ظلال الحطيئة - الفصل 1 - بقلم مجهول - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال الحطيئة
المؤلف / الكاتب: مجهول
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 1

الفصل 1

*˙⁠❥⁠˙⁠ࢪواية ظلال الخطيئة1-2-3˙⁠❥⁠* ˙⁠ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏*تـم مـشـارڪه الـࢪوايـة مـن قـنـاة عالم الروايات ‏‏تابع قناة عآلُم آلُرۆآيَآتٌ آلُجٍميَلُةّ/روايات وقصص حب ودين اقتباسات عميقة نكت بوستات وصور واستوريهات في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029Vb01xFo7DAX1UxQAXc2j ظلال الخطيئه الفصل الأول طُرقٌ لا تُبشِّر بخير تململت فوق الفراش كأنما تعطي إشارة لجفنيها كي يُفرجان عن بصرها، لمحت خيوطًا بيضاء كثيفة كُوِّنت في زاوية سقف الغرفة، تنهدت بقلة حيلة وهي تسخط على العناكب التي لا تترك زوايا البيت وشأنه. اعتدلت من نومتها تنوي بداية يوم جديد، لكن بأحداث تتكرر! ألقت نظرة على النائم خلفها قبل أن تتحرك إلى خارج الغرفة بهدوء تام. فتحت نوافذ المطبخ المُهدرة أغراضه، ونظرت حولها بضيق من منظر مطبخ نامت دون أن تترك فيه صحنًا غير نظيف، والآن تعمه الفوضى. زاد من ضيقها رؤية النمل منكبًا على قطعة بسكويت واقعة على الأرض، يا للأطفال المشاغبين، ويا للكبار غير المسؤولين! اغتسلت ورتبت ما استطاعت حتى تحضر طعام الإفطار قبل استيقاظ أهل البيت، وضعت البيض يُسلق، وارتدت خمارها وسحبت بضع ورقات من المال متجهة إلى المخبز القريب من بيتهم. وما إن عادت حتى انكبت على باقي الطعام تُنهيه، وفي تلك الأثناء كان أحمد قد استيقظ وتحمم واستعد للذهاب. قال لأمه قبل خروجه: - يمكن أتأخر شوية النهار ده، هنناقش المشروع أنا وصحابي. - خد بس تعالى افطر الأول، هتسافر على لحم بطنك كده! - ما فيش وقت، هاخد أي حاجة في الطريق. ذهب دون حديث إضافي ترافقه دعوات أمه ورضاها عنه، هذا ابنها البار الذي لا ترى منه إلا كل التزام بالدراسة، ولا يفتعل الشغب أو يترك من حوله الفوضى، لو أنها أنجبت كل أبنائها أحمد، لما كان حالها على ما هو عليه. دقائق ودخلت عليها أسماء، جلست بجوار الحائط تقول بتعب: - ماما أنا عمالة أرشف من بليل، وزوري واجعني خالص مش قادرة أبلع ريقي. زفرت وداد بقلة حيلة، وذهبت إلى رف الأدوية في ثلاجتها، أخرجت زجاجتي دواء، نظرت إلى محتواهما بتمعن قبل أن تملأ ملعقة من كل نوع وتعطيها لها قائلة بثقة: - ساعة زمن وهتبقي زي الفل. شربتهما أسماء بثقة تامة في أمها، لطالما كانت صادقة فيما يخص الدواء، كل علة تجد لها دواءً عندها، وكل شكوى تجد لها آذان تصغي باهتمام. تحممت أسماء بدورها وخرجت توقظ بقية إخوتها كما طلبت منها أمها، لكنها وسُمية تشاجرتا بالأيدي لكون الأخيرة لا تريد إزعاجًا، وأسماء لا تكف عن مناداتها كي تكلم أمها. دخلت الأم غاضبة عليهما وهي تقول بحنق: - انتوا ما فيش صبح يعدي عليكوا من غير مشاكل؟ أنا باعتاها تصحيكي يا سُمية، قومي تحركي عشان تلحقي الكورس بتاعك. الله! خرجت الأم تجر خلفها قائمة ذهنية من الأمور التي يجب أن تنهيها خلال الدقائق القادمة، خاصة وأن زوجها على وشك أن يستيقظ. وقبل أن تشرع في تقمير الخبز أتاها صوته مناديًا، لبت نداءه في عجل، فطلب الإفطار وملابس العمل، وأوصى أن يكون كل شيء معجل حتى لا يتأخر عن موعد مهم. ركضت تحضر له ما طلب، ونادت أسماء كي تساعدها، لكنها تململت وقالت بأعين متعبة: - والله دايخة يا ماما، مش قادرة أعمل حاجة. - وإيه الجديد؟ العلة ما بتمسكش حد في البيت ده غير لما أطلب منه حاجة. واضطرت أن تعمل بيدين تحول كل إصبع فيهما إلى يد زائدة كي تنجز كل مهامها بشكل سريع وعلى أكمل وجه. التف الجمع حول المائدة، والصمت أطبق عليهم جميعًا إلا من صوت خشخشة الخيار تحت الضروس، سأل الأب عن أحمد، وأخبرته زوجته بتعجله في الصباح، قال موجهًا حديثه إلى أسماء: - خلصي بسرعة وهاتي كتبك، أنا هعدي على مكان درس العلوم بتاعك وأنا رايح مشواري، هوصلك بدل ما تركبي توك توك. قفزت من مكانها مهللة في فرح، فهي دونًا عن كل أهل البيت تعشق ركوب الدراجة النارية، وتنتهز الفرص لترافق والدها في مشاويره القريبة من البيت قدر ما أمكن. نفت وداد بقلة حيلة، ووجهت حديثها إلى باسم الصامت على غير العادة: - درس الفيزيا الساعة ١٠ ولا تغير معاده؟ - لا في معاده. تعجبت تحفظ الولد، هذه ليست عادته، لكنها لم تعلق حتى لا ينتبه زوجها له وينفتح بينهما حوار حاد كما يحدث دومًا. وما إن ذهب الأب وابنته حتى سألته عن سبب صمته الغريب، قال مستهزءًا: - أتكلم على الأكل مش عاجب، أسكت على الأكل برضو مش عاجب، أعمل إيه عشان يعجب أنا مش عارف، يا ربي من دي عيشة بقا! قال آخر قوله بنبرة عصبية، وترك الطعام واتجه إلى غرفته، جذب كتابه وأقلامه وقال قبل أن يُغلق الباب خلفه: - هروح ألعب كوره لحد معاد الدرس. لم ينتظر موافقتها حتى، بل اتخذ القرار ونفذه، وهي لم تعارض، تركته يفعل ما يريد، فحتى لو رفضت لن يسمع لها، وإن بكت أمامه لن يُشفق عليها، القسوة كلها اجتمعت في قلب ذلك الولد، وما أضنى قلبها من قسوته هذه! ذهب أبناؤها جميعًا كل إلى طريقه، زفرت بعمق، وكأن تنهيدتها إعلان بدء معركة جديدة مع أعمال البيت، لملمت الصحون الفارغة وقامت بغسلهم، نظفت البيت بأكمله، وبدأت تغسل الثياب، وشرعت تجهز الغداء، ثم خرجت تنشر الثياب، وعادت تتابع الغسيل مع تجهيز الطعام، كل هذا في حركات مدروسة ومحفوظة وكأنما أدخلت أمرًا لإنسان آلي ويقوم بتنفيذه بدقة بالغة وترتيب متقن! تخطت الثانية عشرة ظهرًا، وكان هذا الوقت هو المتنفس لجسدها المهلك منذ البكور، أخذت كوب الشاي خاصتها، وفتحت التلفاز على إحدى القنوات، وجلست تحتسي الشاي في هدوء تام، لكنه لم يدم طويلًا، فقد دق الباب، وكانت دقته مريبة، ليس لأنها لا تنتظر أحدًا عند هذا الوقت، وإنما لأن الصوت الآتي من أمام الباب لا يُبشر بخير أبدًا! __________________ غائم الفكر في آخر موقف حدث بالمدرسة، ينظر إلى ما يكتب معلم الفيزياء على لوح الشرح، لكنه لا يفهم شيئًا، يحاول التركيز لكن عقله يأبى، لا يعرف كيف سيواجه مدير المدرسة والمعلمين غدًا، مؤكد لن يمر ما حدث مرور الكرام، سيحاسبونه ولا يدري كيف، وأكبر مخاوفه أن يرسل المدير استدعاء لولي أمره. انتفض على عصا المعلم تضرب الطاولة أمامه، نظر إليه بتيه ليسأل المعلم بغضب: - أنا كنت بقول إيه دلوقتي؟ تلفت حوله، وطالع لوح الشرح، ثم عاد بنظره إلى معلمه قبل أن ينطق بنبرة مختنقة: - ما كنتش مركز، معلش. ضغط المعلم أسنانه غيظًا، ثم توعده قائلًا: - صدقني لو بصيت لك تاني ولقيتك مش مركز هيبقى ليا تصرف تاني معاك. تحرك يتابع شرحه، وحاول باسم التركيز، لكن عقله سبح ببحور الفكر من جديد، هنا وناداه المعلم بنبرة عالية، ما إن نظر تجاهه حتى قال بنفس النبرة العالية مُشيرًا للباب: - اطلع بره، اسرح في الشارع، اللي يقعد قدامي يبقى قاعد يفهم، لكن مش كفاية عليا عدد وخلاص. اضطر للخروج، فلا مبرر لديه حتى، نظر لساعة يده، ما زال الوقت باكرًا على درس اللغة العربية، اتخذ طريقه إلى حيث يأخذ الدرس، وجلس إلى سور مقابله ينتظر مرور الوقت الذي مضى ببطء كأنما يتعمد مضايقته. بدأ الطلاب يتوافدون، وآخر من يرغب في رؤيتهم هذا اليوم أتوا أيضًا، حاول ألا يلتفت تجاههم، لكن محمد أبى إلا أن يثير غضب باسم، خاصة وأنه شاهد على فعلة باسم في المدرسة، ليس هو فقط، بل ومجموعة أصدقائه البلهاء أيضًا، وهم الشهود الذين سيسلمونه للمدير على طبق من ذهب! قال محمد مستهزءًا: - يعني أنا بقول الأفضل إنك كنت تركز في حصة الفيزيا النهار ده، أصل بعد اللي حصل في المدرسة ما أظنش هتحضر شرح درس النهار ده في الفصل. ضيعت الدرس على نفسك كده. نظر إليه باسم شزرًا، واتخذ وضعية البرود التام، مما أثار ضيق محمد الذي قال لأصحابه بصوت عال مضحك: - بكره هيقول للمدير: والنبي آخر مرة يا أستاذ، مش هعمل كده تاني. ضحكوا جميعًا عليه، بل وانضم آخرين للضحك عليه، وهذا جعل الدماء برأس باسم تفور، وانتفض من مكانه يقصد محمد الذي اتخذ وضعية الدفاع عن النفس، لكن يد باسم كانت أسرع حين ضربه بشدة على جبهته مما جعل محمد يتألم. تدخل زملاء محمد يحاولان الإمساك بباسم حتى لا يصل إلى محمد من جديد، لكن الغضب قد تلبس باسم بالفعل، وقام بدفع كل من اعترض طريقه، وعلى حين غفلة ضم قبضة يده ونزل بها على جبين محمد مرة أخرى مما أرداه إلى الخلف خطوات قبل أن يقع على الأرض صارخًا بقوة، نظر ليده التي وضعها حيث الضربة فإذا بالدماء تملؤها، صرخ أكثر وهو يسب شتائم متتالية، والتف حول باسم عدد من الأولاد ممسكين به بإحكام، قال محمد وهو يقف مواجهًا لباسم والدماء تسيل من جانب حاجبه: - اقسم بالله لأعملك عبرة بحق كل نقطة دم يا بيسو. ثار باسم أكثر من هذا الاسم الذي يكره، لكنه لم يستطع الإفلات من أيديهم، جروه جميعًا وفي المقدمة محمد، واتجهوا إلى بيته، طرقات متتالية مع أصوات مختلطة للأولاد، وبعد بضع طرقات غاضبة فتحت وداد الباب لتتفاجأ من منظر باسم غير المرتب، ثيابه فوضاوية، وشعره مبعثر تمامًا، سألت مضطربة في فزع على ابنها: - فيه إيه؟ إيه اللي عمل فيك كده؟! وانتوا مالكم جايين بالشكل ده ليه؟! هنا وظهر محمد من خلفهم، وعلى وجهه أمارات التعب مع البراءة المزيفة، قال مشيرًا إلى باسم والدموع تجمعت بمقلتيه: - باسم طلب مني كشكولي ينقل درس الفيزيا بعد ما الأستاذ طرده من الدرس، وأنا خفت الأستاذ يزعق فيا لو عرف، ولما رفضت أديهوله هجم عليا ضرب لحد ما فتح لي حاجبي، أنا لا رضيت أضربه ولا أشتكي للأستاذ، بس دي مش أول مرة يعمل معايا كده، واسألي اصحابنا، كلهم جم يشهدوا على اللي حصل. كان يقول كلامه بتتابع كأنه يخشى نسيان كلمة، أسلوبه الذي جعل الغضب يتسرب إلى أوردة وداد، نظرت إليه بقسوة وهي تقول بغضب بدا جليًا في نبرتها وأسلوب كلامها: - هتبطل تجيب لي المصايب لحد باب البيت إمتى؟ هتفضل عيل لإمتى؟ مش عايز تكبر؟ مش عيب على طولك؟ ما بتعملش حاجة عدلة، لو مش وراك مشكلة يبقى بتفكر في مشكلة، مش هتعقل أبدًا؟ كانت تتحدث بعصبية مفرطة، كأنها تفرغ شحنة ما بداخلها، طريقتها تلك جعلت عينا باسم تتأرجح في مكانهما غضبًا وخزيًا، نفض أيدي زملائه، وألقى على أمه نظرة ساخطة قبل أن يركض إلى الشارع، نادته لكنه لم يرد. تأففت بضيق من هذا الفتي الطائش، واضطرت لتقديم الاعتذار إلى محمد واعدة إياه أنها ستخبر والده ليربيه من جديد. أومأ محمد برضا، وتحرك وزملاءه تاركين والدة باسم تستشيط غضبًا، بينما هم يتضاحكون فيما بينهم. وعلى صعيد آخر في مكان آخر يجلس باسم منكمشًا على نفسه والضيق والغضب يسيطران عليه، لقد كبر على أن تنهره أمه أمام الآخرين، ما زالت تعامله كولد صغير في الابتدائية، لا تهتم لسبعة عشر عامًا قضاهم من عمره في هذه الحياة، بل ولا تنتبه لطوله الذي تجاوزها، ما زالت تراه ابن السادسة. وهذا لا يضايقه فقط، بل ويجعله يسخط البيت وأهله وكل من حوله. توعد في داخله ألف وعيد لمحمد هذا، لن يمررها له هكذا، والغد ليس ببعيد. _*_*_*_*_ كومة من الأوراق تسكن فوق طاولة منزوية، يلتف حولها عدد من الشباب والفتيات، يتناقشون فيما بينهم، هذا يُقدم تقاريره، وذاك يقترح تعديلات، وتلك تشرح وجهة نظر، ومن بينهم جميعًا يجلس هو في صمت تام، يخزن في عقله النيِّر حديثهم جميعًا، ويقوم بتفنيده حسب أهميته لمشروع تخرجهم، لا يتحدث إلا قليلًا، وإن تحدث كان قوله في محله. قالت فاتن التي شعرت ببعض الإحباط فجأة: - أنا مليت حقيقي، ما فيش حاجة بتتظبط خالص. - بالعكس. احنا بصدد التنفيذ خلاص. تحولت جميع الأعين إلى أحمد الذي قال جملته بثقة تامة، مر أكثر من ساعة على جلستهم هذه، ولم يصلوا إلى خطة تامة، ماذا لديه ولم يتحدث عنه إذًا ليجزم أن الأمور في نصابها الصحيح، بل وأنهم على أتم الاستعداد للتنفيذ. بعد دقائق قليلة من ترتيب أحمد لحديثه داخل عقله، انطلق لسانه بشرح مشروع التخرج من بدايته، وذكر المعرقلات له وحلولها، تحدث وكأنه يشرح مشروعًا حيًا تم تنفيذه بالفعل، أبهر الجميع بما لديه حقًا، فأثنوا جميعهم على ما قدم. وبدأوا في تدوين كل ما قاله أحمد لينظروا فيه نظرة أخرى متمعنين فيه. نطق فؤاد بعد أن ابتسم للأوراق بيده: - كده ممتاز، المشروع بين إيدينا. - باقي نحسب التكلفة، ونقسمها علينا، ووقتها نقدر نقول إن فعلا المشروع بين إيدينا. كان هذا رد فاتن، والذي غرس في نفس أحمد ضجة لم يستمع لها أحد، هو وحده من سمعها وأحسها ووقع صريعًا لها! تكلفة! حقًا كيف توارى هذا الأمر عن عقله، عمل بشكل جاد على هذا المشروع من كل الجوانب، ونسي تمامًا أنه سيكلفهم مبلغًا من المال ليس بهين عليه هو على الأقل! كيف راح عن باله أمر كهذا؟ غرق هو في بلوته، وغرقوا هم في حساب تكلفة المشروع، وأجرى عدد منهم اتصالات عدة للاستفسار عن أسعار المعدات اللازمة لهم، واستنتجوا في النهاية المبلغ الذي سيُقسم على عشرة أفراد، وأحمد واحد منهم. قال طارق مقدمًا ورقة الحسابات: - دي حسابات المشروع بالكامل، واللي المفروض كل واحد يدفعه مننا. طالع كل واحد الورقة بعناية، وقبل أن يمررها لصاحبه يوافق عليها، حتى وصلت الورقة إلى أحمد، كان يومئ برأسه بينما يمرر عينيه على الأرقام أمامه، ازدرد ريقه المعبأ بغصات آلمته، ماذا سيفعل الآن، كيف سيدبر مبلغًا كهذا لمشروع التخرج؟ مسئوليات أبيه متشعبة وكبيرة، ولا يمكنه تحميل أبيه فوق طاقته بهذا الشكل! لم ينتبه لأمر كهذا وهو يعد المشروع بعقله، كأنما عقله حجب الأمر عن نفسه حتى لا يعرقل سيره! نظر لزملائه فإذا بهم يتناقشون في المشروع مرة أخرى، لقد أعطاهم الموافقة بإيماءاته التي لم يقصدها حتى، ولو لم يومئ أصلًا أيضًا سيخبرهم بموافقته. سيتعطل كامل المشروع عليه! غير معقول طبعًا.. لكن من أين له بالمال؟ هذه المعضلة التي ستنغص عليه يوميه القادمين. لم ينتبه إليه أي من الجالسين حوله غير عينين من بينهم، وصاحبة العينين لم تلحظ حركته فقط، بل وتعلم جيدًا ما يحدث بداخله. ________________ بدأ باب البيت يُطرق من قِبل أول عائد من الخارج، كانت سُمية التي سألت ما إن دخلت من الباب بصوت خفيض: - بابا رجع؟ - لسه؟ عاملة مصيبة إيه؟ كان هذا تساؤل أمها المرهقة، لكن سمية قالت بشغف كبير وهي تصفق يديها معا وتقفز على قدميها: - أنا مبسوطة أوي، فيه ناس شافوا الرسم بتاعي في الكورس، وانطلب مني أعمل بورتريه لشخصين بالرصاص، عارفة يعني إيه؟ يعني ده مشروع لوحده يا ماما. أنهت قولها وهي تمسك بيدي أمها في سعادة، قالت الأم بينما تطالعها بطرف عينها: - وتفتكري رد فعل أبوكي هيبقى إيه يا ترى؟ قالتها كأنها تذكرها برأي والدها في الرسم، وكيف أنه نهرها عدة مرات حتى لا ترسم وجوهًا حية. زفرت سمية بغيظ وضيق، قالت بلامبالاة: - مش هيعرف حاجة، وأنا مش هدفن موهبتي عشان بابا مش عايزني أرسم من الآخر يعني. أنتِ لو تشوفيهم كانوا منبهرين ازاي بالرسم بتاعي، بس أعمل إيه بقا.. ماحدش في البيت ده عارف قيمة الموهبة أصلا. قالت قولها ودخلت مباشرة إلى الغرفة والضيق يعتليها. ستنفذ ما بدماغها وإن وقف البيت كله بوجهها. نفت الأم بقلة حيلة من تلك الفتاة، ودخلت إلى المطبخ تنهي تجهيز الغداء، لكنها خرجت مجددًا على صوت الباب، رحبت بعودة أحمد الذي بدا الضيق والكرب على وجهه، تركت كل شيء وذهبت خلفه إلى غرفته، سألته عما به، فتنهد قبل أن يخبرها بالأمر كله. ربتت على كتفه بحنان، قالت تحاول المساعدة: - أنا كنت عاملة جمعية مع الجيران عشان أدفع مقدم غسالة نص أتوماتيك، بس أنت ودراستك أولى دلوقتي. هكلم خالتك أم محمود تديني الاسم ده مستعجل. وبعدين نشوف صرفة تانية نكمل بيها المبلغ إن شاء الله. ابتسم لها بحب قبل أن يقبل ظهر يدها ممتنًا، قال مقترحًا: - وأنا بفكر أنزل يوميتين في اليوم، أجمع كوسة وبتنجان مع العمال، يومين تلاتة كده أكمل المبلغ، بس بابا مش لازم يعرف خالص. هزت كتفيها بقلة حيلة، وأكدت أنها لن تخبر أباه بشيء على الإطلاق، ودعت له بالتوفيق وصلاح الحال. وقبل أن تُتم دعواتها كان باب البيت يُطرق طرقًا متتاليًا أفزع كل من بالبيت، انتفضت الأم إليه، وما رأته جعلها تشهق بصدمة وقلب مفطور. ______يُتبع_______ ظلال الخطيئه الفصل الثاني حين استيقظت القلوب كان باب البيت يُطرق طرقًا متتاليًا أفزع كل من بالبيت، انتفضت الأم إليه، وما رأته جعلها تشهق بصدمة وقلب مفطور. سألت بلهفة بينما تتلقف ابنتها من أيدي الجيران الذين يسندونها: - فيها إيه؟ مالها؟ - أغمى عليها فجأة على باب العمارة، وبعدين حرارتها عالية أوي يا أم أحمد، خدوها على المستشفى أضمن واتطمنوا عليها. كان هذا رد إحدى الجارات، بينما وداد كانت في عالم من التيه، تحاول بالماء الذي جلبه أحمد أن توقظ ابنتها، لكنها فجأة صرخت بأعلى صوتها حين رأت شفاهها تتحول للون الأزرق، وبدأ تنفسها يبطؤ. انتزعها أحمد من ذراعي أمه، هرع بها إلى دورة المياه، غمرها بالماء البارد، ثم صرخ في سمية: - هاتي أي حاجة ألفها بيها! لفها جيدًا وركض بها خارج البيت. في تلك الأثناء كانت وداد قد ارتدت ثيابها، وركضت خلف أحمد الذي أوقف وسيلة مواصلات، وبينما يتحرك السائق بسرعة فائقة بدأ يخرج من فم هدى فقاقيع بيضاء، ولم تجد الأم بدًا من أن تحاول مساعدتها في إخراج هذه الأشياء من فمها، ومع تلك المحاولات والرهبة والفزع الذي عاشه الجميع تلك اللحظات انتفضت هدى بين يدي أخيها تشهق بقوة، وبدأت أسنانها تصطك ببعضها دون قدرة منها على التحكم، تنظر لكليهما بأعين زائغة، وما إن اهتدت أن التي تجاورها أمها ألقت بنفسها بين أحضانها وأخذت تبكي بقوة، بينما تيبست الأم تمامًا، شعرت بخدل يسري بأطرافها كلها من رهبة الموقف، لكنها تمكنت بعد وقت وجيز من أن تضم ابنتها لقلبها وهي تحمد ربها على نجاتها. دخلوا بها إلى الاستقبال، وهناك طمأنوهم مبدئيًا، لكن الطبيب المناوب نصح بزيارة طبيب مختص للاطمئنان أكثر، وكان هذا متنفسهم جميعًا، فكل من رأى حال الفتاة تبلد جسده وسكنه الخوف عليها. عادوا إلى البيت صامتين إلا من صوت اصطكاك أسنان هدى ببعضها من أثر البرد، دخلوا بيتهم فتلقفتها سمية وأسماء عارضين المساعدة في تبديل ثيابها، وبالفعل بدلت ملابسها والتفت في غطائها تحاول تدفئة نفسها، بينما تمر عيناها على كل تفاصيل الغرفة التي تخصها وأختيها، كان من الممكن ألا ترى تلك الغرفة مرة أخرى، كادت تفقد الحياة، بل كادت تفقدها الحياة، ففي تلك اللحظات قُبيل فقدانها للوعي كانت تحادث نفسها عن الفائدة من وجودها، والسبب خلف خلقها، كانت تبحث بتمعن داخل عقلها الصغير الذي لم يتجاوز خمسة عشر عامًا عن إجابة أسئلة لم يسعَ امرؤ بعمر الثمانين للتفكير بها يومًا. ولحظة إغمائها شعرت أنها على حافة الموت، وزارها خوف كبير من أن تنتهي حياتها هكذا قبل أن تسعى لأجل رسالة هي سبب وجودها. لا تصدق أنها حية الآن، تتنفس، وتسمع الأصوات حولها، وترى الأشياء والأشخاص، ما زال في العمر بقية، ما زال لديها متسع من الوقت. طرقٌ على الباب، ودخل بعده والدها، كان متلهفًا لرؤيتها، جسده يرتجف من هول ما سمع منهم عما حدث، حاول التماسك، وتنحنح يجلي حنجرته ليبدو صوته طبيعيًا، مسد على رأسها وهو يسألها سبب ما حصل معها، لكنها لا تملك إجابة، فطلب منها أن ترتدي ثيابها ليذهب بها إلى الطبيب، وخرج ينادي وداد كي تساعدها. وبعد فحوصات وتحاليل مكثفة طمأنهم على صحتها، وقال تبريرًا لما حصل معها: - دي كانت سخونة، وكتمت فيها. - سخونة! دي طلع من بوقها حاجات بيضة، أنا بنتي كانت قطعت النفس يا دكتور، وشفايفها ازرقت. كان هذا رد وداد المتوترة، لكن الطبيب طمأنها بقوله: - ما تقلقيش يا مدام، التحاليل قدامي أهي، والحمد لله كله تمام، دي كانت تشنجات بسبب الحرارة. صمت لثواني، ثم تابع بينما يكتب فوق ورقة بيضاء الأدوية المناسبة لحالتها: - على كل حال لو الحالة تكررت تاني هتدوها حاجة للسخونة، وتأكدوا إنه ما فيش في بوقها حاجة، وحطوها تحت المية. أغمضت وداد عينيها بتألم من الفكرة، هناك احتمال أن تتكرر هذه الحالة! كيف ستتحمل مرة أخرى حالة كهذه، كاد قلبها يتوقف نبضه. استودعت الأمر كله عند الله، وعادت إلى بيتها بقلب متعب، وطفق تعب قلبها على جسدها فأبدى هزلها جليًا. رأت بنتيها قد جهزتا الطعام، وقامتا بترتيب البيت على أكمل وجه، اجتمعوا حول المائدة في صمت كأنما الصدمة أثرت على حركتهم وألسنتهم جميعًا. سأل الأب فجأة كأنه تذكر الآن فقط أن المائدة ينقصها فرد: - أومال باسم فين؟ غصت وداد فجأة ما إن سمعت سؤاله، هل عليها أن تخبره بما حصل؟ بعد ما عاشوه هذه السويعات تخبره بموقف ابنه أيضًا! هذا كثير. ردت وهي تتطلع للطعام دون أن توليه نظرها: - عنده درس متأخر.. شوية وييجي. أومأ الأب مصدقًا، فلا سبب ليكون غير ذلك، هو أصلًا لا يعلم مواعيد دروس ابنه، وما دامت وداد تنقل له أخبارًا جيدة فكل الأمور تحت السيطرة والوضع على أتم خير. لكن ما لم يعلمه طوال سنوات عمره مع وداد أنها لا تنقل لها أخبار أبنائه إلا ما لا يغضبه، وتحاول بشتى الطرق أن تحل أزماتهم بحنكة وحكمة لم تكتسبها إلا من كثرة ما وقعت في المشاكل مع أولئك المشاغبين. زفرت بهم وهي تتابع طعامها الذي تمثل أنها تأكله. ______________ رتبت مكانًا قرب نافذة الغرفة، يتيح لها هدوءًا نسبيًا، هذا الهدوء الذي يمنحها شعورًا بالحرية التي تفتقدها داخل جدران هذا البيت. ألقت نظرة على الباب الذي توارت عنه خلف خزانة الملابس، قيمت المكان جيدًا قبل أن تشرع في فتح كراسة الرسم ذات الأوراق المقواة، وفتحت علبة بلاستيكية تحوي عددًا من أقلام الرصاص مختلفة الأشكال والاستخدام، ارتسمت دون وعي منها بسمة فوق شفاهها، تلك البسمة الشغوفة لما هي مقبلة عليه، لمس رأس القلم لُب الورقة برقة، وبدأ يخطو فوقها خطوات محسوبة ومدروسة ودقيقة، لم يمضِ من الوقت غير دقيقة حتى بدأ القلم ينافس نفسه، لا يفصله عن الورقة غير لمحة من عيني سُمية إلى صورة في هاتفها الخلوي، ثم تعود لتسمح للورقة بمعانقة قلمها، عناق من نوع خاص، يشبه عناق الأم لابنها المغترب لسنوات، أو للدقة، هذا حالها هي، عادت لتعانق الرسم بكل حب وشغف، لطالما حُرمت من ممارسة تلك الموهبة، ولطالما نامت مُنغصة القلب لرفض مستمر من أبيها. اليوم وبعد أن أشاد جمع كبير من زملائها على رسمها، بل وطلب واحد منهم أن ترسم خطيبته ليهدي الرسم لها كهدية، بل وبالسعر الذي تريده، الأمر الذي جعل الشغف والإصرار يسكناها ويتربعان داخل تجاويف عقلها وقلبها، ضاربة بكلمة أبيها ووعدها له عرض حوائط البيت كله، رغم صراع يدور بداخلها كلما لامس سن القلم ورقتها، كأنها تشعر بخيانة من نوع ما، لكن الشغف للرسم انتصر، والرغبة في الشهرة غلبت، والسعي للتميز قضى على كل شعور قد يكون حائلًا بينها وبين إتمام رسمتها. اندمجت في الرسم لدرجة لم تعد تشعر بالحياة من حولها، هي والرسمة فقط يتنفسان في هذا العالم. توقفت للحظات، تنظر لما أنجزت بعين الفخر بذاتها، تبتسم لما حققت من رسم أشبه بالطباعة، وضعت القلم جانبًا، والتقطت واحدًا آخر، بدأت تضع بعض لمسات تعلمها وتعرفها جيدًا، وألحقته بما قبله قبل أن تلتقط واحدًا ثالثًا، وأيضًا بضع لمسات على الخلفية جعلت الرسمة كما لو كانت حية: نظراتها، بسمتها، عيناها، خصلاتها البسيطة التي تظهر من حجابها، تلك الحسنة عند جانب وجهها، وحتى انحناء بسيط لكنه ملحوظ في طرف أنفها، وكأنه حادثًا قديمًا ما زال أثره عليها، لم تترك تفصيلًا بسيطًا إلا وأبرزته بكل عناية ودقة. مررت أناملها فوق الورقة بحذر، وبسمة احتلت عينيها جعلت من روحها ترنو بسعادة كما لو أنها حصلت على جائزة ما. التقطت قلمًا آخر، مخصص فقط لإمضائها، وبكل عناية وضعت اسمها منقوشًا بحرية وحيوية في جانب مناسب من رسمتها، ليضفي عليها جمالًا خالصًا خاصًا. كادت تغلق كراستها إلا أن صوت الباب يُفتح جعل التوتر يزحف إلى قلبها وهي تدفع الأقلام والكراسة إلى أسفل الخزانة، وقد سكن الفزع ملامحها وقلبها ولسانها! _____________________ منذ دخل بيت جدته لم يتحرك من مجلسه القريب من المدفأة الصغيرة في ركن الصالة، تقابله جدته الجلوس، حينًا تتحدث معه عن ماضي جده، وآخر عن أفعال أخواله، يضحكان بقلبين صافيين، لكن جزءًا من قلبه عكر لما آلت إليه أموره، لم يلحظ ما هو فيه إلا خالته التي تجيد قراءة العيون، بل وتجيد سكن القلوب. جلست معهما بعد أن أنهت ما عليها إنهاؤه، قالت بنبرة مرحة وهي تضرب باسم على فخذه بخفة: - والله منورنا يا باسم ومغير جو البيت علينا، ما بتجيش على طول ليه يا واد؟ - ثانوية بقا يا خالتي. - آه يا بني أنت هتقول لي؛ دي أيام الثانوي دي الواحد بياخد نفسه بالعافية، ربنا يعينك يا حبيبي وينجحك. نظر إليها بطرف عينه، قال بينما يبتسم ابتسامة جانبية فيها بعض حنق: - ينجحني! ما هو ممكن ينجحني بس بمجموع ما يطولش كلية، ادعي بضمير يا خالتي. ضحكت خالته وجدته لما قال، لتضربه جدته على مؤخرة رأسه قبل أن تقول وما زالت تضحك: - أهو ده اللي أنت فالح فيه: شقي وبراوي زي أخوالك. تنهدت قبل أن تقول بينما تستند إلى الأرض لتقوم: - أنا هروح بقا آخد دوايا، وأريح لي شوية، وأنت يا واد ما تمشيش قبل ما تتعشى معانا. ابتسم لها، ود لو يخبرها برغبته في المبيت، لكنه لم يجرؤ، فقد سبق وأخبرته أمه أن وجود ابنتي خالته بالبيت يحول دون مكوثه ببيت جدته، فهما قريبتين من عمره. أخرجته خالته من عمق شروده بسؤالها: - مالك بقا؟ أنا ما رضيتش أسألك قدام جدتك عشان ما أحسسهاش إن فيه حاجة، بس دخلتك علينا النهار ده مش طبيعية كده، فيها حاجة غلط، مش باسم اللي بيعمل دوشة وزيطة كده. حاول أن يبتسم، لكن شفتاه خانتاه حين سمحت لكلماته بالخروج فورًا دون تزيين: - أهلي بيعاملوني كأني عيل في ابتدائي، ما حدش مقتنع إني كبرت، ولا حد معترف إني المفروض يكون ليا كرامة قدام الناس أو يهتموا برأيي، أقول لك إيه ولا إيه يا خالتي بس! زمت شفتيها بحيرة قبل أن تسأل بروية وحكمة: - ويا ترى اللي جابك النهار ده نية هروب من البيت ولا فاصل زمني بسيط عن دوشة أفكارك؟ نظر إليها بجانب عينه، يشعر أنه فُضح أمامها، رد بنبرة مترددة: - الاتنين. - طب احكي لي، يمكن أقدر أفهم المشكلة فين، ولو حطينا إيدينا على المشكلة واعترفنا بيها هنحلها بسهولة جدًا. التقط شهيقًا طويلًا أخرجه على مهل مع حديثه، حكى لها ما حصل في درس الفيزياء، وما حدث بعده، وموقف أمه، كان كلما تكلم ازداد انفعاله، حتى انتهى من سرد الموقف، وتوقف يلهث كما لو كان يسير بخطى سريعة، زفر زفرة قوية كأنما يبتغي تفريغ ما بقلبه معها، لكن الأمر أصعب من ذلك. لم تشأ خالته أن تربت على كتفه حتى لا يظنها قد أشفقت عليه، ولم ترد أن تخبره أنه جعل الأمر أكبر من حجمه فيظنها تستهين بمشاعره، لطالما كانت حنان مثالًا للمرأة المتزنة في قولها وفعلها وحتى في نظرتها للأمور، خاصة وأنها قرأت من الكتب ما يكفي لجعلها سيدة مجتمع مثالية، بل يهيئها لأن تكون امرأة بمجتمع كامل من العلم والثقافة والتدين. فكرت قليلًا قبل أن تقول بنبرة خفيضة وعيناها تنظران لشيء مجهول في الأرضية أمامها: - عارف يا باسم؟ أنا أحيان كتير بزعق في ملك ومريم من غير سبب، ممكن مثلا عشان مريم قلعت الجاكيت في الصالة أو ملك سابت نور الأوضة مفتوح، بس لما بزعق في واحدة فيهم مش بيكون تقليل منها أو كره ليها أو استصغار، بس بكون مضغوطة طول اليوم، والغلط اللي عملته واحدة فيهم بيكون هو المتنفس اللي بخرج فيه ضغط اليوم، يقوم تيجي فيهم. بس عارف إيه أحسن حاجة فيهم؟ كان قد ولاها كامل تركيزه واهتمامه، حتى إذا ما سألت سؤالها أومأ برأسه متسائلًا، تابعت تجيب على نفسها: - إنهم فاهمين مشكلتي، مش بيثوروا ولا بيغضبوا، هما بس بيعدلوا الحاجة اللي مضايقاني ويحاولوا يتلاشوا غضبي باقي اليوم، وده بيخليني أكون ممتنة ليهم لأنهم سابوا لي مساحة لغضبي المكتوم يخرج، وكمان لأنهم ما بيحاولوش يزودوا الضغط عليا، وأول ما يشوفوني هديت ورجعت لطبيعتي بيتعاملوا معايا كأن ما فيش حاجة حصلت خالص، وده بيجبرني أعتذر لهم على غضبي عليهم أو على أي حاجة حصلت مني وقت ضيقي. رسمت ابتسامة عريضة وهي تسأله من جديد كأنما تستحضر عقله وتنبه قلبه: - عارف بعتذر ليه رغم إنهم بيكونوا غلطانين؟ - ليه؟ سأل بتلهف للإجابة، ولم تبخل عليه بسرعة الرد: - عشان ما كبروش المشكلة، بالعكس واجهوها، وامتصوا غضبي عليهم بهدوء، وحتى لما هديت تعاملوا معايا كأن الغضب من حقي، وفي المقابل أنا بعتذر، عشان ببساطة هما قدَّروا ضغوطي. زم شفتيه ونظر أمامه، كأنما يزن كلامها داخل عقله، قال بعد فترة صمت: - ماما شايلة كتير فوق راسها، حتى ما بتقولش لبابا على مشاكلنا عشان ما يعاقبناش عقاب وحش بالضرب والشتم. - ده بالظبط اللي عايزاك تفهمه يا باسم، الأم بالأخص بتبقى شايلة حمل كبير، ومن وقت للتاني الضغط بيخليها تتصرف تصرفات ما تقصدهاش، أو تيجي على أولادها في لحظة ضيق، مش كره ليهم، بس مش قدامها غيرهم، لكن لما تهدى بتعوض. صمت مجددًا، تنهد قبل أن يقرر بهدوء غريب عليه: - أنا هروح بقا، زمان بابا رجع البيت وهيسأل عليا. - لو حابب تبات هتصل بيهم و... - لا يا خالتي، هروح أفضل، عندي دروس أصلا لازم أذاكرها وما عيش الكتب. - ربنا يوفقك يا حبيبي. صافحها بود، وغادر متجهًا لبيته، داخله يتضارب، والكثير من المواقف تحضره في تلك الأثناء، إذ يحمل بقلبه بعض ضغينة على أبيه المنغمس في عمله دون مراعاة لهم، ويوم يلتفت إليهم يكون بالضرب أو السب لأخطاء ارتكبوها، أما أمه فمسئولياتها أكبر من أن يضع عليها عبء الذنب، فحقًا أي منهم جميعًا ستسعى خلف رضاه! نفض عقله حين وصل إلى باب العمارة، ودخل يجر مع قدميه ضيقًا يعرف سببه، لكن لا يعرف له حلًا، فقط سيترك كل الأمر للوقت، وهو كفيل بكل شيء. طرق الباب ففتحته والدته، وما إن رأته اختلطت المشاعر والتعابير داخل عينيها: عتاب، واطمئنان، وحب، قرأ كل ذلك في نظرة واحدة، لكنه تجاهل الأمر برمته، ودخل ليصطدم بعيني والده الجالس أمام شاشة التلفاز يتابع نشرة الأخبار، ويحتسي كوب شايه المسائي، سأل دون اكتراث كأنه يقوم بواجبه لا أكثر: - كنت فين لحد دلوقتي؟ - رحت لتيتا شوية. أومأ وهو يتابع النشرة دون أي إضافة، فألقى نظرة على أمه التي نفت برأسها وعينها، تطمئنه أنها لم تخبره بشيء، والغريب أنه لأول مرة لم يهتم، علم والده أو لم يعلم ما عاد يهمه. دخل مباشرة إلى غرفته وأخيه أحمد، وجد أحمد يجلس في ركن فراشه يستذكر دروسه، لم ينظر تجاهه أو يرفع عينيه عن كتبه، فدخل باسم يبدل ثيابه بصمت تام، الصمت الذي أجبر أحمد على رفع رأسه عن أوراقه، قال بحاجب مرفوع: - لا أسكت الله لك حسًا يا أخ باسم! نظر إليه بطرف عينه، ثم أشاح بوجهه يتابع ما يفعل، عقد أحمد ما بين حاجبيه متعجبًا، سأل بفضول: - مالك يا باسم؟ حد مضايقك؟ - لأ، بس فيه درس في الفيزيا ما فهمتوش من الدرس ولا المدرسة. - سهلة يا بني، روح لسمية هتشرح لك، أنت عارف إن روحها في الرياضة والفيزيا.. وبعدين تعالى هنا! من إمتى بتتضايق عشان دروس المدرسة؟ أنت متأكد ما فيش حاجة تانية؟ زفر باسم بضيق، وقال بانفعال: - ما تخليك في كتبك أحسن، شاغل دماغك بيا ليه! يوه! أنهى قوله مع سحبه كتب الفيزياء ومغادرته الغرفة، تاركًا خلفه أحمد مبتسمًا وهو يقول في سره: أهو ده باسم اللي أعرفه، مش الصامت العاقل! بينما اتجه باسم إلى غرفة البنات، وقبل أن يطرق الباب أتاه صوت أسماء الخارجة من المطبخ، تسأل باهتمام: - تشرب معانا نسكافيه؟ - ياريت، بس بتعملي لمين؟ - أنا وهدى، هنشربه في البلكونة. هتيجي؟ - لأ، ابقي هاتيه هنا، هخلي سمية تذاكر لي فيزيا، واعملي لها معايا. زمت شفتيها بضيق، قالت باعتراض: - أعمل لك أنت آه، هي لأ، لو عايزة تقوم تعمل لنفسها يا خويا، دي ما بتساعدش حد ولا بتعمل حاجة لحد، ومش هترضى تشرح لك أصلًا، من إمتى الكوباية المكسورة بتسقي ميه! ضحك لجملتها الأخيرة، وقال بينما يفتح الباب غافلًا عن طرقه: - أنتِ مشكلة. دخل الغرفة ليرى أمارات الفزع والتوتر على ملامح سمية التي ألقت بشيء ما أسفل الخزانة، وما إن اطمأنت أنه هو الذي أمامها، تنهدت بعمق، وقالت بصوت خفيض غاضب: - أنت ما بتخبطش على الزفت ليه؟ وقعت قلبي. أغلق الباب ببطء وهو عاقد الحاجبين، سأل باهتمام: - أنتِ كنتِ بتعملي إيه مخوفك كده؟ - هعمل إيه يعني! كنت بذاكر، بس اتخضيت لما فتحت الباب فجأة. - فجأة إيه يا سمية، أنا وأسماء بقالنا ساعة بنتكلم قدام الباب، وصوتنا واصل الجيران، مش معقولة ما سمعتيش. ألقى نظرة تجاه الخزانة، ثم تابع مشيرًا برأسه إلى أسفلها وهو يسأل: - وإيه اللي رميتيه تحت الدولاب ده؟ توترت، وفركت يديها معًا قبل أن تجيبه بتردد: - هقول لك، بس والله لو قلت لبابا يبقى آخر كلام بيننا. عقد بين حاجبيه، ورد باستفزاز: - وهتفرق إيه يعني آخر كلام ولا أول كلام! لوت شفتيها ضيقًا منه، وقالت بنبرة خفيضة: - دي رسمة برسمها لواحد معايا في الكورس، طلب أرسم خطيبته، وهيشتري الرسمة. تبدلت تعابير وجهه للذهول، قال وهو يجلس إلى فراشها: - هتبقي مشهورة يعني؟ طب ده أنا أفرح لك يعني. زفرت أنفاسًا مطمئنة، لا يبدو عليه غدرًا، سألت وهي تقابله الجلوس: - عايز إيه بقا؟ - لو خلصتِ عايزك تشرحي لي درس فيزيا، ولو لسه ما خلصتيش هستناكِ، يعني عشان لو حد دخل علينا نداري الموضوع في إنك بتذاكري لي. نظرت إليه بطرف عينها، لم تقرأ على ملامحه سوى الجدية، سألت بحذر: - أنت كويس يا بني؟ مش مرتاحة لأسلوبك. - هتشرحي لي ولا أقوم أنام؟ قالها انفعال، فأشارت بيدها مع قولها: - خلاص خلاص، يلا هشرح لك وأمري لله. - لا يا ختي أنتِ مش بتمني عليا، أنتِ هتشرحي لي وأنا هداري عليكِ. ضحكت قائلة: - أهو ده باسم اللي أعرفه. ضحك بدوره قبل أن تشرع في شرح الدرس له، وبدوره فهمه جيدًا، تنهد ما إن انتهيا ليقول مبتسمًا: - أي وقت عايزة ترسمي عرفيني وهاجي لك بالكتب كأنك بتذاكري لي. - وده من إيه إن شاء الله! - تصدقي أنتِ المعروف ما ينفعش معاكِ. - أكيد فيه مقابل يعني. - هو أنتِ فاكرة كل الناس زيك يا بنتي؟ مصلحجية! وبعدين وريني الرسمة، عايز أشوفها وأقيمها. حدجته بطرف عينها رافعة حاجبًا قبل أن تتحرك لتأتي برسمتها قائلة: - حوش يا بني، أصلك فالح أوي وهتفهم في الرسم. - بدأنا نشوف نفسنا على الخلق أهو. ضحكا سويًا ليبدأ بينهما عهد جديد بمعاملة جديدة، وكأن الموقف الذي جمعهما الآن ربط بينهما بشكل ما، ليصبحا في بيت لم يشهد إلا وحدة تبتلع كل فرد في عالم يخصه. اثنان قررا الاتحاد والعيش في فريق يكمل بعضه بعضًا. لكن أيهما لم يحسب حسابًا لأن يكون حديثهما قد تسرب من زوايا الباب المغلق عليهما، لتشهد عليه أذنا مَن لا يرنو لسلام بهذا البيت، ابتسامة خبيثة علت شفاهًا قررت ألا تصمت عما سمعت، وأن تكون هي مشعلة النار في هذا البيت. ________يتبع__________ ظلال الخطيئه الفصل الثالث حدود السر حرارة الشمس لا تكون حارقة في مثل هذا التوقيت من الشتاء، لكنها فعلت اليوم، والعرق يتصبب من جبين أحمد، بل ومن جسده بالكامل، يقف كل فترة وأخرى ليُريح ظهره الذي تعب من هذا العمل الشاق، نظر لساعة هاتفه فإذا بها تشير للثانية عشرة والنصف، ما زال هناك نصف ساعة قبل أن ينتهي عمله. تابع من جديد وفي نفسه إرادة أقوى من تعب جسده المهلَك. صوت صاحب الأرض ينادي: - خلاص يا شباب، يلا على العربية عشان توصلكوا، بكره في نفس المعاد عشان نخلص من التحشيش ده بقا. خرج كل واحد يجر قدميه تعبًا، يمسحون عرق وجوههم في ثيابهم، هناك أحاديث بين كل مجموعة منهم، بينما سار هو وحيدًا تجاه السيارة التي ستوصل العمال إلى مفترق الطرق عند أول البلدة، والذي يقرب بيته. طرق الباب وجفنيه ينسدلان تعبًا، فتحت والدته لتقول بشفقة: - يا بني وليه المرمطة دي! ده أنت باين عليك الهلكة يا حبيبي. - الكلية مش هتدفع فلوس المشروع يا ماما، مضطر. أخرج من جيبه المال الذي جناه اليوم، أعطاه لأمه قائلًا: - حطيهم مع فلوس امبارح، باقي وردية هطلعها بعد نص ساعة، يدوب أغير هدومي وآكل لقمة. ربتت على كتفه قبل أن يتحرك من أمامها، بينما تدعو هي له بالتوفيق والسداد وصلاح الحال. ولجت مسرعة إلى المطبخ، وضعت المال على الطاولة حتى تعد له طعامًا يسنده. ولج إلى المطبخ، وجلس إلى الأرض ينتظر أن تضع والدته الطعام أمامه. قالت وهي تقدمه له: - كل يا حبيبي بألف هنا وشفا. لم يرد لصدوح صوت هاتفه، أخرجه من جيبه ليجد اسم فاتن يحتل شاشته، توتر للحظة، لكنه رد بسرعة، ليأتيه صوتها المتذبذب: - ازيك يا أحمد؟ عامل إيه؟ - الحمد لله، الحمد لله كويس. - قلت أسأل عليك، ده تاني يوم تغيبه من الكلية، لعل المانع خير. ابتسامة شقت وجهه دون أن ينتبه، لكن تلك الجالسة إلى جواره لم يفتها تبدل ملامحه ولا توتره، رد بنبرة رخيمة: - أنا بخير، متشكر أوي لسؤالك، ظرف بس وإن شاء الله هاجي الكلية بكره. فيه جديد بخصوص المشروع؟ - احنا لمينا الفلوس بس ودفعناها، المواد اللي هنحتاجها هتيجي بكره، أكيد جاي عشان نبدأ نشتغل سوا. اختفت ابتسامته قبل أن يسأل بتوجس: - لميتوا ودفعتوا فلوس المواد! إزاي؟ أنا لسه ما دفعتش. هي الفلوس معايا بس.. بس يعني الظرف اللي حصل ده منعني آجي الكلية، لكن، لكن أنا جاي بكره أكيد إن شاء الله. كملتوا فلوس المواد إزاي؟ صمتت لثانية قبل أن ترد بهدوء: - أنا دفعتهم. - إزاي يعني؟ وليه تعملي كده؟ أنا كنت هدفعهم، بس... رد بانفعال لتقاطع حديثه بقولها: - بكره لما تيجي نتحاسب يا أحمد، فيه إيه؟ ما هو مشروعنا كلنا، هنروح من بعض فين؟ وبعدين الشباب راحوا حجزوا المواد وأنت ما كنتش موجود، وأنا المبلغ كان معايا عادي، دفعنا ولما تيجي ردهم يا سيدي. ولا أنت لو مكاني مش هتعمل كده؟ قالت آخر قولها لتقطع عليه أي سبيل لتفكير سلبي قد يطرأ على عقله، رد متحرجًا: - متشكر أوي، وأكيد طبعًا هعمل كده، خلاص بكره نتجمع إن شاء الله ونبدأ شغل، وأديكِ فلوسك، ومتشكر مرة تانية، بس أنا قلت مش هيستعجلوا عشان كده ما كلمتش حد وبعتت الفلوس بدري. - بسيطة يا أحمد، احنا مع بعض مش هنروح بعيد، في انتظارك بكره. أنهى الاتصال وأطلق العنان لتنهيد أثقل صدره، قال بضيق بين على ملامحه: - زميلتي دفعت لي فلوس مواد المشروع، لازم أروح بكره الكلية عشان نشتغل. نظر لساعة يده ثم تحرك منتفضًا: - يدوب ألحق عربية العمال. تحرك مسرعًا، لكن والدته كانت أسرع وهي تلف بعض الساندويتشات من أجله، وضعتهم في كيس بلاستيكي وخرجت خلفه تقول: - خد دول معاك، أنت ما كلتش كويس. - هما كده كده هيغدونا يا ماما. - خليهم بس معاك، ما تضمنش الظروف. ابتسم بحب لها، ومال يقبل كفيها قبل أن يلتقط الكيس من يدها ويذهب مسرعًا. تنهدت وهي تدعو له بالرزق الوفير وصلاح الحال، أغلقت الباب، وما إن التفتت حتى رأت باسم يقف أمام الغرفة يستند إلى الحائط بكتفه، يقول ساخرًا: - اللي يشوفك وأنتِ بتعاملي أحمد يقول عليه الواد الحيلة! لم ينتظر ردها، وذهب في طريقه إلى دورة المياه، يحمل في داخله بعض عتاب على أمه وتفرقتها بينهم، لا يدري ما الشيء المميز في أحمد! ربما لكونه شاب مجتهد في دراسته، صوته خفيض دائمًا، لا يتحدث كثيرًا، حضوره باهت، يصلح تمامًا ليكون فتاة خجولة وعلى خلق! أما هو فهو الشاب المشاغب، لا يمر يوم إلا بمصيبة تقريبًا، لكنه يكاد يقسم أن المصائب هي التي تلحق به! ليس سيئًا في دراسته، لكنه ليس بجيد أيضًا، مقارنة بشباب جيله فهو يصنف ضمن الملتزمين بشغب! كانت ضجة المقارنة بينه وبين أخيه تضج داخل رأسه، هو لا يحقد عليه، لكنه يبغض قربه من أمه عنه، خاصة تلك الجلسات التي يكتفيان بنفسيهما فيها، ويتحدثان بصوت لا يسمعه حتى المار بجانبهما، كأن أسرارًا عظيمة بينهما، أو كأنها تواري شيئًا ما يخصه عن أهل البيت! مرت الساعات سريعة، وعاد أحمد بأجر آخر عمل في هذين اليومين، جلس مع أمه في المطبخ بعد أن أخذ حمامًا دافئًا، قالت وهي تعطيه مبلغًا من المال: - خد دول، أنا قبضت الجمعية بدري يومين، استعجلنا الناس وقضيت الحمد لله، ودول فلوس اليوميات بتاعتك، شوف كده المبلغ يكفي ولا إيه. نظر ليدها الممدودة بالمال، ثم تلاقت عيناه بعينيها تحملان امتنانًا وعرفانًا كبيرًا، كانت نظرته لها أبلغ من ألف كلمة شكر، خاصة حين ترقرقت دمعة على جفنيه، التقطتها بإصبعها قبل أن تضربه بخفة على خده قائلة: - إياك أشوف لك دمعة، أنت ابني ولا ابن الجيران يا ولا، ما طبيعي نقف جنب بعض، ولا أنت ناوي لما تشتغل بعد التخرج تخلى بينا ولا إيه يا بن وداد؟ ضحك لجملتها وهو يلتقط المال من يدها، وقطع على نفسه وعدًا أن يتكفل بشراء غسالة لها في القريب العاجل، فقط لينتهي من المشروع خاصته، ربتت على قدمه برضا وهي تؤكد أن نجاحه هو فرحتها وراحتها. بدأ يرتب المال، ويعده، وتفاجأ في النهاية أنه لن يكفي، كانت صدمة طاحنة لصدره، نظر إلى أمه بقلة حيلة، وقال بضيق جم: - مش هينفع أغيب عن الكلية يوم تاني، المعدات والأدوات جاية بكره، وهنشتغل على المشروع ومش هيبقى فيه وقت خالص. يا الله! قالت وهي تربت على فخذه: - هتتدبر يا حبيبي، ما تشيلش هم. كانت تطمئنه بينما لا تدري من أين لها بتدبير هذا المال، ولا يعلم أيهما أن هناك من مرت من أمام المطبخ وقد وصلها حديثهما ورأت اضطرابهما وتوترهما، نظرت للمال الذي قبضته نظير رسمتها، ورفعت رأسها إلى باب المطبخ، وقد اتخذت قرارها، انتظرت في صالة البيت حتى رأت أحمد يدخل غرفته، اتجهت إلى المطبخ، قالت بنبرة خفيضة: - بقول لك يا ماما، أنا كنت داخلة أوضتي، سمعتك أنتِ وأحمد بتتكلموا، والله مش أقصد، هو أحمد محتاج فلوس؟ أشارت بسبابتها على فمها، قالت بصوت منخفض: - وطي صوتك، هو مزنوق في فلوس عشان يجيب حاجة للكلية، بس أنا اديته الجمعية خلاص. مدت يدها في جيب مئزرها، أخرجت المال منه وقدمته لها قائلة: - طب خدي دول اديهم له. - منين الفلوس دي يا بت؟ قالتها وهي تضرب صدرها، لكن سمية قالت بسرعة: - الرسمة يا ماما، مش فاكرة لما قلت لك حد شاف رسمي وطلب أرسم له رسمة بتمنها؟ - أنتِ بتتكلمي جد؟ يعني الرسم ده بيتباع؟ ضحكت بخفة وهي ترد عليها: - آه يا ماما، ده فيه معارض بيتباع فيها لوح الرسم بملايين، انتوا بس اللي مش مقدرين النعمة اللي في بيتكوا. ضربت كتفها بخفة وهي تضحك معها قائلة: - أهو لسانك ده اللي جايبك ورا. أعطتها المال، لكنها أكدت عليها ألا تخبره شيئًا عن الرسم، أكدت أنها ستتصرف في الأمر، وقبل أن تخرج سمية من المطبخ قالت وداد ببسمة راضية: - ربنا يفك كربك زي ما عملتِ لأخوكِ يا بنتي. ابتسمت سمية دون أن تلتفت، واتجهت لغرفتها تشعر برضا كبير عما فعلت، فرجت عن أحمد كربة، وصلحت علاقتها وباسم، هناك رضا كبير في قلبها يُشعرها براحة كبيرة تغمرها، وقعت عيناها على حقيبة في ركن الغرفة، إنها حقيبة أدوات الرسم خاصتها، لمعت عيناها من جديد، وانتقلت نظراتها إلى الهاتف الموضوع فوق الفراش، وفي داخلها قرار متهور، سيقلب حياتها رأسًا على عقب إن علم والدها عنه شيئًا، لكنها ستخاطر، فلا سبيل أمامها غيره، وليحدث ما يحدث، المهم أن ترضي رغبتها، وتشعر بنشوة امتلاك المال وقدرتها على التحكم فيه. _____________________ دخلت الغرفة ترجو خلوة مع نفسها، منذ أيام وهي تحاول أن تختلي بعقلها وقلبها، لكن البيت يضج دائمًا بالحركة والأصوات. هذه الليلة ستكون مختلفة بعض الشيء، فهي ليلة الخميس، والغد إجازة رسمية، والدها يتناول غداءه وينزل ليتقابل مع أصدقائه إلى منتصف الليل تقريبًا، وأحمد يختلي بغرفته كعادة يومية لا إجازة منها، أما باسم وسمية وأسماء وهدى ووالدتها يختارون فيلمًا لمشاهدته كسهرة لطيفة خفيفة مع تناول بعض النقانق. كانت تشاركهم دومًا، لكن اليوم هي بحاجة لشيء آخر. فتحت شرفة الغرفة، نظرت إلى السماء الغائمة بعض الشيء، الغروب يبتلع الشمس شيئًا فشيئًا، وأشعتها المائلة للبرتقالي تُضفي على هذه اللوحة البديعة مظهرًا يسحبك قسرًا للتأمل والتفكر. أخذت نفسًا عميقًا تملأ رئتيها بعبق رائحة الشتاء الذي تفضله، أخرجته على مهل وهي تسحب مقعدًا خشبيًا لتجلس مقابل السماء، وضعت كوب الشاي خاصتها فوق عتبة الشرفة، وربعت يديها فوق صدرها لتستحضر مشهدًا قلب فكرها كليًا. ذلك اليوم الذي كانت عائدة من أحد دروسها، كانت تشعر طوال الطريق بدوار عجيب، وبرد لا يصيب إلا أطرافها، كانت تضغط على أسنانها بقسوة كأنها تمنع فمها من أن ينفرج دون إرادتها، مست البرودة قلبها، وشعرها كان ينتفض من أسفل حجابها كأن ماسًا كهربيًا يضربها كل حين. تحاملت على نفسها، وجرت قدميها إلى أن قاربت على الوصول إلى بيتها، لكنها تجمدت حيث هي وصوت الشيخ أحمد العجمي يصفع أذنها بقراءته آية شعرت وكأنها تنبهها، تناديها، تُفزعها! انتبهت لصوته الصاخب وهو يكررها مرة أخرى كأنما يؤكد عليها: "وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19]" هل حان وقتها؟ هل تحتضر؟ تشعر بانسحاب روحها ببطء، البرودة تزداد في جسدها، الدوار يكاد يتمكن من عقلها فيسلبها الوعي. وفي لحظة وقبل أن تتمكن من الاستناد على أي حائط مما حولها التقطت الأرض سقوطها، لم تشعر بما حولها لوقت من الزمن، ثم بدأت تنتبه للأصوات المختلطة حولها، لكن عينيها لا تستجيبان، فقدت الشعور بالألم، وكل ما تشعر به هو الفراغ الكبير، فراغ عميق يبتلعها، كأنها تسقط من مبنى عالٍ. كل ما يسيطر عليها هو الخوف، لا من الموت، بل من فقد فرصة الحياة كما أرادها ربها. انتبهت من دوامتها على صوت أسماء تقول بقلق: - بت يا هدى! مالك مسهمة كده ليه؟ تفاجأت من تواجد أسماء بالغرفة، فهي لم تسمع الباب يُفتح، ولم تشعر بخطواتها كذلك، تنحنحت قبل أن تلتقط كوب الشاي الذي برد، وتحتسي نصفه في مرة واحدة قبل أن ترد بتوتر: - ما فيش، كنت سرحانة. - سرحانة إيه يا بنتي! احنا نادينا عليكِ ولا مية مرة، ودخلت عليكِ وأنتِ مش هنا، وكلمتك وناديتك وأنتِ ولا هنا برضو. بت إوعي تكوني بتنامي وأنتِ مفتحة عينك، وربنا ما أخليكِ تنامي معايا على السرير تاني، أنا بخاف. ابتسمت لها هدى بتكلف، ردت باستفزاز مصطنع: - كنت سامعة كل حاجة بس مش عايزة أقطع تفكيري. - رخمة وباردة. قومي يا أختي الفيلم هيبدأ. - لأ مش هسمع معاكوا النهار ده، عايزة أنام. عقدت أسماء ما بين حاجبيها، سألت وهي تطالعها بطرف عينها: - هتنامي بدري كده؟! دي لسه العشا ما أذنتش حتى. - لا ما أنا هستنى لما العشا تأذن، وهصلي وبعدين أنام. رفعت أسماء حاجبًا بتشكيك في أمر أختها، لكنها لم تقل شيئًا آخر، بل غادرت الغرفة بصمت كأنها لم تدخلها. عادت هدى تنظر للسماء التي غشيتها الظلمة، وزينتها النجوم، تنهدت قبل أن تقول في نفسها: ما بقاش ينفع تقصير تاني، كفاية إن ربنا فضله كان كبير عليا لما اداني فرصة تانية أعيش، لازم أفوق لنفسي بقى. تحركت من مكانها لتتوضأ، وعادت للغرفة تتلو ما تيسر من القرآن قبل العشاء، لتكون نيتها الواضحة والصريحة من هذه الليل أن تكون أقرب إلى الله، وتحافظ على وقتها، وتسعى بجد لأن تكون كما يملي عليها الدين، لا كما تجرها إليه الحياة. ______________ غرقت الغرفة في ظلام دامس إلا من خيط نور رفيع يتهادى من فتحة الباب، كأنه يطل على تلك النائمة بسبات عميق وكله استحياء، ما زالت الأم وبناتها رفقة باسم أمام شاشة التلفاز، مشدودين لنهاية الفيلم، قالت سمية ما إن انسدل ظلام على الشاشة يعلن انتهاء الفيلم: - أنا هروح أنام بقا، من نص الفيلم وأنا عيني بتغمض بس من جماله مش قادرة أسيبه. - وأنا كمان. قالتها أسماء مما جعل التوتر يزحف إلى تحركات سمية، فقد تمنت لو أكملت أسماء متابعة التلفاز كما كل مرة حتى تتمكن هي من إنهاء رسمتها الجديدة، لكن أمنيتها ذابت في كأس الخيبة. ابتلعت ريقًا متوترًا، لكنها منت قلبها أن أسماء قد تغط في النوم بسرعة، وهذا سيتيح لها وقتًا لترسم، ما زال هناك أمل. ولجتا لغرفتهما، وقبل أن تبدأ سمية تمثيلية النوم خاصتها قالت أسماء بنبرة خفيضة لكنها لئيمة: - أنا عايزاكِ تشتري لي شوية حاجات كده. التفتت في نومتها تنظر تجاه أسماء بتساؤل قلق، طالعتها أسماء بجانب عينها، ثم قالت بعد أن رسمت بسمة انتصار مقدم: - عندك مانع؟ - مش فاهمة قصدك! أشتري لك يعني إيه؟ معاكِ فلوس وعايزاني أجيب لك وأنا راجعة من الكورسات؟ بسمة استخفاف هذه المرة علت وجه أسماء كله، ردت بنبرة واثقة: - وأنا معايا فلوس منين يا ختي؟ البركة فيكِ وفي شغلك الجديد. - شـ شغلي! اعتدلت جالسة قبل أن تقول بثبات: - أنا عارفة كل حاجة، وعارفة إنك رجعتِ ترسمي في السر، وإنك بتبيعي الرسوم دي. أظن سكوتي لازم يكون له تمن. اتسعت عينا سمية من تلك الوقاحة الصريحة من أختها، تعلم كم أن أسماء مستغلة، ولئيمة، لكن ليس لهذه الدرجة! قالت وهي تطالعها بضيق: - هو ده أسلوب تطلبي بيه حاجة؟ بتهدديني يا أسماء؟ بتلوي دراعي! - والله كل شيخ وله طريقة يا ست الفنانة. اشتري سكوتي، وأوعدك إن طلباتي ما تكونش غالية أوي. قالتها باستفزاز مما جعل سمية تنفجر فيها غضبًا: - أنتِ واحدة استغلالية ومستفزة، ومش عايزة أقول أسلوبك ده وصفه إيه لأن الوصف أحقر من إني أقوله. - وأنتِ بقا فاكرة نفسك إيه يا ست سمية؟ شيخة ولا مصلحة اجتماعية! ده أنتِ بترسمي في الضلمة عشان أبوكِ ما يعرفش ويبهدلك، وبتبيعي رسمك زي أي سلعة عادي، وبتصرفي وتشبرقي على نفسك، ما لناش من الحب جانب ليه بقا إن شاء الله! ولا هو عشان بتعرفي ترسمي واحنا لأ! والله اللي عنده حاجة زيادة يفرق منها على الباقي، ده اللي أعرفه، إنما اللي أنتِ بتعمليه اسمه طمع وأنانية. زادت نظراتهما حدة لبعضهما، في حين اعتدلت هدى وقامت تفتح نور الغرفة، نظرت لهما بقلة حيلة، قالت بضيق: - احنا مش هنخلص من نقاركم كل يوم؟ ثم قالت موجهة حديثها لأسماء: - أسلوبك وحش على فكرة. - خلينا لك الأسلوب الحلو يا ست الحلوة، والله أنا مش طالبة أكتر من حقي، زي ما خدت من بابا فلوس على أساس إنها فلوس الكورسات واشترت حاجة الرسم توزع بقا زي الشاطرة. علت نبرة الحوار بين سمية وأسماء حتى دخلت أمهن مسرعة ترى ما يحدث، سألت بتعجب من مواجهتهن: - انتوا داخلين تناموا ولا تتخانقوا؟ فيه إيه؟ قالت سمية وقد لمعت الدموع في عينيها: - بنتك بتهددني لو ما ادتهاش فلوس من اللي بكسبها من الرسم هتقول لبابا. صُدِمت الأم مما سمعت، فدخلت إلى الغرفة بسرعة وأغلقت الباب خلفها، قالت بنبرة خفيضة: - أنتِ اتجننتِ يا أسماء! إيه الكلام ده؟ - ما أنتِ كمان ما تعرفيش يا ماما إن الست سمية بتاخد فلوس الكورسات من بابا بزيادة، عشان تروح تشتري حاجات للرسم. وأنا ما برضاش أطلب من بابا جنيه زيادة عشان المصاريف كتير، وساكتة عن دي كمان، ليه بقا الظلم ده! ألقت الأم نظرة غاضبة تجاه سمية التي ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تبرر: - والله يا ماما أنا كنت ناوية... - ولا كلمة. قالتها أمها بغضب جم، ثم تابعت وهي توجه نظراتها لهن جميعًا: - كل واحدة على سريرها ومش عايزة أسمع كلام في الموضوع ده تاني، احنا عايشين أعداء في البيت وكل واحد شايل للتاني! دي مش عيشة بني آدميين. ردت أسماء بحقد بالغ: - آه طبعًا، وكده الموضوع هيبقى خلص خلاص، وأنا الشريرة اللي في البيت، وسمية هتكمل رسم عادي وتبيع رسوماتها، وأكيد هتسكتي يا ماما عشان هي بتديكِ فلوس لأحمد في السر، وأحمد هو اللي على الحِجر، وطلباته لازم تبقى مجابة. صفعة دوى صوتها في الغرفة كانت من نصيب وجنة أسماء، وقبل أن يستوعب أي ممن بالغرفة ما حدث كان باب الغُرفة قد أصدر صريرًا ينم عن فتحه من قبل شخص لم يتوقع أيهن قدومه في تلك الدقائق المتوترة، ظهر من أمام الباب كظل ثقيل، واختنق الجو بهم لحظات، حتى يظن من يراهن على هذه الحال أنهن قد تعرضن للتجمد. انحبست أنفاسهن، وتدلت من بين شفتي هدى سؤالًا قلقًا إلى أمها: - هو سمع؟! _____يتبع______