الفصل 12
كان الصباح في الفيلا مختلفًا عن كل صباح.
الهدوء الذي اعتادت عليه العائلة اختفى، وكأن كل حجر وكل ظل في المكان يحمل سرًا جديدًا.
في المطبخ، وقفت وسن أمام النافذة، تمسك كوب القهوة بلا تفكير، عيونها شاخصة في الخارج وكأنها تبحث عن إجابة في الخطوط البعيدة لأفق المدينة.
صوت خطوات سراج على الأرضية الخشبية أتى كأمواج مزعجة لكبح صمتها.
قال سراج مبتسمًا بخفة:
"صباح الخير."
ردت بصوت هادئ:
"صباح النور."
لاحظ سراج على الفور أن هناك شيء غير طبيعي فيها، وعيناه تلاحقان كل حركة صغيرة. اقترب أكثر:
"وش فيك؟ من أمس وأنت ساكته."
تنهدت وسن، وعيناها لم تفارق الأرض:
"لو عرفت إنك مو من العائلة اللي ربتك… وش بتسوي؟"
رفع سراج حاجبه مستغربًا:
"سؤال غريب."
قالت بصوت منخفض، وكأنها تخاف أن يسمعها أحد:
"جاوب بس."
فكر سراج لحظة، ثم قال بهدوء:
"بقول… إنهم أهلي برضه."
نظرت له مباشرة، وعيناها تحملان شكًا وحيرة:
"حتى لو ما كان بينكم دم؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة، كما لو كان يحاول تهدئة قلبها:
"الدم مو كل شيء."
ساد صمت لحظة، ثم أضاف:
"ليش تسألين؟"
نزلت عينيها قليلًا، بصوت خافت:
"بس… كنت أفكر."
سراج شعر بأن هناك شيء أكبر يختبئ خلف كلماتها، فقال بنبرة أهدأ:
"وسن… لو فيه شيء مضايقك، قولي لي."
رفعت نظرها له، وابتسامة صغيرة زُرعت لأول مرة منذ أيام، شعور بالراحة بدأ يملأ قلبها.
في الجهة الأخرى من الفيلا، كانت ديم في مكتبها، تتفحص ملفات قديمة بعناية شديدة.
دخل كنان وهو يحمل ملفًا آخر، خطواته خفيفة لكنه واثقة، وعيناه تلمعان بالتركيز.
قال:
"لقيت شيء ممكن يهمك."
رفعت عيونها نحوه:
"وش هو؟"
فتح الملف وحطه أمامها، وبدأت ديم تقرأ بسرعة، عينها تتحرك بين السطور بعناية. توقفت فجأة، وملامحها تغيرت.
قالت ببطء:
"هذا عقد تحويل الأرض."
قال كنان:
"شوفي التاريخ."
نظرت مرة ثانية، ثم قالت بصوت منخفض:
"التاريخ قبل وفاة أبوكم بثلاث أيام…"
أومأ كنان، وقال:
"لكن أبوي كان وقتها في المستشفى وما يقدر يوقع."
رفعت عيونها له، وقالت ببطء:
"يعني التزوير صار قبل ما يموت."
اقترب كنان أكثر، همس بنبرة منخفضة:
"السؤال… مين اللي سواه؟"
وقبل أن تكمل ديم كلامها، انفتح الباب فجأة، ودخلت مشاعل بخطوات ثابتة، عيونها باردة وثابتة، وكأنها تراقب كل شيء عن كثب.
قالت بابتسامة نصف ماكرة:
"واضح إنكم مستمتعين بالتحقيق بدوني."
سكتوا الاثنين، ديم ترد بهدوء:
"ما كنا نحقق… بس نراجع أوراق."
ضحكت مشاعل بخفة، وقالت:
"ديم… أنا مو غبية."
ثم نظرت لملف الأرض، وأضافت بحدة بسيطة:
"واضح إنكِ تحاولين تثبتين شيء."
وقف كنان:
"مشاعل، خلّي الموضوع يهدأ شوي."
لكنها تجاهلته، ونظرت مباشرة لديم:
"قولي لي… وش بالضبط تحاولين تثبتين؟"
ردت ديم بثبات:
"إني أعرف الحقيقة."
ابتسمت مشاعل ابتسامة فيها شيء من التحدي، وقالت بنبرة أخف لكنها مليئة بالغيرة:
"خصوصًا لما تكونين قريبة مرة من كنان."
ساد صمت للحظة، نظر كنان لمشاعل باستغراب:
"وش دخل هذا بالموضوع؟"
قالت وهي ترفع كتفها:
"بس ملاحظة."
لكن ديم فهمت المعنى، وقالت بهدوء:
"أنا هنا عشان القضية… مو عشان أحد."
ردت مشاعل بسرعة:
"أكيد."
لكن نبرة صوتها قالت العكس.
بعد قليل، خرجت مشاعل من المكتب وهي متوترة.
في الممر، وقف ريان، عينيه تلمعان بالفضول:
"وش صار؟ صوتكم كان عالي."
قالت ببرود:
"ولا شيء."
لكن ريان يعرفها جيدًا، وقال بابتسامة خفيفة:
"واضح إن فيه شيء."
نظرت له للحظة، ثم قالت:
"ما يعجبني إن ديم صارت قريبة من كنان."
رفع حاجبه، قائلاً:
"غيرة؟"
قالت بسرعة:
"لا."
ثم أضافت:
"بس ما أثق فيها."
ابتسم ريان، وقال:
"الغريب… إني أنا أثق فيها."
تجمدت مشاعل للحظة، ثم قالت بهدوء:
"يمكن لازم ما تثق في أحد."
ثم مشت.
بقي ريان واقف يفكر بكلامها، عينه على الباب وهي تغلق خلفها، والشعور بالريبة بدأ يتسلل إلى قلبه.
في الحديقة، كانت وسن جالسة على المقعد الخشبي، ساقاها متقاطعتان، واليدين تمسكان الكوب بلا شعور.
جاء سراج وجلس بجانبها، خطواته هادئة لكن حضوره مريح.
قال وهو يبتسم بخفة:
"هربتي من البيت؟"
ضحكت خفيفًا، وقالت:
"يمكن."
قال:
"أنا بعد."
سكتوا لحظة، ثم قال سراج بصوت أهدأ:
"تعرفين؟"
نظرت له بفضول:
"وش؟"
ابتسم:
"أحس إنك أقوى مما تتوقعين."
استغربت:
"ليش تقول كذا؟"
رد:
"مدري… إحساس."
نظرت للأرض قليلاً، ثم قالت بصوت خفيف:
"شكراً."
وكان هذا أول شعور بالراحة يمر عليها منذ اكتشاف السر، شعور بأن هناك من يفهمها حتى لو لم يعرف كل الحقيقة.
مشاعل في الشرفة… تخطط للخطوة التالية
في الشرفة، وقفت مشاعل تنظر للأسفل، ترى كنان وديم يجلسان في الحديقة، يبدوان وكأنهما في حوار هادئ، لكن عينها تتقلب بينهما.
تضيق عيناها قليلاً، ثم همست لنفسها:
"واضح إن اللعبة بدأت…"
داخلها، شعور جديد يشتعل.
الغيرة، الحسد، والتحكم…
كانت تعرف أن كل حركة صغيرة ستؤثر على الجميع.
العائلة التي بدت قوية، بدأت تتصدع ببطء، وكل سر صغير بدأ يظهر كسلسلة أحداث متتابعة، لا أحد يعرف أين ستنتهي.
وفي الداخل، بعيدًا عن أعين الجميع، كانت الأسرار تتسرب شيئًا فشيئًا،
والتلاعب بالوثائق، الثقة، والغيرة… كلها تتجمع لتخلق عاصفة لا أحد يعلم مدى قوتها، لكن جميعهم شعروا بها تتشكل…
العاصفة لم تبدأ بعد، لكنها الآن، في قلب كل واحد منهم، أخذت روحها الأولى.