريقة ابتعدت خديجة عنها حينما استمعت إلى صوت يونس الذي أثقلته الهموم ياتي متعبًا من الخارج، تنهدت والدته بقوة وهي تتأمل وجهها بأسى وهمست بخفوت - لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ابتسمت إليها بحزن من بين دموعها فرفعت حماتها أناملها وأزالتها بحنان وهي تشعر بالشففة الكبيرة عليها ثم عميت بنبرة حانية أظهرت طيبة قلبها الفطرية - فوقي يا حبيبتي ومتزعليش قلبك حقك عليا أنا لم تكد تنتهي من جملتها حتى وجدت ولدها أمامها بعدما طرق الباب بخفة فرمقته بعتاب جلي قبل أن تقول بمرح مصطنع وهي تنهض متجهة للخارج - تعالى يا عم شوف مراتك اللي زهقتني أحضان دي وأنا هخرج أشوف أبوك هياخد إيه معاه وهو ماشي بعد خروجها اتجه بنظراته اللامّة إلى تلك التي أشاحت بنظرها عنه، تنهد بقوة وهو يتذكر شعوره الحارق منذ دقائق، فبعدما وجدها تخرج من الباب دون سابق إنذار بعدما ارتدت كامل ثيابها اعتقد انها غيرت فكرتها واستمعت لصوت كرامتها وهجرته إلى بيت والدها ولكن قلبه تمنى أن تكون ذهبت إلى أمه كعادتها وها هي لم تخيب رجاء قلبه ووجدها أمامه، أما عنها فقد شعرت بالغيظ منه، أيحق له أن يعاتبها بعدما قطع أقوى رابط بين قلبيهما؟! نهضت هي الأخرى تتبع حماتها رافضة أي كلام بحضرته فإن كانت قد دعست على قلبها وتبقت معه بعدما فعل فلن تقتله بالصفح دون عقاب وخاصة وقلبها يعلم بأنه سيقابل كلماتها ببروده الذي تمنى لو تنتزعه بمخالبها من تصرفاته إلى الأبد. نظر إلى أثرها بقهر هو سببه قبل أن يهمس بإعياء - يارب صبرني.. أنا مش عايز أظلمها لا يدري بأنه هكذا يظلمها بإعتراضه على قضاء الله وحرمان قلبها من الترويّ بترياق أسقامها. يتبع سميةرشاد زهرةالهاشمي زهرة الهاشمي الفصل الثاني" سعادة مفرطة" بغرفة تفوح منها رائحة الحزن، لا يظهر منها سوى العتمة، المصدر الوحيد للضوء فيها هو ذاك الهاتف الذي يقبض عليه هاشم، هذا الشاب الذي انهلَّت الدموع من عينيه الواحدة تلو الأخرى وعيناه تهرول للمرة التي لا يعلم عددها على رسائله السابقة معها، ربما من بمكانه سيتمعن في الرسائل ويقرأها ببطء علها تشعره بذاك الحب الذي كان يشع من قلبه حينها ولكن من مثله هو فقد حفظ فحواها من كثرة تكرارها حتى أنه لم يعد بحاجة للهاتف ليتذكرها فقد بات يتذكر كل كلمة حتى التعبيرات التي كان يلصقها لها بات يحفظها عن ظهر قلب، وكيف لا يفعل وهو من فقد حبيبته قبل عدة أيام من زفافهما؟ كيف لا ينفطر قلبه عليها وهو يتذكر كيف دعستها تلك الحافلة أمام عينية لتتلطخ الأرض بدمائها ويتلطخ معها فستان زفافها الأبيض الذي كانت تحمله بيدها فرحةً بشرائه؟! كان قد عاهد قلبه سابقًا بأنه لن يسمح له بالتفكير في الزواج ثانية ولكن كيف له ألا يفعل الآن؟ كيف له أن يرد طلب شيخه ومعلمه وقد طلبه صراحة، هو يعلم أنه من حقه الرفض ولن تتأثر علاقته بشيخه ولو بدرجة واحدة فهو يعرفه جيدًا ولكن هو كهاشم هل له أن يرده خائبًا وهو الذي أغرقه بمساعداته له حتى بات لا يستطيع حصرها من كثرة ما لجأ إليه، حقيقة هو يشعر بالاندهاش من شيخه الذي طلب منه هذا الطلب وهو أكثر من رافقه في محنته ويعلم جيدًا بعهده الذي قطعه مع قلبه فكيف يطلب منه أن ينكثه لأجل ابنته؟ لا يعلم بأن شيخه لم يكن يشغله في الأيام والليالي السابقة سوى أمره ولم يجد أغلى من ابنته ليساعد قلبه الذي استغاث به ليخرجه من محنته هذه المرة ولا يرد رجاء فؤاده خائبًا. استفاق من شروده على طرقات هادئة على باب غرفته فأسرع في إزاحة دموعه التي تبقى أثرها على خديه قبل أن يهتف بهدوئه الذي يتميز به - اتفضل اتسعت ابتسامته تلقائيًا وهو يستمع إلى والدته التي هتفت بتساؤل - إيه يا ابني الكهف اللي أنت عايش فيه دا، مضلم الأوضة كدا ليه؟ وقبل أن تتابع باقي حديثها رمقته بتفحص وهي تسأله - في حاجة ولا ايه؟ شكلك مش مضبوط لم يجيبها سوى بذاك العناق الذي كاد أن يسحق ضلوعها فيه قبل أن يهتف بمغازلة - طبعًا فيه.. إزاي مش هشوفك عشر أيام وعايزاني أكون فرحان ارتفعت ضحكاتها بسعادة وخجل فطري من كلماته قبل أن تجيبه -ماشي يا بكاش.. هعمل نفسي مصدقة عشان أنا فرحانة بس بالخبر اللي أنت لسة قايله ليا ارتسمت على شفتيه ابتسامة لم تصل إلى عينيه وهو يرى سعادتها بخبر خطبته لإبنة شيخه، فلطالما ألحت عليه بالخطبة وكم سعدت لخطبته لابنة الشيخ منتصر الذي لم يقدم لولدها سوى كل خير، فهو يعلم جيدًا أن والدته تحترم ذاك الرجل ولم ترفض خطبته لابنته حينما يخبرها أنه يريد الزواج منها - يلا تعالى اخواتك برا وكلنا متجمعين تعالى اقعد معانا عايزين يباركوا لك قصدي يقعدوا معاك ضيق عينيه بمكر وهو يتفحص وجهها الذي تلون بارتباك فهمس بمرح - أنا مش قلت لك يا بطة متقوليش لحد ألا ما الشيخ يعرف بنته ونشوف ردها الأول؟ وياتري بقا خلاتي وعماتي كلهم عرفوا ولا نسيتي حد؟ قلبت وجهها بغضب مصطنع وهي تصيح قبل أن تهرول خارجة من الغرفة - فيها إيه يعني إما أفرحهم دول إخواتك هما حد غريب يعني... أنت دايما كدا بتحب تخبي. ارتفعت ضحكاته على طريقتها التي تتبعها دائما لقلب الموضوع لصالحها ثم صاح بمرح - هو في حد بيعرف يخبي حاجة منك يا إذاعة الشرق الأوسط... الله يكون في عون البنت لو محصلش نصيب مش هتتجوز بسببك. ******** حينما قاربت نسائم الفجر الذكية على الانبثاق وصدح صوت المقرئين يعم الأرض أمانًا وسكينة من إذاعة القرآن الكريم؛ انتهت خديجة من وضع لمساتها الأخيرة على تلك الطاولة البيضاء الصغيرة التي ضمت الفول المصري بلونه البني الفاتح مرافقًا لأصابع البطاطا الشهية والعديد من البيض المسلوق وقطع الجبن التي تحتضنها شرائح من الخيار والطماطم، ومن ثم طرقت على باب غرفة نومه التي كانت تضمهما سابقًا قبل أن تتجه إلى إحدى الغرف وتغلق الباب خلفها بهدوء. فاق من غفوته على طرقات خفيفة ليستمع إلى قران الفجر فيعلم أنه قد حان وقت الاستيقاظ. دقائق قليلة قد مرت قبل أن يدلف إلى المطبخ كعادته ولكن هذه المرة بقلب أضناه التفكير حد الوجع، ربما في الأيام السابقة كان يمنى نفسه بأنه سيشعر بالراحة بعدما يطلق سراحها وتهجره أنياب ضميره التي كانت تطبق على قلبه ولم تدع له الفرصة ليرتاح لثانية واحدة، ولكن قد خاب ظنه وبات يشعر بجميع بدنه مكبلًا بأصفاد من نار. عقد حاجبيه بضيق حينما لم يجدها تنتظره على الطاولة كالسابق وسرعان ما ابتسم بتهكم من عقله الذي تعدت جرئته حد الوقاحة، أكان ينتظر منها أن تترقب قدومه وهو الذي لم تمر ساعات على رميه لها بتلك الرصاصات الملطخة بسموم لا ترياق لها؟! رمق تلك الطاولة التي لا حياة لها بكدر قبل أن يعود بأدراجه مرة ثانية إلى غرفته مرتديًا جلبابه الابيض متجهًا إلى المسجد وهو يجر قلبه قبل أقدامه التي باتت ثقيلة لدرجة لا تحتمل. خرجت من مخبئها بعد استماعها لصرير الباب الذي أغلقه خلفه ثم نظرت إلى طاولة المطبخ بترقب قبل أن تلملم الاطباق من فوقها دون أن تمس ما بداخلها يد. بعد مرور تسعون دقيقة عاد إلى البيت ودون إرادة منه تمنى قلبه أن تكون متيقظة عله يراها فيروى ظمأ قلبه الذي أضناه الاشتياق، تسرب إلى أذنيه صوت أنينها الحاد المرفق بصوتها الذي بدأ في العلو وكأنها تتعارك مع أحدهم فسقط قلبه بين قدميه حينما توصل عقله إلى أن سبب صراخها هو ذات السبب الذي أوصله إلى هذه الحالة وقد كان ما اعتقده وهو يستمع إليها تقول - يا أمي حرام عليكوا ارحموني... انتو كدا بتدمروا حياتي.. احنا الاتنين راضيين وفرحانين في حياتنا مع بعض ربنا مخلي قلوبنا راضية والله.. بلاش كلامك دا كل ما تكلميني... أنا بحب يونس ومستحيل أبعد عنه لأني مكتفية بيه دا غير إني متأكدة إنه لو كان مكاني كان عمره ما هيتخلى عني. استمع إلى إنصاتها قليلًا قبل أن يسمعها تصيح بانهيار - ليه يا أمي كدا.. ليه بتحطيني أدام الاختيار بينك وبينه.. انتو الاتنين أغلى من حياتي ومش هقدر أستغنى عن حد منكوا. أمي؟ أمي؟ علا نشيجها بقوة حينما أدركت أن والدتها أغلقت الهاتف بعدما خيرتها بينها وبينه فتوقع هو ما حدث؛ خرج جاذبًا الباب خلفه بقوة كما عاد قبل أن تعلم بقدومه، ها هي المواقف تؤكد له بأنه كان صائبًا فيما فعله، يعلم أن أهلها سيظلون هكذا حتى تمل من إلحاحهم ويمرض قلبها وهذا آخر ما يريده، ربما تعتقد أنه هكذا يظلمها باتخاذه القرار وحده دون الاستماع إليها ولكن كيف يستمع وهو يعلم أن أهلها لن يكفون عن محاولتهم في تخريب بيتهم وهو من المحال أن يمنعها عنهم فيتحمل ذنب عدم صلتها لأهلها. في مساء اليوم التالي بعد انتهاء الجميع من آداء التراويح جلس الشيخ منتصر برفقة يونس وهاشم اللذان كانا يتنافسان في قراءة القرآن وتفسير معانيه حتى سمعهما يتناقشان في قوله تعالى"وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ" ويونس يقول - أول مرة أعرف دي عقد الشيخ منتصر حاجبيه وهو يسأله عما يتحدث فأجاب هاشم مبتسما - كان فاكر إن المقصود بالسيارة هنا الآلة المعروفة اللي هي العربية وأول مرة يعرف إن المقصود بيها مجموعة من الناس المسافرين بيطلق عليهم نفر أومأ الشيخ منتصر إليه مبتسمًا وهو يشعر بأن ما جرعه له قد سقاه لولده الآن وروى ظمأ جهله ظلا على حالهما هكذا يتنافسان ويتناقشان فيما خفى عليهما برفقة الشيخ منتصر الذي انضم إلى جلستهم فكان كالدليل الذي كلما ضلوا طريقهم وغرقوا في أبحر القرآن التي لا تحصى أعادهم مرة أخرى حينما بدأ قرآن الفجر نهض بعض الشباب لفرد الأطباق ليتناولوا السحور الذي أرسلته إحدى البيوت المجاورة كعادتهم كل سنة لعلهم ينالوا بعض الثواب من إطعام المعتكفين، جلس الشيخ منتصر جانبا يعبث في شنطة ثيابه بينما جلس هاشم بجواره هو الآخر تاركين يونس يساعد الشباب في تجهيز الطعام. شعر الشيخ منتصر بهاشم يريد أن يحدثه في شيء فهمس إليه بمرح - إيه اللي في جوفك يا هاشمي ابتسم الآخر له بحرج وهو يشعر باحتقان وجهه أكثر من السابق ثم قال بهدوء - إن شاء الله تاني يوم العيد والدتي وإخواتي هييجوا لكوا زيارة.. لو الآنسة زهرة معندهاش اعتراض عليا اتسعت ابتسامة الشيخ منتصر وهو يرى الآخر يكاد يختنق من فرط حيائه فقال بهدوء كي يزيل عنه الحرج - إن شاء الله ينوروا. ******* -أمي بتقول إنه اسمه هاشم وأنه كان بيدرس قرآن وأصول على إيد أبي من صغره لكن معرفش عنه أي تفاصيل تانية قالت زهرة هذه الكلمات بسعادة وهي تسرد لصديقتها ميّ عن ذاك العريس الذي سيأتي إليهم في المساء، شعرت صديقتها بالاندهاش من موقفها هذا، فكيف لها أن تسعد هكذا وهي التي كانت تقلب الرسائل بينهما نواح كلما تقدم لخطبتها أحد رغم علمها أن والدها لن يجبرها على شيء، تشعر أن زهرة تختلف هذه المرة عن سابقيها فمن يستمع إلى حماسها يعتقد أنها من جلبت هذا الخاطب إليها، لم تستطع السيطرة على فضولها وهي تسألها بشك - زهرة أنتِ عارفة العريس دا نفت الأخرى بشدة وهي تزجرها بعتاب - أنا يا مي؟ أنت فاكرة إني ممكن أعمل كدا وأعرف حد من ورا أعلى همهمت الأخرى باعتذار قائلة بحرج - أنا مش قصدي والله يا زهرة أنا واثقة فيكِ بس موقفك يحير أومأت إليها زهرة بتفهم وكأنها تجلس أمامها ثم أخبرتها بخفوت - بصي هعرفك على كل حاجة بس بعد ما النهاردة يعدي على خير بس تنهدت الأخرى بموافقة وهي تشعر بفصولها يكاد يقتلها لمعرفة ماذا يحدث مع رفيقتها فاستأذنت منها زهرة كي تذهب لتساعد والدتها وعقلها يصفق من فرط السعادة التي تشعر بها تعلم أن مي محقة في شكها ذاك فموقفها هذه المرة يختلف كثيرًا عن ذي قبل، وكيف لها ألا تفعل وهي تعلم أنها ستجلس برفقته اليوم، برفقة من استحوذ صوته على الفؤاد وآن الوقت كي يستحوذ قلبه وعقله على جل جوارحها، ربما كانت ستفعل هذه المرة كما كانت في المرات السابقة خاصة وأن والدتها أخبرتها أن الخاطب سيأتي للمنزل في مساء اليوم وأنه اتفق مع والدها منذ أيام ولن تستطيع أن ترفض مقابلته وتعرض والدها للحرج، ولكن ومن حسن حظها أن اليوم هو ثاني أيام عيد الفطر المبارك وأشقائها يجتمعون اليوم فاخبرتهن والدتهن بعريس شقيقتها فاستمعت هي صدفة إلى جملة والدتها التي رنت في قلبها قبل أذنيها - دا محترم جدًا وخاتم القرآن من صغره دا كفاية صوته اللي يريح القلب وهو بيصلي بينا التراويح كل ليلة. بعد سماعها لهذه الجملة انقلب حالها كليًا فبعدمًا كانت تحدج والدتها بضيق كلما ذكرت سيرته صارت هي من تحاول الوصول إلى أي معلومة تخصه بل جمعت شقيقاتها في غرفتها لينتقين لها أي الثياب سترتدي اليوم أمام مستعمر الأفئدة ذاك. ******* وقف تحت منزل والدتها ينتظرها بعدما هاتفها وأخبرها أنه بالأسفل، كان هذا هو الحديث الأول لهم منذ تلك الليلة التي حكم عليهما بالفراق فيها، فكانت حياتهم في الأيام السابقة على نفس المنوال يأتي من المسجد بعد صلاة الفجر لينام عدة ساعات قبل أن يستيقظ في الثامنة صباحًا ليذهب إلى عمله كمحاسب بإحدى شركات الأدوية ثم يذهب إلى المسجد فلا يعود سوى قبل الافطار بعدة دقائق ليتناولاه بصمت تام ثم يرجع مرة أخرى إلى المسجد حتى آذان الفجر، فحتى السحور بات يتناوله مع الرجال في المسجد. ربما ما يمنعه عن الاعتكاف هو عمله ذاك بينما والده فقد خرج على المعاش قبل ثلاث أعوام أما هاشم فهو يشارك صديقه في أحد محلات الملابس الشرعية ويستطيع توكيله في هذه الأيام للاعتناء بالعمل. رمقها سريعًا حينما رآها قادمة نحوه قبل أن يستقل بدراجته البخارية استعدادًا للذهاب متجاهلًا ورم عينيها الذي ظهر من خلف نقابها بعدما خمن ما حدث، صعدت خلفه بهدوء بعدما رمقته هي الأخرى بعتاب لعدم صعوده إلى الأعلى ليقدم العيدية للصغار بدلًا من إعطائها هي لهم كما كان يفعل فتصنع عدم الفهم. كان يود أن يفعل مثلما تريد ويجعل عائلتها كعائلته ولكن كيف يفعل ذلك وإخوتها يهمزون ويلمزون مع والدتها كلما رأوه، كيف يفعل وهو يتذكر حينما استدعته والدتها قبل طلاقه لها بعدة أيام وتوسلت إليه ليطلق سراح خديجة التي تراها ذبلت كلما رأتها، لا تعلم بأن السعادة لم تطرق باب ابنتها سوى ببيته وأنها هي من جذبت السعادة من تلابيب ثيابها وطردتها شر طردة بل وكلما حاولت الاقتراب من ابنتها تدخلت هي وتوعدتها بالشر إن هي لامستها. توقف أمام منزل أبيه كعادتهم كل عام بثاني أيام العيد فصعدت هي للأعلى وتركته يغلق الدراجة قبل صعوده، هرولت على سلالم البيت كي لا يلحقها فلم يستطع الوصول إليها إلا ووالده يفتح الباب لهما، هنئت الجميع بمناسبة العيد ثم جلست بجوار أميرة شقيقة يونس التي هتفت إليها غامزة - إيه يا أخت خديچة الحلاوة دي هو الحب بيحلي ولا ايه ارتفعت ضحكات الجميع على يونس الذي حمحم بقوة معتقدين أنه خجل من كلماتها لا يدرون بأنه حمحم دون إرادته وكأنه يتمنى لو كانت حياتهم كما تقول فصاحت والدته بغضب مصطنع قاصدة إبعادهم عن هذا الحديث - بس يا بنت أنتِ وهي سيبوا أخوكوا ومراته في حالهم هنا نظر منتصر إلى زهرة مبتسمًا قائلا بمرح ليتبين ردة فعلها - خلاص يا بنات ملكوش دعوة بيونس وخديچة نتكلم عن عروستنا اللي شغالة ماسكات على وشها بقالها ساعتين. احمرت وجنتيها بقوة فهي تخجل من والدها كلما تحدث معها على أمر زواجها ثم جذبت هاتفها من فوق قدمها ونهضت متجهة إلى غرفتها تجنبًا لمزاح أشقائها الذي لن ينتهي اليوم. بعد ساعة استمعت إلى جرس الباب الذي دوى في جميع أرجاء البيت مزامنًا لصوت شقيقتها التي دلفت إليها هامسة بسعادة -جهم.. جهم ارتفع توترها إلى أقصى درجاته وتعاركت أناملها مع بعضها وأخذت تلتفت برأسها يمينًا ويسارًا تبحث عن عدة أشياء ولم تستطع الوصول إلى أي منهم من فرط قلقها. اقتربت شقيقتها منها ثم تلمست أطرافها بحنان وهمست بهدوء - متوترة أوي كدا ليه يا زهرة؟ مفيش داعي للتوتر دا كله يا حبيبتي... هو جاي مع نساء بس النهاردة أخوه قال إنه هييجي المرة الجاية عشان تكونوا براحتكوا وأهله لطاف خالص والله والدته كانت بتيجي تصلي التراويح معانا وكويسة خالص متقلقيش. أومأت إليها بإيجاب ثم سألتها وهي تنظر إلى ثيابها من خلال المرأة - طيب شكلي كدا مضبوط يعني في حاجة؟ ابتسمت شقيقتها بهدوء قائلة بصدق - أي حاجة جميلة عليكِ يا زهرة، أنتِ زهرة في أي حاجة بتنوريها ابتسمت لشقيقتها بامتنان وظلت تعيد نفس الفعلة على أشقائها كلما دلفت إحداهن وخرجت الأخرى حتى دخلت خديجة فسألتها قائلة - هو مين اللي برة أجابها برفق مشفقة عليها من توترها هذا - اتنين إخواته بنات وزوجة أخوة ووالدته سألتها وهي تتنهد بقوة - كلهم قاعدين مع بعض؟ هزت رأسها نافية قبل أن تجيبها - لأ والدته بس اللي قاعدة مع ماما وبابا ويونس وهو في أوضة الضيوف لكن البنات قاعدين برا مع إخواتك عشان المكان وكدا. - وأنا هقعد مع مين دلوقتي ابتسمت خديجة مجيبة إياها - أنا بقول تعالى اقعدي مع البنات دلوقتي اتعرفي عليهم لحد ما ينادوكي أومات إليها بهدوء ثم اتجهت معها بخجل إلى الخارج وتعرفت على الجميع وصافحتهم بود وقبل أن تجلس معهن وجدت والدتها قادمة إليهن وهي تقول بابتسامتها المعهودة - يلا يا زهرة تعالي اقعدي معانا جوة. يتبع.. زهرة الهاشمي الفصل الثالث "لقاء" كنجمة كانت متخفية خلف والدتها في عتمة السماء منذ ولادتها خجلًا من القمر الذي كان يتحدى أبيها كل ليلة ليريه جمال ابنته الذي يتغنى به، فأجبرها والدها على الظهور بزهوٍ ليثبت صحة ما اعتز به، فظهرت هي من خلف ستائر الخجل التي كانت تواري جمالها فباتت شبيهه بزهرة التي جلست على المقعد الذي أشارت عليه والدتها وعيناها تأبى فك عناقها الذي اشتبكت به مع تلك الدائرة الحمراء الكبيرة في منتصف سجادة الغرفة، كانت تعتقد أن فضولها لرؤية ذاك الذي استعمر قلبها وفرض حصاره على حدودها؛ سيجعلها لا ترفع عينيها عنه ولكن خجلها لم يسمح لها أن ترفع نظرها إليه، ظلت تستمع إلى أحاديثهم وقلبها يهيم به عشقًا كلما استمعت إلى أي كلمة يجود عليها بها، حاولت والدته فتح باب الحديث بينهما لعلها ترفع رأسها فيستطيع ابنها رؤيتها وتستطيع هي رؤيته ولكنها أجابت حديثها بخجل شديد وهي تنظر إلى الركن الذي تجلس به دون أن تحيد بنظرها إلى الركن المقابل الذي يجلس فيه برفقة والدها وشقيقها حتى أن الجميع لاحظ ارتباكها وخجلها وكانوا يحاولون إخراجها من هذه الحالة ببعض المرح ولكنها كانت تشعر بنفسها مكبلة بقيود لا وجود لها فنظر والدها إليها بقوة قبل أن يهتف بلطف - إيه رأيكوا نطلع نقعد برة شوية ونسيبهم براحتهم وعلى غير المتوقع اندهش بهاشم الذي هتف بمرح - ياريت ارتفعت ضحكات الجميع مرحبين بالفكرة وخاصة والدة هاشم التي كانت تود أن تقترحها قبله فاستقام الشيخ منتصر قائمًا وهو يشير ليونس بطرف عينيه كي يجلس بالقرب منها تنهدت بصوت مسموع فور خروجهم شاعرة بأن عقلها سيفقد وعيه من فرط الانفعالات التي تمر عليه فتفاجئت به يقول في مرح - ياه للدرجة دي شعرت بأطرافها ترتعش أثر كلمته، حقًا لا تدري ماذا دهاها بحضرته! هي تريد أن تنظر إليه تتحدث معه تبتسم إليه ولكن قيود الخجل التي تعاهدت مع خاصة القلق قد كبلتها فجعلتها غير قادرة على تنفيذ ما خطط إليه قلبها. فاقت من تلك الدوامة التي كرهتها على نبرته الهادئة - مفيش داعي للقلق دا كله أنا إنسان عادي خالص زيكوا مبخوفش وبعدين الشيخ منتصر معايا من سنين جالكوا مرة ناقص حاجة. ابتسمت على مزحته التي حاول بها إخراجها من قلقها فتابع بمرح - ما أنتِ بتضحكِ أهو.. أنا قلت وقعتك كبيرة يا هاشم وهرمونات النكد بدأت من قبل البداية. ظلت مبتسمة على حالها فتأوه بخفوت جعلها ترفع نظرها إليه بدهشة فوجدته يهمس بابتسامته التي اتسعت بقوة - أيون أنا كدا اتأكدت إنك شوفتيني عشان مفيش ترجيع بعد كدا. ضحكت بخفة جعلته يضحك مثلها هو الآخر قبل أن يقول بهدوء -نتكلم جد بقا شوية أومأت إليه وعقلها يشرد به وهي تراه أمامها للمرة الأولى بابتسامته الصافية، تلك التي شعرت بها تنتزع الأشواك من قلبها وتغرس محلها ورود ناعمة لا خشونة بها، شعرت بملامحه تريح قلبها، لم تكن تتخيل أن يكون بهذا الشكل رغم أنها كانت كل ليلة ترسم صورته بخيالها ولكن لا يتشابه مع ذاك سوى في الراحة التي تشع من وجهه ببشرته المائلة للسمار تلك التي زينتها لحيته متوسطة الطول التي ماثلت في لونها البني القاتم حدقتي عينيه اللتان تشعان طمأنينة، فاقت من شرودها على صوته هاتفًا بتؤدة - أنا مش عارف عنك غير اسمك وطبعًا شغفك بصوتي قال جملته الأخيرة بمرح جعل عينيها تتسع بصدمة، كيف له أن يعلم ما يكنه قلبها إليه وهي لم تفصح عنه لأي مخلوق، حتى صديقتها المقربة فضلت عدم البوح إليها كي لا تعلق قلبها أكثر به. تابع بخفة دون أن يشعر بصدمتها - على فكرة صوتك أحلى من صوتي ملهاش لازمة تقلديني عقدت حاجبيها بتساؤل واندهاش من استماعه لصوتها وسرعان ما سألته بإدراك - هو حضرتك اللي كنت مع أبي في رمضان؟ أومأ إليها مبتسمًا دون أن يتحدث فرفعت نظرها إليه لتعلم إجابته وسرعان ما خفضته سريعًا بعدما رأته يتأملها بتلك الابتسامة التي تشن الغارات بقلبها. احتقن وجهها بشدة فضحك بخفوت ثم تحدث برزانة - أنا اسمي هاشم الحمد لله حافظ القران الكريم كاملًا بجميع القراءات ودرست كتير جدًا في القرآن لأني متخرج من كلية القرآن الكريم بجامعة الأزهر ، عمري تسعة وعشرين سنة وساكن مع والدتي وان شاء الله بعد الزواج هكسن في شقة قصادها والدتي كل حياتي مش طالب منك غير بس احترامها وإنك تتقي الله فيها، مش عاوزك تقلقي مش هيكون في أي تدخل منها في حياتنا، هنكون في معيشة منفصلة عنها بس دا مش هيمنع إني هقضي أوقات معاها من حقها عليا وأنت حبيتي تقضيه معانا يكون خير محبتيش ليكِ كل الحرية ومتقلقيش وجودي مع والدتي مش هيأثر على وجودي في بيتي عشان ميكونش فيه ظلم ليكِ، أنا مشارك واحد صاحبي في سنتر ملابس شرعية للرجال والمحجبات بنقسم الوقوف فيه مع بعض حسب ظروفنا، أنا مش ملاك وأكيد برتكب معاصي كتير بس أنا بحاول وبجاهد وأتمنى نساعد بعض في إننا نتقدم خطوات للفردوس ومنكونش سبب في انتكاسة بعض. كان يتحدث وهو يوزع نظراته على وجهها ويداها اللتان تضمهما إلى بعضهما بتوتر وعندما انتهى سألها برزانة - في أي سؤال حابة تسأليه؟ في الحقيقة كان لديها العديد من الأسئلة التي تريد أن تتحدث إليه بها كسؤاله عن الصلاة في المسجد وغيرها من الأسئلة التقليدية ولكن أتزيد من حماقتها أمامه وتسأل إمام المسجد عن محافظته على صلاته؟ أتسأله عن قيام الليل وهي التي ظلت تستمع إلى صوته كل ليلة يصدح به؟ هزت رأسها بالنفي فتنهد بقوة قبل أن يقول بمرح كي تخرج من تلك الحالة التي تلبستها - يا بنتي دي فرصتك لأن بعد كدا مفيش استبدال، أمي إما صدقت والله ومش هترضى ترجعني تاني. اتسعت ابتسامتها ثم همست - مفيش حاجة والله حضرتك قلت اللي كنت حابة أسأل عنه أومأ متفهمًا وهو يشعر بها أفضل قليلًا عن السابق ثم سألها - طيب مش حابة تعرفيني عن نفسك تنهدت بقوة أعربت عن توترها قبل أن تقول برقة غير مقصودة - أنا اسمي الزهراء بس بينادوني بزهرة، عمري اتنين وعشرين سنة، بدرس في السنة الأخيرة من كلية الشريعة الإسلامية. حافظة القرآن الكريم وأبي أجاز لي بقراءة حفص عن عاصم وإن شاء بعد ما أخلص دراسة هيديني إجازات في باقي القراءات براحتي. قاطعها فائلًا بمرح -إن شاء الله أنا اللي هديهم لك ابتسمت بخجل فتابع - هو معلمي آه بس أنا حابب آخد الثواب دا منه لوحت رأسها بإيجاب فتابع بابتسامة - كملي أكيد لسة جاي شغل وحقوق المرأة دلوقتي تابعت مبتسمة وهي تشعر به ينتزع شخصيتها المرحة لتلهو مع خاصته - بالعكس أنا مش حابة أشتغل خالص عقد حاجبيه بشك فتابعت بمرح - أنا مبحبش أتعب نفسي أنا ممكن الحاجة اللي مخططة أعملها أروح مع أختي صفية المسجد يومين في الأسبوع ونحفظ البنات والأطفال القرآن ونعلمهم أصول دين بس لكن شغل مش حابة ابتسم براحة قبل أن يقول - الصراحة أحسن بردوا، أكيد مكنتش هعترض على شغلك وأتدخل في حريتك لو كنتِ حبيتِ تشتغلي بس حبيت الفكرة دي أكتر وحسيت إنها مريحة وهتكون أجمل وأكتر ثواب لو زودتي عدد الأيام - إن شاء الله دا هشوفه حسبب عدد الأطفال العدد هو اللي هيحكمني كاد أن يجيبها ولكن دخول يونس المفاجيء بتلك الصينية التي حملت أكواب شفافة باتت صفراء اللون بسبب عصير المانجة المصبوب بداخلها؛ جعله يتوقف عن الحديث فجلس يونس بجواره قائلًا بمرح - إيه يا زهرة أنتِ لسة مكسوفة.. دا هاشم دا لذوذ خالص ابتسمت بخجل من شقيقها فتابع - الصراحة حابب أبوظ الجوازة وأقوله إنك في الحقيقة بنتخانق معاكي عشان تبطلي كلام ومبتسيبناش في حالنا وبترخمي علينا كلنا بس مش هتكلم عشان نخلص توعدت له سرًا وخجلت أن تتحدث أمام هاشم فقال هاشم - أنت فعلًا مقولتش حاجة ابتسم إليه ثم التفت إلى شقيقته قبل أن ترتفع ضحكاته قائلًا - ياه عيشت وشوفتك مبترديش عليا إما بغلط فيكِ خليك قاعد عندنا يا هاشم علطول. أجابه بمرح -خليك إما أروح هتقوم تاكلك رفعت نظرها إليه تنوي تخويفه كما تفعل ما أخيها ولكنها توقفت بعدما أدركت ما كانت ستفعل ولكن كلاهما قد أردكا ما همت بفعله فقال بمرح - إيه مش أنا.. مش أنا نهض يونس واقفًا بعدما قال - طيب أنا هسيبكوا عشر دقايق كمان عشان تخلصوا كلام أومأ إليه هاشم هاتفًا - بالسلامة -النهاردة بس عشان تعارف لكن بعد كدا مش هسيبك تتهنى بعد خروجه باتت زهرة أكثر راحة وأصبحت تتحدث مع هاشم بهدوء بعدما نجح مرحه في طرد توترها خارج مجلسهما حتى حضر أبيها وشقيقها مرة ثانية بينما بقيت النساء في الخارج جلس هاشم برفقتهم قليلًا قبل أن ينهض واقفًا بعدما وجه حديثه لزهرة للمرة الأولى أمامهم - طيب أستاذن أنا بقا عشان طولنا خالص وان شاء الله هكلم الشيخ بعد أسبوع نستخير فيه.. أستودعكِ الله. نهض والدها ويونس معه بعدما قال الأول - خليك يا ابني والله أنت منورنا أجابه باحترام - كفاية كدا بقا وإن شاء الله نكمل كلامنا في المرة الجاية. شعر بموافقته من إشارته لقدومه مرة ثانية فقال - إن شاء الله خرج من البيت برفقة الشيخ منتصر ويونس اللذان أصرا على توصيله إلى أول الحارة ثم تابع الطريق وحده وهو يشعر براحة داخلية، حمد الله على ما أنعم عليه به، فلم يكن يعتقد أنه سيكون على هذا القدر من الراحة وهو برفقتها، كانت الشياطين تلتف حول عقله وتحاول إقناعه بأنه سيكون مكبلًا بذكرى "يمنى" خطيبته السابقة ولكن الذكرى قد أشفقت على قلبه وجعلته يهنأ بلقائه وكأنه المرة الأولى له، هو كان قد وعد نفسه بأنه سيحاول إعطاء قلبه فرصة ثانية كي لا يظلم ابنة شيخه إكرامًا لها ولوالدها الذي لا يستحق منه ذاك، كان يحمل هم وعده هذا ويشغله في الأيام السابقة ولكن كرم الله ورحمته حقًا قد فأجئاه، هو لم ينسِ يمنى ولكن تفتح عقله فوضعها بمحلها الحقيقي حتى باتت إنسانة غالية كانت بحياته وستظل بقلبه إلى آخر عمره ولكنها أيضًا لن تمنعه من استكمال حياته وحب أخرى، فأحيانًا ما يكون الحب سامًا تحوم حوله الشياطين فتجعلنا لا نتجرع منه سوى سمومه حتى تخور قوتنا وتُزهَق أرواح قلوبنا ونحن مازلنا على قيد الحياة، بينما هو يشعر بكرم ربه كبيرًا حتى أنه انتزع تلك السموع ولم يبقَ من الحب سوى ذكراه الطيبة ورائحته التي تشعرنا بالحنين كلما مر على ذاكرتنا دون أن يؤذينا. ابتسم بخفة وهو يتذكر خجلها المبالغ به ومزاح شقيقها معها وتلك اللحظة التي كادت أن تتهور فيها وتحدجه بغضب، فتح باب المنزل بعدما طرق عليه بخفة وسرعان ما اتسعت ابتسامته وهو يرى صحة ما عتقده بعدما وجد والدته تنتظره في بهو المنزل، فهي كانت قد استأذنت هي والبنات اللاتي كنَّ برفقتها وتركته هو ليجلس على راحته. - هرولت عليه بمجرد رؤيتها له ثم سألته بلهفة - إيه الأخبار؟ أشفق علبها وهو يرى رغبتها في زواجه وقلقها من ذكرى زواجه السابق تتجسد أمام عينيه فأجابها بمرح - اهدي بس يا بطة وخليني أقعد الأول زجرته بنظراتها قائلة - اخلص طمني أجابها بجدية - هنصلي استخارة ونشوف يا أمي - طب أنت يعني مرتاح ولا إيه تنهد بقوة قبل أن يجيبها مبتسمًا بعدما قبل جبينها - مرتاح يا أمي ربنا ييسر اللي فيه الخير ابتسمت بسعادة وهي تتنهد براحة فقال بتحذير - بس الله يكرمك مش عايز إذاعة دلوقتي خالص لسة مش عارف بعد الاستخارة هيحصل إيه والله أعلم هي هتوافق ولا لأ. أومات إليه بتفهم وعقلها ينتوي غير ما تظهر فقال وهو يدلف إلى غرفته -ربنا يستر. جلست بخجل شديد وسط أشقائها الذين التفوا حولها يسألونها عما تشعر به وما حدث بينها وبينه. ظلت تجيبهم عن بعض الأسئلة السطحية بخجل وعينها تتقاسم النظر بين أبيها وبينهم، فصاحت والدتها بتعنيف - خلاص سيبوها في حالها بقا وادخلوا ناموا يلا الوقت اتأخر وعيالكوا بيناموا على نفسهم - أنا هنام مع زهرة في أوضتها هتفت بها أميرة متحمسة فصاحت زهرة بزعر - لأ أنتِ وأولادك لأ.. المرة اللي فاتت لقيت نص شعري مقصوص المرة دي هيعملوا فيا إيه محدش هينام معايا غير سندس قالت وهي تنظر إلى شقيقتها التي تعرف بينهن بصفات الهدوء والتعقل الشديد كما أنها ليس معها سوى صغيرها إسحاق ذو التسعة أشهر ولن يفعل جلبة كباقي أبناء أشقائها زفرت أميرة بخيبة وهي تنظر إلى سندس بحقد فابتسم الجميع عليها وبدأ كل منهم للذهاب إلى غرفة نومه تردد يونس قليلًا قبل أن يوجه نظراته إليها قائلًا -يلا؟ أومأت إليه بإيجاب فهتفت والدته - ما تباتوا هنا في أوضتك بدل ما تروحوا وتيجوا الصبح -لأ مش هينفع قالها باندفاع فرمقته بعتاب قبل أن تتصنع ابتسامتها وتقول بمرح - ما أنت عارفة إن جويرية وحفصة بيستولوا على الأوضة يا ماما ابتسمت والدته وهي تنظر إلى بنات ابنتها البكر أميرة بحنان قبل أن تقول -خلاص يا حبايبي على راحتكوا . تقدم يونس تجاه الباب فتبعته هي بعدما ودعت الجميع بابتسامة سرعان ما بدلتها بعكسها وهي تتقدم تجاه منزلهم فاستمعت إليه يقول بقوة - راحة فين؟ التفتت إليه فوجدته ينحني على دراجته البخارية ليفتح قفلها السفلي ثم أجابته وهي تشيح بنظرها عنه - هروَّح مشي.. المسافة مش محتاجة أركب - هتروحي لواحدك في الليل دا إزاي يعني قالها بحدة فأجابته باستفزاز -عادي كلها كام شهر ومش هلاقي حد أمشي معاه فأتعود بقا. تصنع اللا مبالاة وهو يشعر بها تستفزه ليعيدها إلى عصمته فقال بهدوء بعدما استقل الدراجة وأدارها - اركبي. رفعت نظرها إلى السماء بعدما أطلقت أنفاسها بقوة ثم صعدت خلفه وهي تجلس في أبعد مكان بمحاولة منها لتجنب ملامسته، تساقطت دمعاتها الواحدة تلو الأخرى وعقلها يجري مقارنة بين هذا العيد والعيد السابق، لو كانت تعلم بأن السعادة ستغدر بهما هكذا وتفر منهما حينما تسنح لها الفرصة لما تركتها تنفلت من قبضتها أبدًا صعدت إلى شقتهم حين وصوله وأغلقت باب غرفتها ثم وقفت خلفه تنظر من تلك النقطة الصغيرة بمنتصف الباب كي تستطيع النظر إليه دون خوف لترى ما يفعل علها تروى ظمأ اشتياقها الذي أنهكها حد الألم. ******** بسعادة غامرة صفقت بيدها وهي تعثر على الحساب الخاص به على موقف الفيس بوك، نظرت شقيقتها إليها باستفهام فأشارت إليها بأن لا شيء ثم نظرت إلى هاتفها وكأنها عثرت على كنز ثمين، ظلت تتأمل منشوراته التي كانت أغلبها دعوية سوى بعض المنشورات التي قام بعض أصدقائه بمشاركته معهم فيها، ظلت تبحث عن صور له علها تستطيع تأمله التي عجزت عنه في حضرته، ففي جلوسه معها كانت كلما رفع نظره إليها خفضت أعينها عنه، زفرت بإحباط حينما لم تجد صور له وسرعان ما فتحت عينيها بأمل وهي تجد صورة له قبل عامان قام أحد أصدقائه بمشاركته بها وهو يهنئه بعيد الفطر المبارك. ظلت تتأمل الصورة مليًا حتى قامت بحفظها على هاتفها غير مدركة بأنها هكذا تصعد الدرجة الأولى من درجات المعاصي. فأحيانا ما تتوارى المعاصى خلف جلباب السعادة وتجعلنا نقترفها في غفلة منا فلا ندرك أننا وقعنا بمكرها إلا بعد فوات الأوان. يتبع..